الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا رسول بعده وآله وصحبه وبعد: سورة البقرة من السور المدنية وعدد آياتها مئتان وخمس وثمانون آية وتعد الثانية بعد الفاتحة حسب ترتيب المصحف الشريف، لأن الفاتحة تضمنت الاقرار بالربوبية والالتجاء اليه في دين الاسلام والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين. سورة البقرة لها أهمية كبرى ومنزلة عظيمة تتضح عند الحوار بين موسى عليه السلام وقومه من بني اسرائيل، وفي أهمية هذه القصة جعل عنوان السورة يحمل اسمها «البقرة» ولما اراد الله لفت انظار مجموعة من العباد إلى قدرته التي يعجز البشر عن مخالفتها جعلها من شيء مثلهم مخلوق، فالذي حدث لهذه البقرة هو مؤثر خارجي جعل فيها صفة المعجزة ثم للتنبيه والدلالة على قوة هذه المعجزة جعلها عبرة وعظة تذكر على مر العصور والازمان ليتعظ بما حدث كل من قرأ هذه القصة في كتاب الله لو سمع عن اسم البقرة الذي جعل عنواناً لأطول سورة في القرآن الكريم مع وجود كثرة الأحكام والانبياء في السورة إلا انها لم تسم الا بهذا الاسم (البقرة) وذلك لدلالة قصتها على وجود الصانع اذ حياة القتيل ليست من ذاته وإلا يحيي كل قتيل يضرب ببعض البقرة عليه وإلا حصلت متى ضرب وعلى قدرته لانه احيا بمحض قدرته لا بهذا السبب، بل عنده وعلى حكمته لانه اشار بذلك إلى احياء القلوب بذبح النفس الامارة المظلمة. وهذا ما نلمسه في مواضع هذه السورة التي تحتوي على انماط مختلفة مع انبياء متفرقين على فترات الزمن المختلفة. قد ذكرت معهم هذه القصة. (الاحياء بعد الممات) للدلالة على صدق دعوتهم ولولا هذه المعجزات التي صاحبت الانبياء عليهم السلام لما آمن كثير من البشر ويتضح هذا المعنى جليا وتبرز تلك المواضع في الدلالات الاشارية الواضحة في تفسير قوله تعالى (كذلك يحيي الله الموتى) والله تعالى ذكر في هذه السورة احياء الموتى في خمسة مواضع: قوله تعالى (ثم بعثناكم من بعد موتكم) وهذه القصة (البقرة) وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. وقصة ابراهيم والطيور الاربعة. وذكر هذه المواضع هو ارتباط العنوان بالمضمون حيث ان عنوان السورة البقرة وتأتي مقاصد اسماء السور لتبين المراد والمراد هنا ايضاح المعجزة في موضع الاحياء بعد الممات واسم البقرة حمل هذا الامر. لان الحكمة من ذكر احياء الموتى في خمسة مواضع في سورة واحدة يدل على أن مقصودها اقامة الدليل على أن الكتاب هدى ليتبع في كل ما قال به واعظم ما يهدي إليه هو الايمان بالغيب ويجمعه الايمان بالآخرة، فمداره الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصة البقرة. فلذلك سميت بها السورة وكانت بذلك احق من قصة ابراهيم عليه السلام لانها في نوع البشر وما تقدمها في قصة بني اسرائيل من الاحياء بعد الامانة بالصعق وكذلك ما شاكلها، لأن الاحياء في قصة البقرة عن سبب ضعيف في الظاهر بمباشرة من كان من آحاد الناس، فهي أدل على القدرة ولاسيما أنها اتبعت القصة بوصف القلوب بالحجارة، بما عم المهتدين بالكتاب والضالين وصفهم بالقسوة الموجبة للشقوة ووصف الحجارة بالخشية الناشئة في الجملة عن التقوى المانحة للمدد المتعدي نفعه إلى عباد الله. وفيها اشارة إلى ان هذا الكتاب فينا كما لو كان فينا خليفة من أولي العزم من الرسل يرشدنا في كل أمر إلى صواب المخرج منه فمن أعرض خاب، ومن تردد كاد، ومن أجاب اتقى وأجاد. ومن جهة أخرى قد يرد سؤال لماذا اسم البقرة وما فائدة ضرب المقتول ببعض البقرة مع ان الله قادر على أن يحييه ابتداء؟ الجواب: الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة ابعد، فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة فإنه اذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في انه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به اذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم فدل ذلك على ان إعلام الأنبياء انما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم امر القربان، وذلك لان قضية الحياة والممات من المسلمات عند البشر وانها من صنع الخالق سبحانه وتعالى الذي قال (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا). اخي المسلم ان في مقاصد اسماء السور دلالات على مقصد كل سورة وفي سورة البقرة نبين لك اهمية هذا العنوان وعلى ما دل عليه من خلال مضمونها الذي تحدثت فيه عن دلالات الوحدانية في قدرة الله على عباده وان الله يريد من العباد الايمان بدليل العقل والفطرة ومن خلال التبصر فيما حولهم ولهذا نجد ان قصة البقرة ما هي الا محاولة لاقناع العقل بأن الامر كله بيد الله ومن هنا علينا اخي المسلم ان نجتهد في معرفة سر هذه الآيات والسور وفيما دعت اليه لانك اذا تمعنت في قصة البقرة سوف تظهر لك اهمية اتخاذ هذا الاسم (البقرة) عنواناً لهذه السورة العظيمة لانه كلما جاء اسم السورة دل الفهم على ان في هذه السورة عبرة ينبغي التوقف عندها واخذ ما فيها من توجيهات فاحرص اخي على الاستفادة من خير القرآن وجعلنا الله واياك من اهل طاعته أمين. د. سيف الجابري