الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 يقول تعالى: «ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ومآأوتيتم من العلم إلا قليلاً»[سورة الإسراء الآية: 85]. وقال: «إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين». وقال «تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر». لقد اجتهدالعلماء وتبحروا في العلم وأكثروا من التأمل والتفكير في الكون فعجزوا عن أن يقطعوا برأى حاسم في حقيقة الروح أو التعرف على أى شيء من ماهيتها. هذا بالرغم من أن نتائج البحوث التى تتناول أسرار الخلايا والمخلوقات مثلاً تبدو كحصيلة هائلة ولكن الراسخين في العلوم يقولون: وبرغم ذلك الطوفان الدفق من البحوث فإنه ليس إلا بمثابة قطرة في بحر من بحور المعرفة وقد اختلف العلماء في معنى الروح الإنسانية وكيفية تعلقها بالبدن وسريانها فيه أو في تجردها عنه وأشهر الآراء في ذلك: أولهما: أنها ليست جسماً ولا عرضاً بل هى جوهر مجرد قائم بنفسه وليس حالاً في بدن الإنسان ولا متعلقاً به تعلقاً يسهل زواله. ثانيهما: أنها جسم نورانى سرى في الأعضاء سريان الماء في النبات والنار في الفحم لا يتبدل ولا يتحلل وهو جسم معنوى. إلا أن العلماء برغم ذلك لم يستطيعوا أن يحلوا لغز الروح ويكتشفوا سرها فحاموا حولها وأكثروا من التأمل والتفكير في أمرها ولكنهم لم يصلوا إلى شيء يكشف عن جوهرها ولم يجدوا خيراً مما قاله القرآن الكريم: (قل الروح من أمر ربى). ومن الأدلة القاطعة على الإعجاز القرآنى أنه اشتمل على تنبؤات في المستقبل تحققت وصدقت كما أخبر عنها ومن ذلك «آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده» [سورة الروم الآيات من 1-6]. لقد أثبتت هذه الآيات وغيرها أن القرآن لا يحد بزمان أو مكان لأنه معجزة دائمة. وجاء في القرآن أشياء لو أن أحداً أخبر بها وقت نزولها لاتهم بالجنون ولكنها جاءت للعصور القادمة جاءت لتتحدى عبر الأجيال إلى يومنا هذا ومابعده فقد حدث أن غلبت الفرس الروم في حرب دارت بينهما في أدنى الأرض أى في أقرب الأرض لبلاد العرب. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب فنزلت هذه الايات الكريمة تعلن بنصها الواضح أن الروم التى غلبت من قبل ستغلب في المستقبل وتحدد بلفظها الصريح أن نصرها في بضع سنين أى في فترة تتراوح بين السبعة والتسعة الأعوام. وقد تحقق هذا النصر المفاجيء للروم على الفرس وفي الموعد المحدد الآيات الكريمة واحتفل الرومان بالنصر احتفالاً كبيراً. وهذا ما سبق أن قررته الآيات الكريمة إذ سيفرح المؤمنون يومئذ بنصر الله أى نصر الروم على الفرس الذين يميل إليهم كفار من المشركين. كما تعلن هذه الآيات أيضاً عن وقائع أخرى ستحدث بعد ذلك يفرح لها المؤمنون ألا وهو نصر الله لهم إذ انتصر المسلمون بعدها في معركة بدر ثم في غيرها من المعارك حتى تحقق لهم النصر والفتح المبين. إنه إعجاز بإيراد حقائق سابقة ووقائع لاحقة. كما أنبأ القرآن بما سيحدث بعد أعوام قليلة وبما سيحدث بعد آلاف السنين فقد جاء قوله سبحانه وتعالى: «سيهزم الجمع ويولون الدبر». فقد نزلت هذه الآية والمسلمون قلة أذلة حتى إن عمر بن الخطاب قال: «أى جمع هذا الذى سيهزم ونحن لا نستطيع أن نحمى أنفسنا» إلا أن القرآن يتنبأ بأن الإسلام سينتصر وأن هؤلاء الجمع الذين تجمعوا لمحاربة الإسلام في مكة سيهزمون ويولون