الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 قال الله جل ثناؤه: (ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) البقرة 264. 1- قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)، تنبيه للمؤمنين الذين يتصدقون بأموالهم في وجوه الحق والخير من أن تسطو على صدقاتهم آفة المن والأذى، فتذهب بها، ويضيع أجرهم الذي كانوا يرجونه عند الله تعالى. 2- قوله تعالى: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر)، هو مثل رفعه الله تعالى لأعين المؤمنين الذين يتصدقون، فيذهب بصدقتهم ما سلطوه عليها من منٍ وأذى، وفي هذا المثل يرون صورة واضحة ناطقة للإحسان الذي يذهب هباء، ويضيع هدراً. فالكافر لا يتقبل الله منه صالحاً أبداً، لأنه أبطل كل صالح بهذا الكفر الذي انعقد عليه قلبه، وفسد به كيانه كله، وقد يتصدق، لا لوجه الله، ولكن يتصدق نفاقاً، طلبا لحمد الناس له، ومدحهم إياه، فهذه الصدقة لا يتقبلها الله منه، ولا يجازيه عليها، وكأنها شيء لم يكن، والله سبحانه وتعالى يقول في حق الكافرين: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً) الفرقان 23. وإنها لصورة كريهة مفزعة للمؤمن الذي يتصدق، فيبطل صدقته بيده، كما يبطل الكافر إحسانه بكفره! وهنا يتمثل المن والأذى كأنه الكفر، وإذ تجنب المؤمن الكفر حتى حُسِب في المؤمنين، فليتجنب المن والأذى حتى يكون في المحسنين، وإلا فهو والكافر في هذا الموقف سواء بسواء، لا يتقبل الله تعالى من أي منهما عمله الذي عمل. 3- قوله تعالى: (فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً) مثل آخر ضربه الله سبحانه للكافر، ولأعماله التي لا وزن لها عند الله تعالى، فالكافر ذاته حجر أصم، لا يمسك خيراً، ولا يجود بخير، وأما ما يكون منه من أعمال حسنة في ظاهرها، فهي أشبه بما يعلو ذلك الحجر الأصم من تراب، والتراب مادة من شأنها أن تنبت الزرع، وتخرج الثمر، إذا اختلط بها الماء، ورواها. والصورة تبدو هكذا: الكافر وأعماله التي يرجى خيرها، والحجر الصلد الأصم وما عليه من تراب يرجى منه أن يكون يوماً أرضاً معشبة، أو حبة مثمرة! وينجلي الأمر عن الموقف الآتي: الكافر يوم القيامة، وقد جاء عرياناً مجرداً من كل عمل ينفعه في هذا اليوم، والحجر الصلد وقد أصابه المطر الغزير، فجرف بتياره العنيف كل ما عليه من تراب، فانكشف، وتعرى، وأصبح لا موضع فيه لنبت يطلع منه، وأما قوله تعالى: (لا يقدرون على شيء مما كسبوا)، فهو استحضاء للكافرين جميعاً ليشهدوا هذا الموقف الذي يتعرى فيه الكافر من كل شيء، كما أنه استحضار للمحسنين الذين أبطلوا إحسانهم بالمن والأذى. محمد إسماعيل عتوك