الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 ما إن نبدأ في محاولة فهم أبعاد اهمية الزخرفة في العمارة الاسلامية حتى نكتشف ان ذلك لابد له ان يقودنا، بالضرورة، الى محاولة فهم وظيفتها والهدف منها وخصائصها ومبادئها واسرار جمالياتها، وبتعبير آخر يفضي بنا الى انجاز باقي المهام الست الاستهلالية التي حددناها لنفسنا في صدر هذه المناقشة. ودعنا في هذا الصدد نتذكر اننا قد اشرنا الى ان د. غازي مكداشي لا يتردد في كتابه «وحدة الفنون الاسلامية» في الاشارة الى ان فن الزخرفة يتداخل مع فن العمارة ليشكلا معا فنا واحدا اسمه العمارة الاسلامية، التي يصفها بأنها تقدم حالة في فن العمارة لم تعرفها حضارة من الحضارات الاخرى بهذا الشكل. ولكن الا يساور المرء ازاء هذا الارتفاع بالزخرفة الى مرتبة الشريك في العمارة الاسلامية شك في اننا هنا بازاء حالة من حالات المبالغة التي قد يقع فيها الباحث ربما في انعكاس مباشر للموضوع الذي يدرسه؟ الواقع ان المرء يحار، لاول وهلة، في مواجهة علامة الاستفهام التي تدور حول ما اذا كانت هناك مبالغة في الاهتمام بالزخرفة الاسلامية وميل الى تضخيم دورها في الاطار الكلي للعمارة الاسلامية. غيران هذه الحيرة تتضاعف، ذلك ان الاحكام الناقدة على اسس موضوعية دقيقة للفنون الاسلامية، من حيث جمالياتها، هي احكام قليلة للغاية، وفي حال وجودها فانها غالبا تستخدم المعايير النقدية للفنون الغربية. ونحن في حالة الزخرفة ننتقل من النقيض الى النقيض، فاذا كنا قد رأينا انفسنا بازاء هذا الارتفاع بالزخرفة الى مرتبة الشريك في العمارة الاسلامية، فإننا لا نعدم من الباحثين الغربيين من لا يتردد في القول ان الزخرفة الاسلامية هي مجرد استجابة لما يسمونه بـ «نظرية الخوف من الفراغ» بل اننا نجد من هؤلاء الباحثين من يدخل في طائفة اصحاب الاسماء الكبيرة، مثل المستشرق المعاصر الكسندر بابادوبولو. وقاعدة الخوف من الفراغ تستند، كما نعلم، الى طرح أرسطو، في كتابه «الطبيعة» القائل بعدم وجود الفراغ في الطبيعة، او بتعبير آخر خوف الطبيعة من الفراغ. وقد انعكس هذا التوجه على تفسير ظاهرة انتشار الزخرفة في الفنون، وخاصة في الفن الاسلامي، من باب ان الانسان، بسبب خوفه من الفراغ، يقوم بتغطية المساحات بعناصر اخرى مرئية. فأين وجه الحقيقة بين هذين النقيضين اللذين يرتفع احدهما بالزخرفة الى مرتبة الشريك الكامل في العمارة الاسلامية بينما يهوي بها الآخر الى محض استجابة آلية لقاعدة الخوف من الفراغ؟ شريك أم تيار رابع؟ هنا، بالضبط، تبرز اهمية الدراسة التي ساهم بها الباحث المتخصص دالو جونز بعنوان «السطح والنمط والنور» في كتاب «عمارة العالم الاسلامي» من تحرير جورج ميتشل، حيث يحرص على ان يؤكد لنا ان دور الزخرفة هو دور محوري في اي تحليل للفن الاسلامي، ذلك لان الزخرفة هي احدى قوى التوحيد التي ربطت على امتداد ثلاثة عشر قرنا من الزمان المباني والاشياء من مختلف ارجاء العالم الاسلامي عبر نطاق جغرافي هائل يمتد من اسبانيا الى اندونيسيا وصولا الى الصين. وفي اعتقاد جونز ان الفن الاسلامي ليس فنا للشكل بقدر ماهو موضوعات او «ثيمات» زخرفية ترد في كل من العمارة والفنون التشكيلية، بشكل مستقل عن المادة والنطاق والاسلوب الفني المستخدم، فليس هناك هناك نمط زخرفي واحد على الاطلاق لنوع من المباني او