الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 1 ـ من الجوانب التى اهتمت بابرازها وتكرارها سورة «الأنعام» : جانب التسلية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما أصابه من المشركين من أذى ومن إعراض عن دعوته ، ومن تهم باطلة لرسالته.. ومن الآيات التى ساقتها سورة «الأنعام» لتسليته ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله ـ تعالى ـ : (قد نعلم أنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ماكذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبأ المرسلين). 2 ـ وحرف «قد» فى قوله ـ سبحانه ـ «قد نعلم » للتحقيق وتأكيد العلم وتكثيره، والتحقيق هنا جاء من موضوعها لا من ذاتها، كما أن التكثير جاء من متعلقات العلم لا من ذات العلم.. والحزن: ألم يعتر النفس عند فقد محبوب، أو امتناع مرغوب، أو حدوث مكروه. قال الامام ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسيره هذه الآية الكريمة ما ملخصه : «يقول الله ـ تعالى ـ مسليا لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه «قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون». أى : قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم. وقوله ـ سبحانه ـ : «فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » أى: هم لا يتهمونك ـ أيهاالرسول الكريم ـ بالكذب فى نفس الأمر، ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما روى سفيان الثورى، عن أبى اسحاق، عن ناجية، عن على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ أنه قال: قال أبوجهل للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يامحمد إنا لا نكذبك ولكننا نكذب ماجئت به، فأنزل الله ـ تعالى ـ قوله : «فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون». وعن أبى يزيد المدنى ـ رضى الله عنه ـ أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقى أبا جهل فصافحه ، فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الذى يزعم أنه نبى؟ فقال أبو جهل: وحق اللات والعزى إنى لأعلم أنه نبى، ولكن متى كنا لبنى هاشم تبعا؟ 3 ـ فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لتسلية النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما كان يصيبه من المشركين ، ومما لاشك فيه أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان حريصا على اسلامهم ، فإذا ما رآهم معرضين عن دعوته حزن وأسف ، وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة منها قوله ـ تعالى ـ : «فلعلك باخع نفسك على آثارهم ـ فلعلك ـ أيها الرسول الكريم ـ قاتل نفسك هما وغما ـ ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا». ومنها قوله ـ سبحانه ـ : «فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون» ومنها قوله ـ عز وجل ـ : «فلا يحزنك قولهم إنا نعلم مايسرون ومايعلنون». والمعنى: إن هؤلاء الكفار ـ يامحمد ـ لا ينسبونك إلى الكذب، فهم قد لقبوك بالصادق الأمين، ولكنهم يجحدون الآيات الدالة على صدقك بإنكارها بألسنتهم مع اعتقادهم صدقها. والجحود: هو الانكار مع العلم، أى: نفى ما فى القلب ثبوته، أو إثبات مافى القلب نفيه. وفى التعبير بالجحود بعد نفى التكذيب : إشارة إلى أن آيات الله واضحة بحيث يصدقها كل عاقل ، وأنه لا يصح إنكارها إلا عن طريق الجحود. وقال ـ سبحانه ـ «ولكن الظالمين» ولم يقل «ولكنهم» لبيان سبب جحودهم وهو الظلم الذى استقر فى نفوسهم، وفيه فوق ذلك تسجيل للظلم عليهم حتى يكونوا أهلا لما يصيبهم من عقاب. 4 ـ ثم زاد ـ سبحانه ـ فى تسلية رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن طريق إخباره بما حدث للأنبياء من قبله، فإن عموم البلوى مما يخفف وقعها فقال ـ سبحانه ـ : «ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ماكذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا». أى: أن الرسل من قبلك ـ يامحمد ـ قد كذبتهم أقوامهم وأنزلت بهم الأذى ، فليس بدعا أن يصيبك من أعدائك ماأصاب الأنبياء من قبلك، ولقد حبه أولئك الأنبياء الكرام على التطاول والسفه، فكانت نتيجة صبرهم أن أعطاهم الله النصروالظفر، فعليك ـ يامحمد ـ وأنت خاتمهم وإمامهم ـ أن تصبر كما صبروا حتى تنال مانالوا من النصر، فإن سنة الله لا تتخلف فى أى زمان ومكان. وجاء قوله ـ تعالى ـ : «ولقد كذبت رسل من قبلك» مؤكدا بحرف قد وباللام ، للاشارة إلى تأكيد التسلية والتعزية، وإلى تأكيد التمسك بفضيلة الصبر التى سيعقبها النصر الذى وعد الله به الصابرين. وقوله ـ عز وجل ـ : «حتى أتاهم نصرنا» غاية للصبر. أى : صبروا على التكذيب وما قارنه من الايذاء إلى أن جاءهم نصرنا وفيه بشارة للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤكدا للتسلية بأنه ـ سبحانه ـ سينصره على القوم الظالمين. وقوله ـ تعالى ـ : «ولا مبدل لكلمات الله» معناه: لا مغير لكلمات الله وآياته التى وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه، ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ : «كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز». 5 ـ وقوله ـ سبحانه ـ : «ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وان جندنا لهم الغالبون ». وقوله ـ عز وجل ـ: «إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد». ويرى المحققون من العلماء أن المراد بكلمات الله: شرائعه، وصفاته، وأحكامه، وسننه فى كونه، ويدخل فيها دخولا أوليا ما وعد الله به أنبياءه وأولياءه من النصر والظفر، وهذا الرأى أرجح من سابقه لأنه أعم وأشمل. وإضافة الكلمات إليه ـ سبحانه ـ للاشارة الى استحالة تبديلها أو تغييرها، لأنه ـ سبحانه ـ لا يغالبه أحد فى فعل من الأفعال، ولا يقع منه خلف فى قول من الأقوال، ومادام المؤمنون يخلصون له العبادة والطاعة، ويباشرون الأسباب التى شرعها الله للنجاح، فسيجعل ـ سبحانه ـ العاقبة لهم، وفى قصص الأنبياء السابقين العبر والعظات لكل ذى عقل سليم.