الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 بالرغم من رحيله قبل سنوات طويلة يبقى نجم السينما الراحل وأسطورة الكونج فو بهونج كونج بروس لي معشوق عدد غير محدد من البشر في مختلف انحاء العالم هذا العشق وصل عند الشباب لدرجة المطالبة بنصب تمثال لهذا النجم الراحل تخليدا لذكراه لولا أن الحكومة كان لها وجهة نظر أخرى حيث رأت أنه لا يوجد داع لتمجيد هذه الشخصية باعتبار أن حياته الفعلية كانت مليئة بالرذيلة والادمان والسلوكيات المشينة مما لا يستدعي أبدا جعله مثالا وقدوة للشباب. ولكن ما يعنينا في الموضوع ليس الخلاف على بروس لي بقدر ما نهدف الى الاشارة الى أن بروز هذا النجم ارتبط باسم حيوان شهير لدى الصينيين بشكل عام وهو التنين ،حيث ارتبطت أسماء معظم افلامه به وكان أشهر هذه الافلام «التنين» بعدها ظهر العديد من افلام الكونج فو لممثلين آخرين جميعها تحمل اسماء مرتبطة بالحيوان مثل «التنين الخفي» و «التنين الأحمر» و«قبضة التنين» و «قبلة التنين» ليس ذلك فحسب بل دخل التنين في أفلام الكرتون الخاصة بالاطفال أيضا. بروس لي ليس هو الشخص الوحيد الذي يعشق التنين فهناك الشعب الصيني بأكمله يعرف باسم شعب التنين وهذه التسمية بالذات تحظى باعجاب هذا الشعب الذي يسد عين الشمس من كثرة عدد أفراده لأن التنين يحتل مساحة شاسعة في وجدان الانسان الصيني ويعتبر جزءا أساسيا من ثقافته وتكوينه النفسي كما يمثل التنين المحور الأساسي للآداب والفنون والهندسة المعمارية وكافة المجالات الثقافية الأخرى وهو بالنسبة لهم يرمز الى السلطة الكبيرة والحكمة والقوة والثروة والفأل الحسن. ويعتقد الصينيون كذلك ابان احتفالاتهم بالسنة الصينية أن التنين يطرد الأرواح الشريرة التي يمكن أن تحول الاحتفالات الى كوارث. ومنذ العصور التاريخية الغابرة في الصين كان التنين هو شعار الاباطرة والحكام ورمز علو المقام والعظمة وكان الرجل الشجاع يوصف بالتنين وهذا يعتبر شرفا عظيما اضافة الى ذلك كان في تلك العصور هو شعار العائلة المالكة الذي ظل يزين العلم الوطني حتى تحولت الصين الى جمهورية في العام 1911 الا أنه ظل يحافظ على مكانته عبر السنين وحتى يومنا هذا. ولكن ما حقيقة هذا الحيوان ؟ وهل هو بالفعل حقيقة واقعة أم أنه اسطورة وخيال من نسج أذهان البشر ؟ وكيف يمكن أن يكون التنين حقيقة وهو محاط بهالة كبيرة من التبجيل الخيالية والتي وصلت في كثير من الاحيان الى حد التقديس خاصة لدى الصينيين الذين قسموا الحيوان الى أربعة أنواع: الاول ( لونج ) أي العملاق وهو الذي يحرس الاباطرة وقصورهم والثاني (شين لونج) أي التنين الروحي وهو الذي يتحكم في الرياح والأمطار والثالث (تي لونج) أي تنين الأرض وهو الذي يتحكم في الأنهار والبحار ومجاري المياه والرابع (فوت لونج) أي تنين باطن الأرض الذي يحرس المعادن الثمينة أو الكنوز المدفونة في باطن الأرض. والأغرب من ذلك كله اعتقاد البعض أن ذكور واناث التنين قد تزاوجت واختلطت مع الجنس البشري وأصبح أحفادها حكاما عظاما ومن هؤلاء هيرو هيتو امبراطور اليابان حفيد الأميرة «الجوهرة الثمينة» ابنة التنين ملك البحار وهناك عدد من اباطرة وحكام بعض الدول الآسيوية يدعون بأنهم أحفاد التنين العظيم وهذا جعلهم يتفاخرون بأصولهم ويزينون قصورهم بصورة يستخدمون اسمه في وصف بعض ممتلكاتهم مثل عرش التنين ورداء التنين وسرير التنين وقارب التنين! نعود ونتسائل عن حقيقة هذا الحيوان .. وهل يمكن أن يكون قد عاش بالفعل على الأرض ؟ وهل هناك مجال لتصديق عملية خروج ألسنة اللهب من فمه بالشكل الذي نسمع عنه ونراه في أفلام الكرتون !! والاجابة عن هذه التساؤلات ستكون مطابقة لاجابة علماء الحيوان عندما علموا بوجود هذا الحيوان المخيف الذي يعيش على بعض الجزر الاندونيسية لم يفعلوا شيئا سوى انهم هزوا أكتافهم مشككين بصحة الخبر! ولكن يجب أن نؤكد أن هناك من يعتقد بل يؤمن ايمانا يصل الى درجة اليقين بان التنين حقيقة واقعة وهذا ما تم التحقق منه عام 1912 بواسطة أحد الأوروبيين الذي أمكنه رؤية هذه الكائنات الغريبة بأم عينيه وكان هذا الشخص طيارا في سلاح الجو الهولندي أضطر الى الهبوط ذات مرة على جزيرة صغيرة تدعى «كومودو» وقضى بها فترة غير قصيرة من الزمن وكتب هذا الطيار بعد عودته الى جزيرة جاوا تقريرا حول زواحف عملاقة رآها بأم عينيه .. هذا التقرير أكدته روايات عديده سمعها العلماء من السكان المحليين وجود هذه الكائنات الا أنها لم تكن محل تصديق كما أن العلماء لم يصدقوا أيضا تقرير الطيار الذي رأى من جانبه أنه من غير المعقول أن يتدخل فيما لايعنيه ، فالشيء الذي لا يعرفه علماء الحيوان لم يدفع العسكري للتعرف عليه كما أنه أصبح يشكك بامكانية أن تكون الأخطار التي تعرض لها قد بدأت تترك أثارا سلبية على عقله وتوازنه .. وأصبح السؤال الذي يشغله ويفكر فيه بجدية هو هل هو مجنون أم لا يزال عاقلا؟! وعلى أية حال لم يهتم بروايات الطيار سوى رجل واحد هو مدير متحف جاوا ويدعى الرائد ب . أوينس الذي طلب من أحد الضباط الهولنديين القيام بجولة استطلاعية بجزيرة كومودو ليتحقق من رواية الطيار عن حيوان التنين وبالفعل قام الضابط بجولته الاستطلاعية وقتل أثنين من أفراد التنين وأرسل جلديهما الى مدير المتحف .. بعد ذلك لم يستطع أكثر المشككين والمرتابين من انكار وجود التنين الاسطوري! لقد أثبت أوينس أن هذا الحيوان لم يكن سوى عظاءة عملاقة لها أقرباؤها المعروفون بشكل جيد لعلماء الحيوان وبالرغم من أن الجلد الذي أرسله الضابط كان متوسط الحجم لتنينين يبلغ طولهما 3 أمتار الا انه كان يعتقد أنه توجد أحجام أكبر من ذلك بكثير.. لقد أستطاع أوينس اثارة عالم العلوم بأكمله وقام هو نفسه بعد ذلك بجولات لجزيرة كومودو الأندونيسية الا أن نشوب الحرب العالمية الثانية جعل الناس يقلقون بشأن الموت والحياة أكثر من اهتمامهم بحيوانات التنين. وفي العام 1915 أراد رجال الأعمال الصينيون الاستفادة من جلود التنين وأرسلوا بعثات صيد للجزيرة آملين في تحقيق ثروات هائلة جراء صناعة الأحذية والحقائب من الجلود الا أنه من سوء حظهم أن التجارب برهنت عدم صلاحية جلود التنين للدباغة! ولم تبدأ الدراسة الحقيقية والأساسية لتنين كومودو الا بعد مرور خمسين عاما على اكتشافه وأكدت التحقيقات التي جرت صحة الكثير من الروايات الخيالية التي كانت تدور برؤوس السكان المحليين .. وعندما رأى علماء الحيوان التنين لأول مرة لم يفهموا لغز ألسنة اللهب التي كانت تنطلق من فهمه فاللسان الطويل المتشعب الذي كان التنين يخرجه من فمه لتحسس الأشياء في طريقه كان بلون ساطع الحمرة وببساطة شديدة فان المسافة البعيدة وخيال الناس الخائفين حولت اللسان الأحمر العادي الى السنة هائلة من اللهب! ومن الممكن أيضا أن تكون الروايات حول التنين الذي يبلغ طوله 7 أو 10 أمتار هي بسبب الخوف فالعلماء لم يروا أيا من هذه الحيوانات بهذا الطول الهائل ، ولكن حتى تلك التي لم يتجاوز طولها 3 أمتار كانت تبدو برأس ضخم وأعين تومض تحت أشعة الشمس الملتهبة وكان جلدها الثقيل يشكل طيات محدبة على عنقها كما أن الجلد مغطى بحراشف عظمية اضافة الى ذيل كبير وأقدام طويلة وفك ممتلئ بـ 26 من الأسنان الحادة يصل طولها الى 3 أو 4 سم ..كل ذلك كان يعطي انطباعا عن وجود زواحف عملاقة تعود الى ما قبل التاريخ مضى على ظهورها ملايين السنين. وهكذا أصبح التنين حقيقة واقعة وتم التعرف على نمط حياة التنين وطبيعة تكاثره حيث تضع الأنثى من خمس الى خمس وعشرين بيضة يبلغ حجم الواحدة منها بيضة طيور الأوز وتخرج الصغار من البيوض بعد مرور 9 أشهر وتنمو بوتيرة بطيئة وتمتد حياة التنين من 40 الى 50 سنه. وبالرغم من توفر معلومات كثيرة عن حيوانات التنين الا أنه لم يزل هناك الكثير والكثير من الأسرار والاسئلة التي ظلت باقية دونما جواب الى يومنا هذا عن حياة وطبيعة هذا الحيوان الأسطوري العجيب!