الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 الشيخ محمود عاشور وكيل مشيخة الأزهر من العلماء الذين يتميزون بالتواضع مع غزارة العلم أعطى للدعوة كل جهده وهمه رغم انه فى بداية حياته كان يريد الإلتحاق بكلية دار العلوم جامعة القاهرة وليس بالأزهر لكن جده غضب غضبا شديدا وقال له لقد وهبتك للأزهر ولا أريدك أن تتحول عنه والتزم الشيخ عاشور بوصية جده وسلك الطريق الأزهرى وألتحق بكلية اللغة العربية ثم مارس الدعوة ولايزال على عهده مع جده حتى الآن. ورغم ان الشيخ عاشور لم يكن معروفا للعامة فى مصر قبل توليه منصب وكيل مشيخة الأزهر إلا انه ـ منذ توليه لهذا المنصب ـ أثبت جدارته وساعده على ذلك علمه وتواضعه وحبه للناس وحرصه على قضاء حوائجهم. وهو يعترف بأن مستوى الدعاة أضعف بكثير، الأزهر الآن لا يقارن بمستوى خريجى الستينيات والسبعينيات لكنه يؤكد أن الضعف لا يخص الأزهريين وحدهم وإنما ينطبق على مختلف أنواع التعليم ويرجع إلى أوضاع إجتماعية منها كثرة وسائل الترفيه وانصراف الطلاب عن التحصيل العلمى وإنشغالهم بأمور آخرى. وقد أجرينا مع فضيلته هذا الحوار لنتعرف على ذكرياته مع الدعوة وأهم المواقف التى تعرض لها فى هذا المجال. ـ بداية من هو الشيخ محمود عاشور؟ ـ لقد ولدت ونشأت فى قرية من القرى المصرية وعشت طفولتى كلها فى القرية فى وقت كانت القرى محرومة من الكهرباء والمياه النقية وكانت فقيرة ولا يوجد بها شيئا من وسائل الترفيه بل كانت تعانى من نقص الحاجات الضرورية الموجودة الآن فكنا بعد صلاة العشاء نذهب إلى النوم ونستيقظ قبل صلاة الفجر لأداء الصلاة وبدء العمل مع ظهور ضوء الصباح وفى هذه القرية التحقت بالكتاب وحفظت القرآن الكريم وكان جدى لأبى هو ولى أمرى وكانت كل أمنيته أن أصبح عالما من علماء الأزهر وشيخا لأحد المعاهد الأزهرية المنتشرة فى أنحاء الجمهورية بعد ذلك التحقت بمعهد الاسكندرية الدينى فى المرحلتين الإبتدائية والثانوية وكانت مدة المرحلة الإبتدائية أربع سنوات والثانوية خمس سنوات والحمد لله وفقنى الله فى دراستى وتفوقت فيها. دار العلوم ـ بعد حصولك على الشهادة الثانوية هل كنت تريد الإلتحاق بجامعة الأزهر أم كانت لك رغبة آخرى؟ ـ بعد حصولى على الثانوية الأزهرية تقدمت بأوراقى إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة وكان جدى فى ذلك الوقت فى مرضه الآخير الذى مات فيه ولما أخبرته بما فعلت حزن حزنا شديدا وقال يابنى لقد وهبتك للأزهر فلماذا تقدمت لكلية دار العلوم؟ هل لأن هذه الكلية توجد فيها بنات؟ وقال إذا ذهبت إلى دار العلوم فإن ربى وقلبى غاضبان عليك ولن أسامحك أبدا وهنا تدخل أحد أقاربى وقال ان جدك يحبك حبا عظيما ولا تجعله يموت وهو غاضب عليك وبالفعل سحبت أوراقى من كلية دار العلوم والتحقت بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وقد صدر قانون تطوير الأزهر ونحن طلاب فى الكلية ولذلك تأخرنا سنة فى الدراسة وتخرجت فى عام 1964 وبعد التخرج أعلنت وزارة التربية والتعليم عن حاجتها إلى مدرسين فتقدمت وعينت فى مديرية التربية والتعليم فى بنها وعملت فى مدرسة قها الإعدادية لمدة عام ثم انتدبت للعمل فى الإتحاد الإشتراكى العربى وفى منظمة الشباب وظللت فى هذا المنصب حتى عام 1970 ثم سافرت إلى السودان كمدرس معار وبقيت هناك ستة أشهر ورجعت إلى مصر ولم أعد إلى السودان مرة آخرى. ـ سيرة حياة فضيلتكم توضح أنك كنت بعيدا عن مجال الدعوة فمتى بدأت ممارستها إذن؟ ـ فى الحقيقة لم أستمر طويلا بعيدا عن الأزهر ففى عام 1972 نقلت إلى مجمع البحوث الإسلامية وعملت فى مكتب الأمين العام للمجمع عضوا فنيا ثم مديرا لمكتب الأمين العام وكان يشغل هذا المنصب الدكتور محمد بيصار رحمه الله الذى عين وكيلا للأزهر وخلفه فى منصب الأمين العام الشيخ محمد حسين الذهبى ـ رحمه الله ـ وعملت معه مديرا لمكتبه أيضا إلى ان عين وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر وأصر على أن أنقل معه إلى وزارة شئون الأزهر وبالفعل نقلت فى مايو 1975 ثم رقيت إلى مدير عام مكتب وزير شئون الأزهر ثم مديرا عاما للشئون المالية والإدارية وبعد ذلك رقيت إلى وكيل وزارة للشئون المالية والإدارية فى عام 1989 ثم وكيل أول لوزارة شئون الأزهر فى عام 1996 وظللت فى هذا المنصب أعمل مع رئيس الوزراء فيما يتعلق بالأزهر لأن رئيس الوزراء هو فى نفس الوقت وزير لشئون الأزهر إلى أن عينت وكيلا للأزهر فى يونيو 2000 أما بالنسبة للدعوة فقد كنت وأنا فى الوزارة «أفندى» ولم أكن أرتدى الزى الأزهرى ولم يكن أحد يتصور أن هذا الأفندى يمكن أن يكون داعية فقد كان لى نشاطات مع وزارة الشباب ومديرى ومراكز الشباب وبعض الهيئات والمؤسسات إلى أن عينت وكيلا للأزهر ففرض علي هذا المنصب أن أكون داعية وارتدى الزي الأزهرى وتتسابق وسائل الإعلام على نقل ونشر أحاديثى ومن هنا بدأت ممارسة الدعوة فى مختلف المحافل وفى وسائل الإعلام المختلفة. الاتحاد الإشتراكي ـ بالنسبة للإتحاد الإشتراكى ماذا كانت طبيعة عملك فيه وأنت رجل أزهرى؟ ـ كنت عضوا فى اللجنة الدينية فى الإتحاد ولم أنس أصلي أو كونى أزهريا فى أية مرحلة من المراحل التى مررت بها ولم أفرط فى دينى فى أى وقت وانما كنت ـ والحمد لله ـ حريصا على التمسك بدينى وكنت أكتب مقالات دينية فى مجلة الشباب العربى التى كانت تصدر عن الإتحاد الإشتراكى. ـ من الملاحظ أن فضيلتكم كنت تحاول دائما الإبتعاد عن مجال الدعوة فما أسباب ذلك؟ ـ لا أنا لم أبتعد عن الدعوة لكن ظروف عملى جعلتنى أنشغل عن الدعوة الإسلامية لكن عندما عينت وكيلا للأزهر فرضت على طبيعة المنصب أن أكون شيخا يرتدى الزى الأزهرى ـ الجبة والعمامة. خطبة الجمعة ـ ما هو الموقف الذى مر بك فى الحقل الدعوى ولا تستطيع نسيانه؟ ـ أذكر أننى خطبت الجمعة للمرة الأولى فى حياتى وكان عمرى لا يتجاوز الخمسة عشر عاما وقد حدث ذلك أثناء قضاء الإجازة فى القرية حيث فوجئت بجدى يطلب منى أن أخطب الجمعة وكان ذلك يوم الثلاثاء وقال أمامك ثلاثة أيام لتعد خطبة جيدة ـ وكان جدي هو الذى يتولى أمر الخطابة فى مسجد القرية ـ وبالفعل بدأت فى تحضير الخطبة وبعد ان انتهيت عرضتها على جدى فقال هذه خطبة جيدة ولكن غير هذه النقطة وضع هذه هنا وتلك هناك وأعاد صياغة ما كتبت وقال لا تقرأ من ورقة لأن ذلك يجعلك تنسى ولو وقعت الورقة من يدك لأفسدت الصلاة كلها لكن حدد عناصر رئيسية ثم تحدث عن كل عنصر دقيقتين أو ثلاث وبالفعل جعلت موضوع الخطبة موزعا على عدة عناصر ومساء الأربعاء جلس جدي فى «المنظرة» وقال لى اعتبرنى أنا والكراسى والأثاث