الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 اصبحت سوريا مركزا مهما للابداع والخلق الحضاري المتميز عند بدء العصور التاريخية حيث بدت جذور حضارة إيبلا وحضارات حوض الفرات واضحة المعالم في ذلك العصر، وعلى الرغم من افول بعض حضارات هذه الفترة نجد تنقيبات سوريا في الالف الثاني كبيرة بما فيها فترات تاريخية، فحضارة ماري وحضارة إيبلا والفرات لم تمت وانما استمرت في هذه الفترة، فنجد المماليك العمورية (الامورية) في سوريا اصبحت تمثل حضارة مدنية مهمة كمماليك ماري وقطنة ويمحاض ورأس شمرا وغيرها من ممالك المدن السورية، وفي نهاية الالف الثانية ومطلع الالف الاولى نجد الآراميين يؤسسون ممالك حلت محل الممالك العمورية من اهمها: تل رفعت، دمشق، حماة، حزرق وغيرها. في السطور التالية يبين الدكتور شوقي مضيوف شعث/خبير الآثار الفلسطيني والاستاذ المشارك في قسم الآثار/جامعة ذمار باليمن سابقا، تفصيلات ذلك التاريخ انطلاقا من اركان متحف حلب الشهير. بداية يقول الدكتور شعث، تضم مدينة حلب عددا من المتاحف يصل الى سبعة هي: متحف حلب ويضم خمسة متاحف، ومتحف التقاليد الشعبية (البيت الحلبي)، متحف قلعة حلب، وكلها تتبع المديرية العامة للآثار بوزارة الاعلام السورية. فقد تم البدء في متحف حلب بجمع آثاره عام 1928 وصدر قرار انشائه بصورة رسمية في 29 اغسطس 1931 واختص يومها بآثار العهود التي سبقت الاحتلال اليوناني اي قبل عام 333 قبل الميلاد في حين اختص متحف دمشق بآثار العهود التي تلت ذلك أي آثار سوريا من العهود اليونانية الرومانية والبيزنطية وآثار العهود العربية والاسلامية. وسمي يومها بالمتحف الوطني بحلب الا انه بعد ان استقلت سوريا تم اعادة تنظيم المتاحف السورية وصدر المرسوم التشريعي رقم 130 لعام 1953 وبذلك اصبح المتحف الوطني فقط بدمشق واختص بالآثار ذات الشأن بتاريخ البلاد واصبح متحف حلب متحفا اقليميا فقط الا انه احتفظ بآثاره التي اقتناها في ذلك التاريخ ومن هنا جاء غنى متحف حلب بالآثار السورية من العهود الشرقية القديمة ويتضمن الاقسام التالية: - متحف اثار ما قبل التاريخ - متحف الآثار السورية من العهود الشرقية القديمة - قسم الآثار الكلاسيكية (متحف الآثار من العهود اليونانية والرومانية والبيزنطية) - قسم الآثار العربية والاسلامية - قسم المخلفات والتقاليد الشعبية واتخذ متحف حلب بناء عثمانيا كمقر له الا انه سرعان ما اصبح البناء مكتظا بالآثار واصبح من الضروري التفكير في بناء جديد تتوفر فيه الشروط المتحفية الحديثة ويستطيع ان يستوعب الاثار الكبيرة فكان بناء متحف حلب الجديد الذي جاء نتيجة مسابقة دولية في تضميناته. وتم وضع حجر الاساس لبناء المتحف عام 1961 وانجز عام 1967 وتسلمته المديرية العامة للآثار والمتاحف وبدأت حملة كبيرة في نقل الآثار من قلعة حلب حيث اودعت كثير من الآثار مؤقتا لحين انجاز المتحف. يضم متحف حلب عددا من المتاحف هي: 1 - متحف آثار ما قبل التاريخ: ويعرض أدوات صوانية وعظمية وبعض الاشكال التشكيلية التي عثر عليها خلال التنقيبات الاثرية التي جرت في مواقع ما قبل التاريخ حتى عام 320 قبل الميلاد أي قبل اختراع الكتابة، او في طبقات ما قبل التاريخ في المواقع الاخرى. واهم مصادر هذا المتحف، تدمر، دير الزور، ابو هريرة، المربيط، عين دار اوحالو. 2 - متحف الاثار من العهود الشرقية القديمة: وهو اهم المتاحف الحلبية لانه يضم اهم واجمل القطع الاثرية التي اكتشفت في اهم مواقع الشرق القديم في سوريا وربما في الشرق الاوسط، ومن اهمها: تل حلف، ماري، اوغاريت، ايبلا وغيرها الكثير. يتكون المتحف من ثلاثة اجنحة كبيرة كل منها يضم عدة قاعات صغيرة، خصصت كل قاعة لمكتشفات موقع بعينه. وقد اتبع اسلوب التسلسل الزمني للمقتنيات مع الحفاظ قدر الامكان على المناطق الجغرافية وتنقيبات كل بعثة على حدة وفي بعض الأحيان عرضت القطع التي تجمعها رابطة المادة او الوظيفة كمجموعة واحدة وجرى تقديم القطع الأثرية باسلوب شيق يجذب العالم والسائح والهاوي. كما زودت كل خزانة بشروح باللغتين العربية والانجليزية للقطع المعروضة، هذا الى جانب مخططات جغرافية لسوريا تبين المواقع الأثرية المتبقية، كذلك حاول العارضون ان يتركوا للزائر في بعض الأحيان مشاهدة القطع الأثرية المعروضة من عدة جوانب كما هو الحال في بعض الخزائن في قاعات الجزيزة وماري وحماه ورأس شمرا وتل احمر وقاعة المنوعات. 4 قاعات تاريخية الجناح الأول في متحف الآثار السورية القديمة: ويضم 4 قاعات هي: القاعة الأولى: تعرض آثار الجزيرة السورية وهي حصيلة تنقيبات البعثة الانجليزية التي رأسها مالوان في مواقع تل براك بمحافظة الحسكة، شاغر بازار بمحافظة الحسكة، تل أسود بمحافظة الرقة، تل المفش بمحافظة الرقة. ومن اهم معروضات هذه القاعة جزء من الشريط المذهب الذي عثر عليه في معبد العيون بتل براك من فترة جمدت نصر، والفخار الملون من عصر حلف والعبيد وفخار الالف الثالثة والالف الثانية ثم مجموعة من الاختام الاسطوانية والمسطحة وكذلك الدمى التي عثر عليها في معبد العيون ودمى طيبة وحجرية تعود الى مختلف العصور (الالف الرابعة - الالف الثانية) وهناك مجموعة من الخرز ومن المعروضات الهامة التي عرضت وسط القاعة مجموعة من الرقم الطينية التي عثر عليها في تل شاغر بازار والتي تعود إلى العصر البابلي القديم (مطلع الالف الثانية) وقد عرضت في خزانة وسط القاعة يمكن مشاهدتها من جميع الجهات. القاعة الثانية: (قاعة ماري) وعرضت فيها اهم نتائج التنقيبات الاثرية التي قامت بها البعثة الفرنسية برئاسة اندره بارو ومن اهم المعروضات مجموعة التماثيل التي تلبس الكوناكس بعضها يعود الى اواخر الالف الثالثة والبعض الاخر الى مطلع الالف الثانية ومن اهمها تمثال لماجي ماري وايدي ناروم (الطحان) وتمثال العاشقين ورأس المحارب وتمثال لاسغان وتمثال الرب شمس (تمثال كابان) وهو اول تمثال اكتشف بالصدفة في مدينة ماري، كذلك مجموعة قوالب الخبز الطينية هذا بالاضافة تمثال ايشتوب ايلوم حاكم مدينة ماري وتمثال حاملة الإناء وتمثال الاسد الحارس البرونزي ومجموعة من الحلي والدمى والاختام الاسطوانية. وعلى الجدار تعرض لوحة من الرسوم الجدارية التي عثر عليها في قصر زمزيليم وهي تمثل رجلا يقود ثورا الى التضحية ولوحة فسيفسائية من الصدف تمثل مشهد انتصار الملك يظهر فيه وحامل الراية وجنوده والاسرى من الاعداء. وتبين المعروضات في قاعة ماري الدليل القوي على ان مملكة ماري تأثرت حضاريا بحضارة بلاد ما بين النهرين فالتأثيرات السومرية والبابلية ظاهرة في التماثيل النذرية الصغيرة وفي تمثال ايشتوب ايلوم وتمثال حامله الكأس وغيرها. القاعة الثالثة (قاعة حماة): تعرض هذه القاعة بعض القطع المكتشفة في تل حماة الذي يعرف الان باسم القلعة من قبل البعثة الدنماركية في الثلاثينيات من هذا القرن التي تعود الى العهود الشرقية القديمة ومن اهم القطع المعروضة: تمثال من الحجر الكلسي لرجل يرتدي قبعة مخروطية عليه آثار دهان احمر وكأس عاجي وختم حثي ومجموعة من الفخار والادوات الحجرية والدمى الطينية الآدمية والحيوانية الى جانب قطع اخر متنوعة، كما يعرض تمثال برونزي صغير مغطى بقشرة ذهبية لاحد الارباب وقد اكتشف هذا التمثال في جانب الطريق الممتد بين حماة ومصياف. القاعة الرابعة (قاعة رأس شمرا): وتعرض اهم مكتشفات البعثة الفرنسية ومعظمها تعود الى فترة الازدهار التي عاشتها مدينة رأس شمرا في العصر البرونزي الحديث، ومن اهمها طاسة ذهبية عليها مشاهد من الميثولوجيا السورية وفاس برونزي مذهب، ومجموعة من التماثيل البرونزية الكنعانية والمصرية ومجموعة من الاوزان والحلى والرقم المسمارية والقطع الفخارية المستوردة والمصنوعة محليا والاختام الاسطوانية من الديوريث يعود الى الامير اخنوميت ومجموعة من الاواني من الالبلتر ومجموعة من الاسلحة. موجودات نادرة اما الجناح الثاني فيضم ثلاث قاعات هي: قاعة تل حلف (العصر الآرامي)، قاعة ارسلان طاش وتل حاجب، وقاعة تل احمر (تل برسيب) وآثارها آرامية بتأثيرات حثيه وآشورية. وتضم كل تلك القاعات التماثيل التي نقلت من برلين واخرى يندر وجودها في اي المتاحف العالمية حيث تعود الى العهد الارامي من القرن التاسع عشر. كما يضم الجناح بعض القطع الاثرية المكتشفة في تل احمر (برسيبا) من قبل بعثة فرنسية في الثلاثينيات ومن اهم القطع لوحات الرسوم الجدارية التي وجدت في القصر الملكي والنصبين الكبيرين اللذين يمثلان الملك الاشوري اسرحدون منتصبا وامامه ابن فرعون مصر وملك صيدا راكعين بعد ان هزمهما في احد المعارك. ويضم الجناح الثالث قاعتين تضمان القطع المكتشفة في تل الخويرة وتل مرديخ - ابيلا، واهم المعروضات قطع تمثل عهودا مختلفة من حضارة وادي الفرات في عصور ما قبل التاريخ ( ابو هريرة - المريبط)، الحجري النحاسي (حبوبة الجنوبية- جبل عارودة - الطنيرة)، البرونزي القديم (سلنكحية)، البرونزي الوسيط والحديث (تل الفري - ممباقة - حبوبة كبيرة)، الحديدي في (تل العبد - الرملية - دبسي فرج) والعصور الاسلامية (مسكنة - طعس - قلعة جعبر). اما المتحف الثالث ضمن متحف حلب فهو متحف الآثار السورية من العهود اليونانية والرومانية والبيزنطية، ويقع في الطابق العلوي ومن اهم معروضاته القطع الفخارية اليونانية التي كانت حصة سوريا من تنقيبات ليونار دوولي بموقع المينا في لواء الاسكندرون اليوم وبعض القطع الفخارية من حفريات دورا اوروبوس الصالحية. وجاءت نقلا من المتحف الوطني بدمشق اضافة الى مجموعة من القطع النقدية الذهبية والفضية والبرونزية والنحاسية. واهم تلك المعروضات جاءت من منبج المدنية على بعد 120 كيلومتراً شمال شرق حلب باعتبارها مركزا دينيا ممتازا في العهدين الروماني والبيزنطي كما اصبحت في العصر الروماني مركزا من المراكز الانتاجية الفنية بعد اندثار مدرسة تدمر الفنية وكلا المدرستين رغم انهما انشأتا في ظل الحكم الروماني الا انهما تميزتا بالطابع المحلي. آثار الفترة الاسلامية متحف الاثار العربية الاسلامية: يرجع الى العهود الكلاسيكية البيزنطية، ولا توجد تنقيبات منهجية من العهد الاسلامي غذت هذا المتحف سوى تنقيبات مسكنة وقلعة جهبر اللتين قامتا مؤخرا في نطاق الحملة الدولية لانقاذ اثار الفرات. واهم المعروضات: قطع فخارية وزجاجية ذات مصادر منوعة تعود الى عهود تاريخية مخلتفة كالعهد الايوبي والمملكوكي، اضافة الى خزائن خشبية مجموعة من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية التي تعود الى العهود الاموية، العباسية، الايوبية والمملوكية، وقبر حجري عليه كتابة كوفية مزهرة الى جانب عدة قطع اخرى من الاسلحة والدروع والقطع الزجاجية. متحف الفن الحديث: وتأسس في عام 1971 ويضم مجموعة من اللوحات الفنية الزيتية السورية وخاصة من حلب تمثل مختلف المدارس الفنية السائدة في العالم كالمدرسة الواقعية والتكعيبية وغيرها، ومن الفنانين السوريين الذين اقتنى المتحف اعمالا فنية لهم: محمود حماد، نعيم اسماعيل، حسني حقي، فاتح المدرس، سامي برهان، وحيد مغاربة، محمد عساني. كما يضم المتحف قسما خاصا لاعمال الفنان الراحل فتحي محمد نقلت من مركز الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة بحلب اضافة الى بعض الاعمال النحتية القليلة واللوحات الزيتية التي اقتناها المتحف. تقاليد شعبية متحف التقاليد الشعبية والصناعات التقليدية: وتأسس كفرع من فروع متحف حلب حيث يوجد الان مؤقتا في دار اجقباش انتظارا لاخلاء دار غزالة ليتمكن من استقراره هناك، ويضم المتحف طقماً من الكراسي الصدفية ومجموعة من السجاد وادوات الزينة الفضية والاسلحة والادوات المنزلية والملابس التي يعود تاريخها الى القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين. متحف قلعة حلب: واقيم ليكون متحف موقع وعرضت فيه نتائج التنقيبات الاثرية بالقلعة والقطع الاثرية التي عثر عليها فيها صدفة واتخذ رواقا من اروقة الجامع الكبير كمقر له الا ان ظروف ترميم الجامع اوجبت نقله الى الثكنة العسكرية المجاورة بعد ترميمها وتأهليها لتكون متحفا. وقد افتتح المتحف رسميا في عام 1994 واهم مقتنياته الان : مجموعة من الكسر الخزفية والفخارية، الكتابات والقطع النحتية والتوابيت وغيرها والتي تعود الى مختلف العهود التي مرت بها قلعة حلب.