الاشياء، وانما الامر على العكس من ذلك فهناك مباديء زخرفية عموم اسلامية، قابلة للتطبيق على كل الأنواع والمباني والاشياء في كل الازمان، ومن هنا تأتي العلاقة الحميمة في التقاليد الابداعية الاسلامية بين الفنون التطبيقية كافة والعمارة، ومن هنا فإن الفن الاسلامي لابد من النظر اليه في كليته لان كل مبنى وكل شيء يجسد الى حد ما مباديء متطابقة، وعلى الرغم من ان الاشياء والمباني تختلف في نوعية التنفيذ وفي الاسلوب، الا ان الافكار والاشكال والتصميمات تتغير بصورة مستمرة. وهو لا يتردد في الاعراب عن اعتقاده بأنه اذا كان الفنانون والمعماريون الاسلاميون نادرا ما جددوا وابدعوا في اختيارهم للشكل (وهو قول فيه نظر، كما يقال) فإن انشغالهم بزخرفة السطح كان انشغالا اصيلا الى حد كبير، فقد وصلوا الى حد الكمال بنمط من الزخرفة كان الغرض منه اولا وقبل كل شيء ان يتم اخفاء طبقة على المباني والاشياء تتسم بالتداخل والتركيب تغطي جوهرها الهيكلي الذي غالبا ما كان يتألف من مادة مختلفة، كأنما بجلد خارجي، او بعباءة، وهذه الاحالة النسيجية لم تأت من فراغ حيث كان هناك اعتماد متبادل وثيق بين العمارة والمنسوجات الاسلامية، فالجدران يتم تقليصها الى حدود، الى ستائر تحوي ما بداخلها، وهي بدورها تتم كسوتها بصورة حرفية بالمنسوجات ـ اي المعلقات والبسط والستائر ـ بحيث ان الحد الفاصل بين الاجزاء الدائمة في المباني (الجدران الصلدة( المتخذة من الحجر والاجزاء المؤقتة الخيام او الظلات او الستائر المتخذه من الاقمشة، هو حد مراوغ للغاية ودقيق الى ابعد الحدود. هكذا فإن الاسطح المزخرفة في العمارة الاسلامية لها واقع عضوي، ولها ايضا تأثير بصري، لها استقلالها النابع منها الذي يضفي عليها اهمية تعادل على الاقل اهمية اشكالها المعمارية. ولكن، مرة اخرى الا يحتمل اننا امام لون من المبالغة في تقويم اهمية الزخرفة في العمارة الاسلامية؟ ليس تماما، روبرت هيلينبراند، في غمار حديثه عن تصميم المسجد، يوضح لنا ان هناك اربعة تيارات يمكن ابرازها في هذا الشأن هي على التوالي المرونة الفطرية في التصميم، عدم الاهتمام بالوجهيات الخارجية، الاهتمام بالداخل، واخيرا النزوع الطبيعي الى الزخرفة. نحو التناهي لقد بدأنا مناقشتنا بالحديث عن ان الزخرفة تسمو الى مرتبة الشريك في العمارة الاسلامية في اطار حالة فريدة في عمارة الدنيا بأسرها، وها نحن نصل الى القول بأنها في النزوع الطبيعي اليها تشكل واحدا من اربعة تيارات في تصميم المسجد. ليكن، ولكن ما الذي يقصده استاذ الفن الاسلامي بجامعة ادنبرة باشارته الى النزوع الطبيعي الى الزخرفة في العمارة الاسلامية؟ يحرص بروفيسور هيلينبراند على ان يؤكد انه مامن صورة لعمارة المسجد يمكن ان تكتمل من دون الاشارة الى الزخرفة التي تجملها، ونقطة البدء هي ان الموقف الصارم من التصوير والزخرفة التشبيهيين قد شجعت على التركيز الكبير على الزخرفة المجردة وسرعان ما تم تقدير هذه الزخرفة في حد ذاتها باعتبارها عونا على التأمل، وربما كان ذلك هو السبب في الاهتمام الكبير بالحشوات التي تقع فوق المستوى الارضي مباشرة، وبالتالي فهي تقع عند الارتفاع الذي يتيح تأملها بصورة مريحة من جانب شخص يجلس على الارض. لكن الامر لا يقف عند هذا الحد، وانما يتعداه الى ماهو ابعد من ذلك بكثير، وبايجاز شديد يمكن القول انه سواء