كالمصلين فى المسجد وألقي الخطبة ولما انتهيت قال هذا جيد وفى صباح الجمعة أجرى جدى معى ما يمكن أن نسميه البروفة الآخيرة وأثناء الصلاة جلس بجوار المنبر وبعد الأذان قال لى: تفضل ياأستاذ وهذه هى المرة الوحيدة التى قال لى فيها ياأستاذ فى حياته وبدأت الخطبة فقلت الحمد لله ويبدو أن صوتى كان منخفضا جدا لدرجة أن أحدا لم يسمعه فتنحنح جدى فى إشارة لى بأن أرفع من صوتى وبعد الصلاة أعرب لجدى بعض المصلين عن إعجابهم بى وبالخطبة فقال لهم مزهوا وفرحا إن محمود هذا ولدي وبعد ان ذهبنا إلى البيت قال لى كنت مستعجلا وأنت تلقى الخطبة هل كان أحد يضربك بالكرباج وأعطانى «ريال فضة» وكان هذا المبلغ ـ الكبير فى ذلك الوقت ـ مكافأة لأول خطبة جمعة خطبتها فى حياتى. ـ ما ذكرته فضيلتك يوضح مدى حرص الآباء والأجداد فى الماضى على توجيه وإعداد الأبناء لتلك المكانة السامية فلماذا اختفى هذا الحرص الآن؟ ـ كان جدى من الأزهريين المتقاعدين ولم يكمل تعليمه فى الأزهر ولكنه كان يمارس الدعوة بما حصله من علوم ومعارف فكنت أنا الأمل بالنسبة له ولذلك وهبنى للأزهر وغضب علي عندما تقدمت بأوراقى إلى كلية دار العلوم لأنه كان يرغب فى أن يرانى عالما من علماء الأزهر وكان يتمنى أن يرانى شيخا لمعهد والحمد لله وفقنى الله لتحقيق آمنيته وأصبحت وكيلا للأزهر. وسائل الترفيه ـ يتهم الدعاة بضعف المستوى وضحالة المعلومات فهل هم ضعاف بالفعل أم أن هذه الإتهامات من قبيل التجرؤ على العلماء والهجوم غير المبرر عليهم؟ ـ الضعف لا يتعلق بالدعاة وحدهم لأن المستوى العام فى التعليم هبط فخريج أية جامعة الآن ليس كخريج الجامعة فى الستينيات أو السبعينيات أيضا خريج المدارس الثانوية مستواه الآن أضعف بكثير من خريج هذه المدارس فى الماضى لأن المستوى العام أصبح ضعيفا وهابطا والأزهر هو شريحة من شرائح المجتمع ينطبق عليه ما ينطبق على المؤسسات الآخرى فى المجتمع ولذلك تأثر بما تأثرت به الجامعات الآخرى وهذا كان له نتائجه السلبية على الأئمة والخطباء والدعاة وأصبح المستوى أقل مما ينبغى وأقل بكثير مما كان عليه فى الماضى فجيلنا على سبيل المثال كان منقطعا ومتفرغا تماما للعلم ولم تكن لديه وسائل الترف والترفيه الموجودة الآن فلم يكن هناك تلفزيون وقنوات فضائية وبث مباشر وفيديو وانترنت وغير ذلك مما يشغل الطلاب عن التحصيل والتفرغ للدراسة والإستذكار فى هذه الأيام فكان طبيعيا ان يهبط المستوى والأزهر لم يكن بعيدا عن هذا كله فقد تأثر وظهر ذلك فى مستوى الأئمة والدعاة وهذا أمر طبيعى. ـ وما تصور فضيلتكم للنهوض بمستوى الدعاة بصفة عامة وطلاب الأزهر خاصة؟ ـ هناك الآن دورات تدريبية تعقد للأئمة والوعاظ ودورات تنشيطية وبحثية وتأهيلية كل ذلك لتأهيل الداعية ليكون فاعلا وله تأثيره فى المجتمع وحتى يصبح على مستوى جيد لكن للأسف هناك دعاة لا يريدون تحسين مستواهم وكثير من خريجى الأزهر يهربون من العمل بالدعوة رغم ان العاملين بهذه المهنة لهم امتيازات مادية أفضل من غيرهم وتوفر لهم وقت فراغ أطول بجانب كونها رسالة لمن يقوم بها عظيم الثواب من الله ـ عز وجل ـ وأعتقد ان سبب هروب هؤلاء أنهم لم يعدوا منذ البداية الإعداد الكافى والجيد ليكونوا خطباء وعلماء. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد