الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 يدعي بعض ممن في نفوسهم غرض ان الإسلام دين جاف لا روح فيه ولا مكان للمرح ولا الإبداع ولا الجمال، فيه كما يروجون عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم انه كان متجهما وعبوسا ولا يعرف الضحك والمرح و ان تعاليم الإسلام كلها صحراوية جافة خالية من الذوق الرفيع والمشاعر المرهفة والاحساس بالجمال والابداع وغير ذلك من الاتهامات التي يكشف علماء الإسلام والفنانون معا زيفها وبطلانها من خلال هذا التحقيق. الإسلام دين يحب الجمال ويدعو إليه في كل شيء والنبي عليه السلام يقول: (ان الله جميل يحب الجمال) ، والفن هو في حقيقته إبداع جمالي لا يعاديه الإسلام وغاية ما في الأمر أن الإسلام يجعل الاولوية للمبدأ الأخلاقي على المبدأ الجمالي بمعنى انه يجعل الثاني مترتبا على الأول ومرتبط به ... هذا ما توضحه الفنانة المعتزلة ونجلة الشيخ الحصري ياسمين الخيام، مشيرة إلى ان الموقف المبدئي للإسلام إزاء جميع أشكال الفنون ينطلق من خلال هذه النظرية، كما ان هناك معيارا إسلاميا للحكم على اى فن من الفنون يتمثل في قاعدة شرعية خاصة من الفن بأن (الفن حسنه حسن وقبيحه قبيح) ، مشيرة إلى أن القرن الكريم في العديد من آياته يلفت الأنظار إلى ما في الكون من تناسق وإبداع وإتقان وما يتضمنه ذلك من جمال وبهجة وسرور للناظرين. وأضافت انه من هنا لا يعقل ان يرفض الإسلام الفن اذا كان جميلا اما اذا اشتمل على القبح بما يعنيه ذلك من قبح مادي ومعنوي فان الإسلام يرفضه ولا يوافق عليه، وعليه فان الإسلام بهذه الرؤية المتقدمة يقدر الفن اذا كان هدفه المتعة الذهنية وترقيق الشعور وتهذيب الاحاسيس فلا اعتراض عليه لكن اذا خرج عن ذلك وخاطب الغرائز الدنيا في الانسان وخرج عن ان يكون فنا هادفا فانه حينئذ لا يساعد على بناء الحياة بل يعمل على هدمها، وبذلك يخرج الفن عن ان يكون فنا بل يصير نوعا من اللهو المذموم والعبث المرفوض وهذا امر لا يقره الإسلام. الموسيقى والغناء بينما يرى المفكر الاسلامي الدكتور محمد عمارة ان الموسيقى التي ترتكز حولها عشرات الاحاديث الضعيفة والموضوعة لا تخرج عن كونها مجرد اصوات مرتبة ومتتالية بنغمات معينة وبطريقة محددة مما يمكن من خلالها ابتداع وتقليد اصوات مختلفة للرياح وللحيوانات وللطيور حتى بكاء الاطفال وابتساماتهم يمكن ان تصنعه الموسيقى وكذلك الموسيقى التصويرية وغيرها من الوان الموسيقى والتي يضع العلماء لها معايير ويتم الحكم عليها من خلالها ... بانه اذا كانت الموسيقى والغناء تحمل أنغاما جميلة وكلمات مهذبة، وأصوات راقية، وأصوات جميلة فان الإسلام لا يرفضها طالما كانت في إطار المبدأ الأخلاقي، وطالما كانت رسالة الفن فيها السمو بالإنسان وأحاسيسه ووجدانه ومشاعره. وقد امتدح النبي - عليه الصلاة والسلام - صوت أبي موسى الأشعري وهو يتغنى بالقرن، وكان النبي يختار من بين أصحابه للأذان أجملهم صوتا، وقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم صوت الدف والمزمار دون تحرج. وأضاف انه فى يوم عيد دخل الصحابي أبو بكر الصديق على ابنته السيدة عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم ولديها جاريتان تغنيان وتضربان بالدفوف فاعترض سيدنا أبو بكر على ذلك ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رفض ما أبداه الصديق من احتجاج في هذا الصدد قائلا: (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد) ، ولقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه السيدة عائشة ان ترسل من يغني في حفل زفاف قريبة لها زفت إلى رجل من الأنصار، كما ان هناك مرويات أخرى عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين ان الغناء والموسيقى ليست من المحرمات ما لم يصحبهما أمور منكرة غير أخلاقية كالرقص والميوعة والتخنث وشرب الخمور وارتكاب المحرمات والخنى والفجور. الرقص والتمثيل بينما يؤكد الدكتور العجمي دمنهوري رئيس جبهة علماء الأزهر أن الذين يحصرون الفن في الرقص والتمثيل وغير ذلك من الممارسات فاننا نقول لهؤلاء: ان الإسلام يفرق بين نوعين من الفنون والرقص.. رقص المرأة، ورقص الرجل، فأما رقص المرأة أمام الرجال فهو محرم تماما ولا يقره الإسلام لما فيه من محاذير كثيرة.. اما رقصها في صحبة النساء بعيدا عن اعين الكاميرات والرجال فلا حرج فيه.. بينما الرقصات الشعبية التى يؤديها الرجال مثلا فلا ضير فيها وقد سمح النبي للسيدة عائشة بمشاهدة الأحباش وهم يرقصون. وتناول الدكتور العجمي قضية التمثيل معتبرا انه ليس محرما ما دام في اطار المبدأ الاخلاقي ومشيرا إلى انه لا يستطيع احد ان ينكر ما للتمثيل الهادف من دور فعال في معالجة الكثير من المشكلات والقضاء على العديد من السلبيات في المجتمع ولا حرج ايضا ان يشتمل التمثيل على الوان من اللهو البريء والترويح المعقول والترفيه الذى لا يخرج عن نطاق المعقول.. كما اصبح التصوير في حياتنا المعاصرة ضرورة لا غنى عنها. واضاف بالنسبة لفنون النحت والتماثيل المجسمة فهناك نصوص نبوية واضحة في تحريمها ويرجع السبب في تحريم الإسلام لذلك بالدرجة الاولى إلى ما يخشى من توقير هذه التماثيل او عبادتها، كما كان يفعل عباد الأصنام قديما اما إذا تلاشى الخوف من عبادتها ولم يكن ذلك واردا على الإطلاق لارتفاع درجة الوعي بين الناس فلا ضرر منه ولا حرج فيه لانعدام سبب التحريم، غير ان الإسلام من باب سد الذرائع لا يريد ان يفتح هذا الباب لما يمكن ان يترتب عليه من محاذير في ازمنة مستقبلية، فالإسلام يشرع لكل الأديان ولمختلف العصور وما يستبعد في بيئة قد يقبل في بيئة اخرى وما يكون مستحيلا في عصر قد يكون واقعا في عصر اخر قريب او بعيد. وتنفي الفنانة المحجبة مديحة حمدي تهمة ان الإسلام دين جاف يعادى الجمال والفن الراقي مؤكدة ان الفنان المسلم يعتبر الفن نوعا من أنواع الدعوة إلى الله حيث يحاول الفنان تجسيد ادوار تحض على الفضيلة وتدفع الناس إلى فعل الخير والتمسك بالمبادئ والأخلاق النبيلة في مواجهة الانحلال الأخلاقي واذا التزم الفنان بهذه الرؤية للفن لما خالف الإسلام في شيء لان الله جميل يحب الجمال وطيب يحب الطيب واذا سار الفن في ذلك الاطار لكان من الاعمال الطيبة التى يقبلها الله سبحانه وتعالى. وتضيف ان الفنان داعية في عمله اذا امتاز بحسن الخلق ومكارم الاخلاق وتحلى بالفضيلة فيراقب الله في كل اعماله الفنية خشية ان يغضب الله سبحانه وتعالى وخشية ان يسيء للمجتمع بما يقدم من اعمال درامية سيئة.. وهذه هي فلسفة الفنان الملتزم في تقديم اعمال لها مضمون. فى حين يرى الفنان أشرف عبد الغفور ان قضية تحريم الإسلام للفن ليست مجرد قضية هينة يمكن تجاوزها بسهولة ... بل هى أمر خطير يستحق وقفة هذا خاصة اذا علمنا ان من يحاولون تحريم الفن ويلصقون ذلك بالاسلام يساعدهم في هذا وجود بعض السلبيات الأخلاقية والتجاوزات الشرعية التى تحدث في الوسط الفني ويتم التركيز عليها، وكأن الجميع يتناسون أنها سلبيات قد نجدها في أي وسط آخر، وعموما فالاسلام لا يحرم الفن من اجل الفن بل يحرم كل ما ينافي الشرع سواء كان في الوسط الفني او التجاري او في أي عمل اخر والمعيار الذي يحكم الفن هو نفس المعيار الذي يحكم أي عمل اخر «حسنه حسن وقبيحه قبيح» كما ان الالتزام في الفن ينبع من داخل الفنان نفسه ومن حسن اختياره للأعمال التي يجسدها. تحقيق: مجاهد مليجي