اكانت الزخرفة انشائية او سطحية، فان الغرض منها يظل، كما سنرى تفصيلا، هو في احد جوانبه تفكيك المادة ونفي صلابة الكتل الهائلة المكونة لبدن المسجد، واحلال واقع مختلف، ملموس ومحسوس بشكل اقل محل تلك الكتل، حتى في غمار قيام المرء بتأملها وامعان النظر فيها عن كثب. هذه المهمة، التي لا موضع للتشكيك في مدى صعبوتها، يتم القيام بها من خلال تنفيذ الوحدات المفردة بلا انتهاء تقريبا بما في ذلك الاعمدة، العقود البائكات، المقرنصات، ولكن بصفة خاصة الاشكال الزخرفية نفسها المنفذة على المسطحات، بما في ذلك الزخرفة الزهرية، الهندسية والنقشية. وهي مهمة بقدر ما هي شاقة لاشك في انها كانت مصدر بهجة لمبدعيها الذين تعاملوا بصبر لا يعرف الحدود مع فيض لا ينتهي من الالوان والمواد والالوان والاسطح وموضوعات التصميم. لكن الزخرفة الاسلامية تضم اكثر من هذا بكثير، فكل من النوعيات المشار اليها حالا، اي الزهرية والهندسية والنقشية، لها ابعاد اعمق بلا حدود، ولو اخترنا مثلا، التنويعات التي لا نهاية لها والتي كان المبدع المسلم قادرا على الخروج بها من موضوعات المؤثرات الزهرية، والتي افرزت كلمات مثل «ارابيسك» و «توريق» ودفعت بها الى اللغات الاوروبية، توحي من تلقاء ذاتها بثراء لا نهاية له لبديع صنع الخالق جل وعلا، وغالبا ما يمضي البعض الى تفسيرها باعتبارها اشارات الى الجنة التي وعد بها الله سبحانه وتعالى المؤمنين. بدورها تحتفي الزخرفة الهندسية احتفاء شديد التركيب بمستويات عدة وضع بعضها فوق البعض الآخر وبالانماط التي تتواصل فيما وراء الاطار الذي يحيط بها. في الحالتين كلتيهما، هناك اشارات جلية الى اللاتناهي يستدعي عقلنا ووجداننا الى ارتحال طويل في غمار تأملها ومحاولة ادراك بعض من معانيها ومراميها ومقاصدها. اما اذا اشرت الى النمط الزخرفي النقشي، على نحو ما نصادفه في المساجد، فلا موضع للمناقشة في انه ديني صرف، حيث يتألف بصورة كاسحة من آيات من القرآن الكريم واحاديث نبوية شريفة، بالاضافة الى مادة تاريخية تشير الى حقائق تتعلق بتاريخ انشاء المساجد وهوية دعاة بنائها او اصلاحها او ترميمها. ومن الجلي ان النص دائما، سواء أكان المسجد تحت آفاق الاندلس ام يطل على شواطيء الصين، هو باللغة العربية، لغة القرآن الكريم. ولكن الا ينقلنا هذا، بسلاسة وعلى نحو مباشر الى مهمتنا التالية وهي تبين وظيفة الزخرفة والهدف بها. وظائف وأهداف شأن كل ما يتعلق بالزخرفة الاسلامية، فإننا اذا انتقلنا الى الحديث عن وظائفها واهدافها لوجدنا انفسنا امام وفرة حاشدة من العناصر، نحار معها من اين نبدأ، فإذا كنا نتحدث عن المكونات الثلاثة الاساسية التي سبقت الاشارة اليها وهي التوريق والتسطير والرقش، كما يعبر اهل المهنة، اي الزخارف النباتية والهندسية والخطية، لوجدنا انها تتضافر وتتداخل وتتكامل لتضعنا امام بوليفينية بصرية تجتذبنا وتفتنا وتحيرنا في آن، وتتركنا غارقين في رحاب من التأمل له بداية ثم لا تبين له في نهاية الأفق نهاية. أيا كان الامر، فإننا نأمل الا يجانبنا التوفيق والا يجافينا الصواب عندما نتحدث عن سبعة وظائف واهداف تحققها الزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي بصفة خاصة، وان كان ذلك لايعني ان جانبا من هذه الوظائف يجري تحقيقها عبر الزخرفة في العمارة على اطلاقها. ـ الهدف الاول والرئيسي