الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 ورد ذكر قصر زيمبابوي العظيم لاول مرة في منتصف القرن السادس عشر حيث اشار باروس المؤرخ البرتغالي في رصده للفتوحات البرتغالية الى حصن بنى من الحجارة المصفوفة وغير المدعومة بأي مواد اخرى. واعتقد المؤرخ انه يقف في قلب مدينة اكسوم التي تعتبر من المدن الراقية التي شيدتها ملكة سبأ. وتناقلت الألسن حكاية الحصن وربط بعض المؤرخين البرتغاليين بينه وبين مدينة وردت في كتب التاريخ قديما يقال ان ملكة سبأ كانت تجلب منها الذهب الذي تستخدمه في تزيين قصورها وقصور أفراد حاشيتها. وتعددت الروايات والقصص الخرافية عن ذلك الحصن المنيع الذي يقع في ادغال افريقيا، حتى جاءت حملات الاستكشاف الاوروبية بداية القرن التاسع عشر. ففي العام 1871 بدأ المستكشف الالماني الشاب كارل ماوخ رحلته في ادغال افريقيا وهو يطمح لفك طلاسم بعض اسرارها الكبيرة. ومنها قصر زيمبابوي العظيم. وبعد مسيرة شهور وأسابيع وصل هاوخ الى منطقة في جنوب زيمبابوي حيث كان يقيم تاجر الماني. وحكى التاجر للمستكشف الشاب حكاية ذلك القصر الضخم الذي يستحيل على الانسان الاسود ان يقوم بتشييده. وانطلق ماوخ نحو بقايا الحصن المندثر مع دليل من السكان المحليين. وهناك وفي قلب الاشجار العملاقة التي تشكل غابة كثيفة وجد ماوخ نفسه امام مدينة من حجارة الجرانيت العملاقة وأسوار بيوتها تتلوى مثل الثعابين في انسجام تام مع الاجواء التي تحيط بها وكأنها قد نبتت في هذا المكان كجزء من الطبيعة. لاحظ ماوخ عدم استخدام اي مواد لصف الحجارة التي كانت مصفوفة في براغعة بأسوارها الشاهقة التي يبلغ ارتفاعها اكثر من ثلاثين قدما، كما لاحظ انه وفي مساحة تبلغ نحو مئة هكتار لم يكن هناك اي سور مستقيم، بل كانت جميع الاسوار تتلوى وتتخذ مسارات غير مستقيمة. وانطلاقا من هويته الاوروبية روج المستكشف الالماني فكرة الآثار البرتغالية العظيمة في احراش افريقيا، الا انه وكما يقول بيتر جارليكن وهو احد كبار علماء الآثار الذين كشفوا عن اهتمام بالغ بقصر زيمبابوي، لم يكن مفكرا، اذ كان يعتقد من خلال معاينته لقطع صغيرة من الحديد ومحجر لصناعة الصابون ان امة بيضاء متحضرة قد سكنت هذا المكان في فترة ما، وعلى هذا الاساس فإن هذا القصر الشامخ الذي يطلق عليه السكان المحليون اسم مامباهورو اي قصر المرأة العظيمة ليس سوى واحد من القصور التي شيدتها ملكة سبأ ولانه لم يكن مفكرا فقد غابت عنه حقائق كثيرة. وشهد العام 1890 احتلال شركة بريتش ساوث افريكا المملوكة للبريطاني سيسل روديس لمنطقة ماشونا لاند القريبة من قصر زيمبابوي العظيم وكان روديس يتشرب الافكار العنصرية البيضاء ولهذا كان مؤمنا بالفكرة التي روج لها هاوخ. وفي اول زيارة له لمنطقة قصر زيمبابوي اشاع روديش واتباعه وسط السكان المحليين ان السيد العظيم روديس جاء لزيارة المعبد القديم الذي كان ذات يوم ملكا للرجل الابيض. ولم يكتف روديس واتباعه بالترويج لفكرة حضارة الانسان الابيض فحسب، بل استعان بخبرات تيودور بينيت وهو مؤرخ مغمور لدعم تلك الفكرة واثباتها من خلال دراسة وتحليل ما تكشف عنه اعمال التنقيب من اثار. واستبعد المؤرخ فكرة تشييد ملكة سبأ لقصر زيمبابوي وسجل في مذكراته يقول: لقد كان اسم ملكة سبأ على كل لسان، لقد اصبح هذا مقززا، ليس لهذه الملكة اي علاقة بهذا المكان. وبذل جهودا كبيرة في اثبات حقيقة كان يؤمن بأنها زائفة حقيقة تقول «لقد بنى الرجل الابيض هذا القصر الرائع». وكانت كل الآثار التي استخرجها تيودور بينيت تقول وبصوت واضح «انا اثر محلي. انا افريقي» الاواني الفخارية ورؤوس الحراب الحديدية، والأواني النحاسية والفؤوس والمشغولات والحلى الذهبية كانت كلها تشبه ولحد كبير تلك التي يستخدمها السكان المحليون. ومع ذلك ولانه فشل في التعرف على الطريق الذي قد تقوده اليه الادلة والاثباتات كتب تيودور يقول: لقد شيد هذا المكان انسان ما قبل التاريخ، او قبيلة في شمال افريقيا او الفراعنة وهي تعود ولا شك للقبائل والاجناس المتحضرة التي تنتمي الى العالم القديم. ولا تزال بقايا وانقاض قصر زيمبابوي العظيم في مكانها تغلفها الحيرة هي الاخرى عن بناتها وهل هم من الجنس الابيض، ام هي ملكة سبأ ام هل هم هؤلاء السكان سود البشرة؟! وستظل اسرار قصر زيمبابوي في غموضها الى ان يأتي من يفكك طلاسم القصر المدينة الذي يتوسط ادغال الغابات الافريقية. الاسوار العالية وكأنها جزء من الطبيعة القصر يرقد في سفح الجبل مأمون الباقر