الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 من الأساليب البليغة الحكيمة التى تزخر بها سورة «الأنعام» أسلوب التلقين، ومعنا تلقين النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ البراهين والحجج والأدلة التى تشهد بصدق رسالته، ويكون هذا الأسلوب بلفظ «قل»، أى : قل ـ أيها الرسول الكريم كذا وكذا، قد يتكرر لفظ «قل أربع مرات فى آية واحدة، كما فى قوله ـ عز جل ـ : (قل : أى شئ أكبر شهادة ؟ قل الله شهيد بينى وبينكم ، وأوحى إلى هذا القران لأنذركم به ومن بلغ، أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ؟ قل لا أشهد، قل إنما هو إله واحد، وإننى برئ مما تشركون» (الآية : 19) وقد ذكر بعض المفسرين أن جماعة من مشركى قريش قالوا للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يامحمد، أرنا من يشهد أنك رسول الله، فإنا لانرى أحدا نصدقه، لقد سألنا عنك بعض أهل الكتاب، فزعموا أنه ليس عندهم علم بأنك رسول من عند الله، فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه الآية . والمعنى : قل ـ أيها الرسول الكريم ـ لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فى شأن دعوتك، قل لهم : أى شئ فى هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان ؟ ثم أمر ـ سبحانه ـ أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التى لايجادل فيها عاقل، وهى أن شهادة الله تعالى ـ هى أعظم شهادة وأقواها وأزكاها، لأنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ، وقد شهد ـ سبحانه ـ بصدقى فيما أبلغه عنه، فلماذا تبتعدون ـ أيها المشركون ـ عن دعوتى ؟ وصدرت الآية بالفعل الأمر «قل» وبصيغة الإستفهام، تنبيها إلى جلال الشاهد، وإلى سلامة دعوى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكى يدركوا مافيها من حق وماهم فيه من ضلال . وأوثرت كلمة «شئ» فى قوله ـ تعالى ـ «قل أى شئ أكبر شهادة»، لأنها تفيد الشمول الإحاطة والإستقصاء . والمقصود بشهادة الله ـ تعالى : ماجاء فى آياته القرآنية من أنه ـ عز وجل ـ قد أرسل رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ «بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله» . ثم بين ـ سبحانه ـ أن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقل : «وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ» . أى : أن الله ـ تعالى ـ قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق، لأنذركم به ياأهل مكة، ولأنذر به ـ أيضا ـ جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم، ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم فى كل زمان ومكان إلى يوم القيامة» . فهذه الجملة الكريمة تدل على عموم بعثة النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما تدل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله، وتعم ـ أيضا ـ الذين وجدوا بعد نزوله وبلغتهم دعوته ولم يرو النبى صلى الله عليه وسلم ففى الحديث الشريف يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله» . وعن محمد بن كعب ـ رضى الله عنه قال : «من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه، كان من بلغه بعد وفاة النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط، لأنه هو الذى بلغه لا زيادة ولانقصان، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة، وحينئذ لايكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين، وإثمه يكون فى أعناق الذين قصروا فى تبليغ دعوة الإسلام إليه» ثم أمر ـ سبحانه ـ نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستنكر ماعليه المشركون من كفر وإلحاد، وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال ـ تعالى قل ـ إئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ؟ قل : لا أشهد . قل : إنما هو إله واحد وإننى برئ مما تشركون» أى : قل ـ أيها الرسول الكريم ـ لهؤلاء المشركين، إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم، وترديتم فى مهاوى الشرك والضلال، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى، فإنى برئ منكم ومن أعمالكم القبيحة، ومحال أن أشهد بما شهدتم به، وإنما الذى أشهد به وزعتقده، أن الله ـ تعالى ـ واحد لاشريك له، وأننى بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم، والاستفهام فى قوله ـ تعالى ـ «أئنكم» إنكار، جئ مع الإستقباح ماوقع منهم من شرك، وأكد قوله «لتشهدون» للإشارة إلى تغلغل الضلال فى نفوسهم، وإستيلاء الجحود على قلوبهم . وعبر عن أصنامهم بأنها آلهة أخرى، مجاراة لهم فى زعمهم الباطل، ومبالغة فى توبيخهم وفى التهكم بهم . وفى أمره ـ سبحانه ـ لنبيه ـ صلى الله عليه سلم ـ بأن يصارحهم بأنه لايشهد بشهادتهم «قل لا أشهد» توبيخ لهم على جهالتهم، وتوجيه لأتباعه الى الإقتداء به فى شجاعته أمام الباطل، وفى ثباته على مبدئه . وقد تضمن قوله ـ تعالى ـ : «قل إنما هو إله واحد» إعتراف كامل بوحدانية الله، وقصرها عليه ـ سبحانه ـ ، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان وعابديها، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله ـ عز وجل ـ بأن رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ صادق فى رسالته ، وشهادة منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن الله واحد لاشريك له، وأنه برئ من إلحاد الملحدين، ومن شرك المشركين . ثم ساق القرآن الكريم شهادة ثالثة بصدق النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهى شهادة أهل الكتاب فقال إن الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الذين خسروا أنفسهم فهم لايومنون» (الآية : 20»والمعنى : أن العقلاء من أهل الكتاب ليعرفون صدق ماجاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ معرفة تماثل معرفتهم لأولادهم الذين هم من أصلابهم، وأن إنكار المنكرين منهم لهذه المعرفة سببه الحقد والحسد والعناد . وقد روى أن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ قد قال لعبد الله بن سلام بعد أن أسلم بالمدينة المنورة : ياعبد الله، أن الله قد أنزل على نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة آية تقول : «الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم»، فكيف هذه المعرفة ؟ فقال عبد الله : ياعمر، لقد عرفت محمداـ صلى الله عليه وسلم ـ حين رأيته معرفة هى أعظم من معرفتى لأبنى، فقال له: عمر : وكيف ذلك / فقال عبد الله أشهد أنه رسول الله حقا ـ كما أخبر ربى ـ ولا أدرى ماتصنع النساء !! فقبل عمر رأسه . وهكذا الإيمان عندما يستقر فى القلوب، يكون عمقه لايضارعه شئ فى ثباته وقوته