المتوخى من الزخرفة الاسلامية هو التعبير عن مدلولات العقيدة، بآلة مما يعكس اوامر هذه العقيدة ونواهيها، فهي زخرفة تحتل مكانها في عمارة إسلامية تختلف عن العمارات غير الاسلامية، من غير ريب، اذ هي من فيض الاسلام ووحيه، وفي اطارها استملى الفنان المسلم مدلولات عقيدته فجسمها وصورها وابدعها على تلك الصور التي تتحلى بها العمارة الاسلامية، والتي انفردت بها عن سائر العمارات. ـ ثانيا: هذه الزخرفة اندرجت في العديد من العناصر الاخرى التي كرست لتكون في خدمة الجماعة الاسلامية ولتحقق مصلحتها، وكان رعاتها والقائمون عليها ومصصموها ومنفذوها جميعا يقصدون بها في الاصل ان تكون كفارة وتقربا لله سبحانه وتعالى وخدمة للدين الاسلامي واهله من مصلين ومدرسين وطلاب علم وفقهاء، بل وان تكون في خدمة قضايا المجتمع الاسلامي واهتماماته وهمومه بأوسع المعاني. ولا سبيل امامنا لفهم هذا الجانب حق الفهم الا اذا سألنا انفسنا سؤالا محددا: هذه العمارة الاسلامية التي رأيناها في سياقها المسجد تبدأ بسيطة ومجردة من كل زخرف لماذا تحولت على هذا النحو الجارف في مدة جد قصيرة فاذا بها تكتسب الواجهات الصرحية الضخمة والزخارف البديعة الفخمة وتدخل فيها احدث اساليب الانشاء وادق الحيل الفنية المعروفة؟ والاجابة لابد لها من أن تنبع من قلب السؤال نفسه، فقد تغيرت الجماعة الاسلامية التي اقيمت هذه العمارة لخدمتها، تغيرت بحكم انطلاقها قدما في معراج اداء رسالتها ومن ثم اصطدامها بقوى عاتية لها رموزها واشاراتها ودلالاتها على كل صعيد بما في ذلك الصعيد المعماري، وهذه الجماعة نفسها توغلت منطلقة في الجمع الى جانب الايمان الوانا شتى من العمل، لكنه عمل اكثر تعقيدا، عمل يتم في ظل نشاط الشرائح الاجتماعية التي تجملها المصادر الاسلامية تحت توصيف «المياسير» والتي طورت اذواقا مختلفة واحتياجات اكثر تعقيدا، ويضاف الى ذلك بروز نظام الاوقاف، او الحبوس كماعرف تقليديا، وهو النظام الذي شجع الناس على اقامة منشآت خيرية ومؤسسات اقتصادية عديدة، كانت هي في حقيقة الامر التي كفلت الصمود للمساجد واستمرار تألقها وبهائها عبر القرون، فضلا عن الضوابط التي كفلت الاحجام عن هدم المساجد او مصادرة اوقافها والمنشآت التابعة لها. ـ الوظيفة الثالثة التي تؤديها الزخرفة باقتدار في العمارة الاسلامية سندرك ابعادها اذا تذكرنا ما سبق ان اشرنا اليه من ان كثيراً من المؤرخين والنقاد الفنيين يعتقدون ان اهم عنصر من عناصر العمارة الاسلامية هو الفراغ الذي يتم احتيازه بين الجدران والبائكات والعقود، ومن هنا فإن اهمية خاصة في الزخرفة تعطى لتجميل الداخل، مع وجود استثناءات بارزة كالمدخل الصرحي، والقبة والمئذنة، وفي هذا الاطار فإن من المحتمل ان يكون الهدف الرئيسي من الزخرفة كما يحدثنا المستشرق ارنست جروبة في دراسته بعنوان «ما العمارة الاسلامية؟» التي تتصدر كتاب «عمارة العالم الاسلامي» من تحرير جورج ميتشل، تحقيق قيم غير متعلقة بالبناء وتذويب سائرالعناصر الشكلية التي تعد اساسية في التقاليد المعمارية الاخرى، كالانشاء والتوازن والتعادل بين قوى الأحمال والجهود المتعلقة بتقنية البناء، فعديدة هي الوسائل والاساليب والحيل والابتكارات في المبنى الاسلامي التي تشعر المرء بانعدام الوزن والفراغ المحدود وباستبعاد اهمية الجدران والاعمدة والعقود بوصفهاعاملا اساسيا في ابراز جهود الحمل، ويدخل في ذلك استخدام الفسيفساء والزخارف المصورة وقوالب القرميد ذات البريق المعدني متعدد الالوان وقوالب الحجر والملاط والنحت المفرغ والدخلات والكوى الجدارية والعقود والاعمدة الحاملة ويعد الحشد الهائل من المعالجات الزخرفية للاسطح في العمارة الاسلامية واستخدام جميع الاساليب الفنية التي يمكن تصورها وتطوير مخزون بالغ الثراء من التصميمات، ابتداء من الاشكال الهندسية المجردة الى النماذج الزهرية ذات النطاق الشامل ومن النقوش المنفذة بدقة في تنوع هائل من اساليب الخط الى الكلمات الاحادية الصرحية التي تشكل صورا دينية وزخرفة في آن ـ هذا كله يعد شيئا لا نظير له في العمارة غير الاسلامية، ويعد تأثيره امرا فذا بكل المعاني، حيث نلمس بصفة خاصة الميل الى التكرار الذي لا يعرف الانتهاء للوحدات المفردة والدمج المستمر للفضاءات، واذا تم الوصول الى حد مكاني بعينه، مثل جدار نهائي لا يدع مجالا للتجاوز، فان السطح الذي ينبغي ان يوقف اي تقدم لاي شخص يتحرك في المبنى نجده يزخرف بوحدات تكرار ذاتها وتفضي بصريا الى ما يتجاوز الحد المعطى للحائط او السطح او العقد او القبة او كائنا ما كان السطح الذي تجد نفسك بازائه. المغزى الهارب ـ رابعا: في كتاب دومنيك كليفنو المهم، الصادر عن دار تيمز أند هدسون عام 2000، نجد اشارة موجزة من المؤسف حقا انها بعيدة عن التفصيل الى الوظيفة الاكثر مباشرة وبروزاً للزخارف الرقشية، وهي ايضاح المغزى المعماري اذا قدر له بأي شكل من الاشكال وفي اي ظرف من الظروف ان يعتريه الغموض او الالتباس، فهذه النوعية من الزخارف غالبا ما تتضمن الاشارة الى تاريخ انشاء المبنى ودعاته اوالقائمين على اصلاحه او ترميمه، حقا ان الرقش في معظمه يضم آيات قرآنية كريمة واحاديث نبوية شريفة لكننا لا نعدم كما في الرقش الكوفي بمسجد اصفهان الجامع مقتطفات مما ورد على ألسنة اهل الحقيقة وفي نفيس كتبهم، الامر الذي يؤكد البعد التأملي ويشدد عليه. ـ خامسا: لا يغيب عن العين المدربة انه فيما يتعلق بالرقش بصفة خاصة يضطلع هذا اللون الزخرفي بوظيفة فصل المسطحات الجمالية ذات الطبيعية المختلفة، فعلى سبيل المثال تتعدد في الاندلس والمغرب استخدامات الرقش تقليديا لفصل الاجزاء الدنيا من جدران القاعات والغرف المكسوة بالزليج والمسطحات المزخرفة بالنقوش الجصية، وفي اماكن اخرى عديدة من العالم الاسلامي يستخدم الرقش لتأكيد اطار الوجهيات والدوران حول اعناق القباب او تأكيد نقوش العقود وغير ذلك كثير. ـ سادسا: لا حصر للشواهد على امتداد العالم الاسلامي التي تؤكد ان في مقدمة اهتمامات العمارة الاسلامية العمل على الغاء حالة التناقض الظاهري القائمة بين الجسم المملوء والجسم الفراغي، وتحقيق حالة اخرى، هي حالة التجانس، ويتحقق لها ذلك باستعمال المساحات والعناصر المتحركة التي تشكل اداة وصل بين الجسم المملوء والجسم الفارغ، هذه المساحات والعناصر تأتي بأشكال مختلفة ومتنوعة حسب وقعها في العمارة، وهي تتسم بصبغة خاصة حسب كل منطقة من المناطق الاسلامية، وحسب التطور التقني للعمارة عبر القرون، ومن ناحية اخرى فان العمارة الاسلامية تحاول التعامل بطريقة خاصة مع كل بيئة، ومع كل تشكيل تقع عليه لاسباب مختلفة على مدى العصور واختلاف الامكنة، ومن الامثلة البارزة في هذا الصدد تعامل المسلمين الاوائل مع شكل المبنى المقفل، ويضرب في هذا الصدد مثل محدد هو مسجد قبة الصخرة، الذي أتى فريدا من نوعه في ذلك الوقت لكونه لايحوي صحنا مفتوحا في داخله، الا انه قد عولج من الداخل بطريقة برزت الاروقة في اطارها وهي تلف القاعة من الداخل من كل حدب كأنها السماء بصفائها، وقد تداخل معنى السقف بمعنى السماء في اللغة العربية كما سبقت لنا الاشارة، وهذا النوع من التعامل المعماري يصل الى قمته في المساجد العثمانية التي شيدت في مرحلة النضج. ـ سابعا: ايجاد حلول لمشكلات انشائية فينتهي الامر بأن تحار العين اين ينتهي الانشائي واين يبدأ الزخرفي، وقد سبقت لنا الاشارة الى اكثر من نموذج في هذا الصدد، ويشير اوليج جرابار في هذا الصدد في دراسته عن العمارة الاسلامية الواردة في كتاب «تراث الاسلام» لشاخت وبوزورث الى نقطة مهمة هنا وهي اعتقاده انه في حالات التداخل تلك بين الانشائي والزخرفي فان الدافع الزخرفي هو الاساس وانه في حالات استثنائية فقط اعطيت قيمة انشائية لاشكال كانت زخرفية اساسا، ويمضي جرابار خطوة ابعد تدعونا الى التوقف عندها وقفة المتأمل المتدبر للامور، حيث يرى ان هذا التطور في الزخرفة المعمارية انما هو مثال آخر لذلك الغموض او الابهام الشكلي، الذي لا ينبغي فيه ان نحكم على الاشكال المنظورة للعمارة بناء على علاقتها المتغيرة بالتضاد الذي قال به المعماري الروماني ما كوس فيتروفنيوس بين الانشاء والزخرفة، وانما ينبغي الحكم عليها بناء على الاثر الذي تعطيه لاي مبنى بعينه، وحدة واضحة من ذلك المبنى، وفي هذه الحالة الثانية يمكن ان يصبح التضاد بين الزخرفة والانشاء مشكلة زائفة، تماما كسوء الفهم الذي ينشأ عن البناء الصوتي لكلمة او الخطأ في ترجمة عبارة من العبارات، وهذا التفسير على الرغم من ان تأكيده يظل بحاجة الى المناقشة الا انه له ميزات عديدة، في مقدمتها انه يضع مسألة الزخرفة المعمارية في سياقها الثقافي والزمني بدلا من الحكم عليها بناء على معيار خارجي. وهو يفسر التناقض الظاهر استعمال موضوعات معمارية دون ان تكون لها وظيفة معمارية، كما يفسر تحول الجدران ووسائل تدعيم المبنى الى لوحات زخرفية كالنسيجات المنقوشة، او الى تصاوير عن طريق الالوان والاشكال الزخرفية، وهو ايضا يضطرنا الى ان ننظر بامعان اكبر الى الاثر الكلي الذي يحدثه فن معماري معين، لا الى اجزائه المختلفة، وان نستنتج عند النظر الى عمل فني، لا الى عمل صغير ذي طابع خاص، ان اهمية العمل الفني ككل تزيد على اهمية مجموعة الوحدات التي يتألف منها، وان ندرك ان السياق المعماري للاشكال الزخرفية هو الذي يعطي معنى للزخرفة في نهاية المطاف. ولكن الا تنقلنا هذه الجوانب السبعة على نحو مباشر الى المهمتين الباقيتين لنا في هذه المناقشة وهما خصائص الزخرفة ومبادئها ومن ثم جمالياتها؟ هكذا تتواصل خطانا على طريق الفهم الاوضح، وان كانت وئيدة، ولكن الا يدعونا ذلك إلى أمنية صادقة بأن يكون طريقنا هو طريق اهل الحقيقة. ولم لا تكون هذه الامنية ملء القلب وبغية النفس؟ أليس يعلمنا الكاشي ان : «الطريق عبارة عن مراسم الحق تعالى المشروعة التي لارخصة فيها»؟ ألا يدعونا الجرجاني الى ادراك ان : «الطريق مراسم الله تعالى وأحكامه التكليفية المشروعة التي لارخصة فيها، فان تتبع الرخص سبب لتنفيس الطبيعة المقتضية للوقفة في الطريق»؟ تأليف: كامل يوسف حسين