الأدبار ومن الإعجاز في التنبؤ أن يكون في وقت لا يستطيع المسلمون أن يحموا أنفسهم. وحرف السين لا يستخدم إلا بالنسبة لأحداث مستقبلية ومن هنا فلابد أن يكون قائل القرآن متأكداً من أن هذا سيحدث في المستقبل خصوصاً أن ذلك يسجل على قضية الإيمان ويطعن الدين في صميمه إذا تبين أن ماتنبأ به القرآن غير صحيح. وذلك يعتبر أعظم القدرة على التنبؤ بأحداث مستقبلية كما أخبر عن أشخاص كانوا يستهزئون برسول الله ص فقتلوا يوم بدر وقد قال الله تعالى فيهم: (إنا كفيناك المستهزءين). ومن هؤلاء: الوليد بن المغيرة الذى منعه كبره وعناده أن يدخل في الاسلام كما صور القرآن شأنه في قوله تعالى: «ذرنى ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لأياتنا عنيداً سأرهقه صعوداً». وقال الله تعالى في حقه أيضاً: «سأصليه سقر ومأدراك ماسقر لاتبقى ولاتذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر». وقد سمع الوليد هذه الآيات فعلاً وثبت ماأخبر به القرآن الكريم من أنه سيقتل بضربة على أنفه كما جاء في قوله تعالى: « سنسمه على الخرطوم». ومن الإعجاز في التنبؤ أن يحدد موقع الضربة في طرف دقيق من جسمه وهو أنفه وبعد ذلك يأتى في يوم موقعة بدر فيضرب على أنفه فمن الذى يستطيع أن يجزم بما سيحدث بعد ساعة واحدة. ومن هؤلاء أيضاً أبو لهب بن عبد المطلب عم رسول الله ص فقد أخبر عنه الله بقوله: «تبت يدا أبى لهب وتب ما أغنى عنه ماله وماكسب سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد». وقد سمع أيضاً أبو لهب وامرأته هذه الآيات وماتا على الكفر وصدق فيهما إخبار القرآن الكريم. والمعجزة هنا أن القرآن قد أخبر بما سيقع من عدو وتحداه في أمر اختيارى كان من الممكن أن يحارب الإسلام بهذه الآية فقد قالت له الآية إنه سيصلى ناراً لأنه سيموت كافراً وكان يكفي أن يذهب أبو لهب إلى أية جماعة من المسلمين ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله يقولها نفاقا ورياء ليهدم بها الإسلام لا ليدخل في الإسلام يقولها ثم يقف وسط القوم يقول: إن محمداً قد أنبأكم أننى سأموت كافراً. وإن هذا كلام مبلغ له من الله فها أنا ذا أعلن إسلامى لأثبت لكم أن محمداً كاذب ولكن حتى هذا التفكير منعه الله من الوصول إلى فكره ليبقى كافراً ويموت كافراً ليصلى ناراً ذات لهب كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم. ومن هؤلاء أيضاً النضر بن الحارث الذى قال تعالى في شأنه هو وأمثاله: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ». وسمع النضر هذه الآيات ومات على الكفر ولو أن أحداً من هؤلاء الذين ذكرناهم مات على الإسلام ماصدقت النبوءة ولكنه إخبار الله تعالى. ويذكر القرآن وقائع ستحدث وقد وقعت أخبر عنها الله تعالى بقوله: «لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله أمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً». وبعد إيراد هذه الآية الكريمة لهذه الوقائع اللاحقة على قوله نجد أن العلماء والمؤرخين قد أثبتوا في تاريخهم للأحداث أنه في الخامس والعشرين من ذي القعدة سار النبى ص وقد تبعه من المسلمين مايزيد عن التسعين ألفاً وقد دخل هذا الجمع الحاشد إلى مكة واتجهوا إلى المسجد الحرام يهللون ويكبرون في أمن كامل واستمر الأمر على ذلك حتى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة.