الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 هو رجل ذاق نعمة الملك، وترف القصور، واحتلب رحيق السطوة والنفوذ، فقد كان ابوه حاكما لبلد «الأٌبلة» وواليا عليها لكسرى،.. والأبلة كما جاء في لسان العرب، مكان بالبصرة وهي بضم الهمزة والباء وتشديد اللام، البلد المعروف قرب البصرة من جانبها البحري، قيل: هو اسم نبطي. قال الجوهري: الأبلة مدينة الى جنب البصرة..! وقال ابن حجر: صهيب بن سنان بن مالك ويقال: خالد بن عمرو بن عقيل، ويقال: طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن جذيم بن كعب بن سعد بن اسلم بن اوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمري، ابو يحيى، وامه من بنى مالك بن عمرو بن تميم، وهو الرومي، قيل له ذلك لان الروم سبوه صغيرا، قال ابن سعد كان ابوه وعمه على الابلة من جهة كسرى، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبدالله بن جدعان التميمي فأعتقه، ويقال بل هرب من الروم فقدم مكة فحالف ابن جدعان..! اذن فأصوله عربية ما في ذلك شك وكثير من قبائل العرب انطلقت من اليمن او من جنوب الجزيرة لتقطن شمالها، فيما سمى بالهجرات العربية بعد سقوط سد مأرب ومملكة سبأ، غير انه تربى في الاسر الرومي فأثرت اللهجة الرومية في لسانه، وتغيرت حاله من الرغد الهنيء الى القسوة والغلظة والعبودية والذل.. حتى استقر به الحال في مكة، وكان صاحبا لعمار، وعمل في صنع الدروع والسيوف يرتزق منها..! وكلمة «صهيب» تدل على حمرة في الشعر وشقرة والصهوبة الصعوبة والشدة والقسوة، وقالوا: الاصهب: الذي يخالط بياضه حمرة، الصهباء: الخمر..! ولانه كان غريبا عن مكة وقدمها في مقتبل صباه رقيقا او في حكم الرقيق فغنى عن البيان ان يصادق من هم في مثل حكمه وعمره، فقد كان صديقا لعمار بن ياسر، ولكنته الرومية وهيئته، كانت من عوامل تحببه الى اهل مكة وعطفهم عليه، ولم يتغير الحال الا بعد ظهور الاسلام..! فلو كانت قريش تعرف اللين والرحمة لاحد لعرفته لابنائها، اذ اسلموا، لكنها اصمت آذانها واعمت بصائرها عن نداء الحق، وتصورت انها بتضييقها على من اسلم، وصب صنوف العذاب عليهم، قد تنمحي الدعوة وتجتث شجرة الدعوة، وازداد العذاب والاذى على المستضعفين اضعاف ما نزل بغيرهم، ولكن هؤلاء الضعفاء كانوا اصلب عودا واشد بأسا مما كانت قريش تتوقع مما اثار دهشة الجميع، لكنه الايمان اذا خالط نوره القلوب فانها لاتهتز ولا تتراجع فقد عرفت اليقين..! كان صهيب بن سنان أحد الاوائل الذين طرقوا باب الارقم طلبا لمعرفة الحق، يقول عمار بن ياسر، اخوه في الكادر الاجتماعي قبل اخوته في الاسلام: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الارقم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.. فقلت: ماذا تريد؟! فقال: وانت ماذا تريد؟! قلت له: اريد ان ادخل على محمد، فأسمع ما يقول. قال: وأنا أريد ذلك.. فدخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرض علينا الاسلام، فأسلمنا.. ثم مكثنا على ذلك حتى امسينا.. ثم خرجنا مستخفيين..! وهكذا بدأ النور يجد طريقه الى قلب صهيب.. غير انه لانه غريب لا عصبة له بمكة، ولا عدة ولا ظهر يحتمي فيه، فقد كان اذا ذهب الى دار الارقم استخفى بها نهارا، فلا يخرج منها الا ملتحفا بالظلام، لئلا يراه طغاة مكة او اذنابهم، فيوقعون به ما يرونه لائقا به من العذاب، جزاء تركه لدينهم ودين آبائهم، واهمال اصنامهم التي منحوها كل تبجيل وتقديس..! وظل الامر على ان يجتمع الصحب سرا، يتعلمون ويحفظون ويتفقهون، ثم يعود كل واحد منهم خفية الى بيته واسرته يعبد ربه، حتى دخل عمر بن الخطاب في دعوة محمد الى الله، فعزم على النبي صلى الله عليه وسلم بالاعلان قائلا: يا رسول الله على ما نخفي ديننا ونحن على الحق، ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ قال له: «يا عمر إنا قليل، قد رأيت ما لقينا» فقال عمر: فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر، الا اظهرت فيه الايمان، وخرج المسلمون من دار الارقم في صفين على رأس احدهما عمر بن الخطاب، وعلى رأس الثاني حمزة بن عبدالمطلب، والنبي صلى الله عليه وسلم بين الصفين، وطافوا حول الكعبة، بهذه الكيفية فعرف المشركون المسلمين فصبوا جام غضبهم عليهم لاسيما من كان في مثل حال عمار وصهيب وبلال، ولكنهم اهلا لهذا البلاء ورضوا بما ساقه الله اليهم من بلاء وصبروا عليه..! وما اجمل الصورة الادبية التي سطرها قلم استاذنا المرحوم خالد محمد خالد عن الصحابي الجليل، صهيب بن سنان الرومي: عرف صهيب اذن طريقه الى دار الارقم.. عرف طريقه الى الهدى والنور، وايضا الى التضحية الشاقة والفداء العظيم.. فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل دار الارقم عن خارجها لم يكن يعني مجرد تخطي عقبة.. بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره..!! عالم قديم، بكل ما يمثله من دين وخلق، ونظام وحياة.. يتخطاه الى عالم جديد بكل ما يمثله من دين وخلق ونظام وحياة.. وتخطى عتبة دار الارقم، التي لم يكن عرضها ليزيد عن ذراع واحدة كان يعني ـ في حقيقة الامر وواقعه ـ عبور خضم من الهول واسع وعريض، واقتحام تلك العقبة، أعني تلك العتبة، كان ايذانا بعهد زاخر بالمسئوليات الجسام..! وبالنسبة للفقراء والغرباء والرقيق، كان اقتحام عقبة دار الارقم يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر. علي عيد