الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 أكد الدكتور صلاح الدين الجعفراوى رئيس المجلس الإسلامى فى ألمانيا ومنسق استراتيجية العمل الثقافى الإسلامى فى أوروبا أن المسلمين فى ألمانيا وفى أوروبا بصفة عامة يواجهون مشكلات كثيرة منذ أحداث سبتمبر بسبب تضييق الخناق على العمل الإسلامى وتجميد أنشطة الكثير من المؤسسات الإسلامية العاملة فى حقل الدعوة والعمل الخيرى، بجانب الجو العام المشحون بالعداء للمسلمين الذى تعمل وسائل الإعلام على ترسيخه فى أذهان الغربيين ونشر صورة مشوهة للإسلام والمسلمين. وقال ان المسلمين سواء الدول أو الأقليات ساهموا ـ بقصد او دون قصد ـ فى تشويه صورة الإسلام بسبب وجود حالة من الصراع بين الفرق والأحزاب والتيارات المختلفة ونقل هذا الصراع إلى الدول الغربية بجانب التخلف الذى تعيش فيه بلادنا. وأشار إلى ان ضرب العراق هو مجرد حلقة فى المؤامرة الغربية ضد العالم الإسلامى مؤكدا انه بعد الإنتهاء من ضرب العراق سوف تنقل الحرب إلى دولة عربية أو اسلامية آخرى وهذا يتطلب توحيد الصف الإسلامى حتى نتمكن من المواجهة. وأوضح الإقبال على الإسلام والرغبة فى التعرف على مبادئه تضاعفا فى أعقاب أحداث 11 سبتمبر مشيرا إلى ان المجلس عمل على طبع الكثير من الكتيبات ووزعها على الراغبين فى التعرف على الإسلام. ودعا الدول العربية والإسلامية إلى مساندة الأقليات الإسلامية لأنها تمثل الجسر للتواصل الثقافى والحضارى بين الإسلام والغرب. ـ ما أهم الآثار السلبية لأحداث سبتمبر على أوضاع المسلمين فى ألمانيا؟ ـ من أهم المشكلات التى يواجهها المسلمون فى ألمانيا وفى دول الغرب صورة الإسلام التى شوهت بشكل كبير فى وسائل الإعلام خاصة وان الكثير من هذه الوسائل تسيطر عليها الجهات والدوائر المشبوهة وقد لاقت هذه الدوائر ضالتها وبدأت تشيع الكثير من الأخطاء عن الإسلام ولأن الشعوب الاوروبية شعوب قارئة ومستمعة فهى تقرأ وتستمع وتصدق ما تنقله وسائل الإعلام وهذا أدى إلى تشويه صورة الإسلام ممن لا يعرفون حقيقة الإسلام أو عندهم أفكار سيئة عنه أيضا هناك محاولات من هذه الجهات المشبوهة لاظهار المسلمين على أنهم جسم غريب مخرب فى المجتمع الإنسانى رغم ان هذا يخالف تماما حقيقة الإسلام وهذا جعل الأوروبيين ينظرون إلى المسلمين نظرات غير طيبة سواء فى العمل أو فى الشارع لدرجة أن أى انسان ملامحه عربية أو شرق أوسطية ينظر إليه نظرة سيئة ورغم ان هذه الظاهرة قد خفت لكن أميركا تقوم بعملية التسخين من آن لآخر لأنها لا تريد للأوضاع أن تهدأ وحتى ان هدأت تعود وتثير هذه المظاهر مرة آخرى ومن الأمور السلبية أيضا انحسار الدعم والمساعدات من قبل المؤسسات الإسلامية فى الخارج خوفا من أن تتهم بالإرهاب أو تصدر لائحة جديدة تضعهم على قائمة الإرهاب من جانب أميركا مما أدى إلى تعطيل كثير من النشاطات التعليمية والثقافية أو غير ذلك هذا بجانب بعض التعقيدات فى القوانين الأوروبية ـ وقد صدرت فى الفترة الآخيرة الكثير من القوانين التى فيها انتهاكات لحقوق الإنسان وحرية الفكر وكذلك هناك ضغوط على الأجانب ـ العرب والمسلمين خاصة ـ لإبعادهم عن الساحة الأوروبية أيضا هناك النظرة السيئة فى المدارس لأبناء المسلمين مما ألحق أذى شديدا بهم فى المدارس الأوروبية وبصفة عامة نستطيع القول ان الجو غير طبيعى فى الشارع الأوروبى وهذا جعل صورة المسلم منبوذة غير طيبة وهذه المظاهرة السيئة كلها ألحقت بالمسلمين أذى شديدا وعطلت مجهوداتهم وأثرت على صياغة العديد من القوانين التى حجمت وستحجم الأقلية المسلمة فى أوروبا. العمل الثقافي ـ ما مدى نجاح استراتيجية العمل الثقافى الإسلامى فى الغرب فى خلق صورة أفضل للإسلام والمسلمين خاصة بعد أحداث سبتمبر؟ ـ هذه الإستراتيجية وضعت من ممثلى المؤسسات الإسلامية فى أكثر من 20 دولة أوروبية تحت اشراف المنظمة الإسلامية للعلوم والتربية والثقافة «ايسسكو» وبدأت الإجتماعات منذ عام 1993 حتى وضعت الإستراتيجية فى أكتوبر 1998 وتم التصديق عليها من جانب المؤسسات الإسلامية وبالتالى قامت منظمة الإيسسكو برفع هذه الإستراتيجية إلى مؤتمر وزراء الثقافة المسلمين وأيضا لمؤتمر القمة الإسلامى وتم التصديق عليها بشكل كامل فى عام 2000 فى مؤتمر القمة الإسلامى وهى تعمل ضمن ميثاق التعاون والأمن الأوروبى الذى ينص فى أحد بنوده على ضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية للأقليات الدينية والعرقية وتهتم بتأهيل مدرسى اللغة العربية والدين الإسلامى واقامة المؤسسات التعليمية والثقافية وتتضمن أمورا كثيرة منها قضايا الإعلام وتربية النشء ورغم ان هذه الإستراتيجية تعتبر وليدة لكنها تستمد قوتها من قبل المؤسسات الإسلامية فى أوروبا التى وقعت عليها وأقرتها بجانب كونها تحت اشراف الإيسسكو وهى منظمة دولية لها اعتبارها واحترامها سواء فى المجتمع الدولى أو لدى السلطات والجهات الأوروبية ومن خلال هذه الإستراتيجية عقدنا العديد من الندوات ولقاءات الحوار مع بعض المسلمين الأوروبيين واستقبلنا عددا من العلماء المسلمين الذين يجيدون الحوار والتخاطب مع الغرب لأن هناك للأسف دعاة يحدثون الغرب أحاديث عاطفية لا تصل إلى عقول الغربيين وبسبب عدم معرفتهم بواقع الغرب والشعوب الغربية لذلك يكون المردود سلبيا ويحتاج إلى تعديل وتصحيح بعد ذلك وقد عقدنا العديد من الندوات وكان مردودها طيبا وأثرت تأثيرا جيدا لدرجة أن بعض وسائل الإعلام تناقلت المسألة بشكل موضوعى إيجابى، لكن مازلنا نحتاج إلى المزيد من هذه اللقاءات حتى نستطيع ان نواجه هذه الحملة الظالمة على الإسلام والمسلمين. أحزاب وفرق ـ لماذا يوجد نوع من الإحتكاك السلبى بين الأقليات المسلمة والمجتمعات الأوروبية التى تعيش فيها؟ ـ هذا يرجع إلى عوامل كثيرة منها فى المقام الأول الخلافات التى جاء بها المسلمون من بلادهم العربية والإسلامية والأحزاب والفرق التى نقلوها إلى البلاد الأوروبية وللأسف هذه الفرق والأحزاب نقلت خلافاتها إلى الساحة الأوروبية لأنها ساحة مفتوحة وأدت إلى العديد من الصراعات وهذا كان له تأثير سلبى جدا بين المسلمين علاوة على اعطاء صورة سلبية سيئة للغربيين خاصة عندما يرون هذا التناحر فهذا مسجد تابع لجماعة التبليغ وهذا للإخوان وذاك للسلفيين وآخر للصوفية وللأسف كانت بعض الجهات الإسلامية لا تتورع عن اتهام الجهات الأخرى اما بالعمالة أو بالجهل والتطرف وكل هذه السلبيات نحن نتجرع الآن آثارها بشكل كبير أيضا نسبة كبيرة من المهاجرين الذين هاجروا إلى الدول الأوروبية كانوا عمالا محدودى الثقافة جاءوا بهدف تحسين الوضع المادى ولم يكن لديهم حرص على الإهتمام بتربية أبنائهم تربية اسلامية صحيحة حتى يستطيعوا أن يثبتوا فى بلاد الغرب ونتيجة لجهل عدد كبير منهم كانت تقع خلافات وصدامات كثيرة بينهم وهذا أوجد صورة سلبية لدى الغربيين أيضا وصف بعض الدول الإسلامية ـ نتيجة لقيام بعض الجماعات المتطرفة أو التى تقوم بأعمال متطرفة فى بعض الدول ـ هذه الجماعات بأنها اسلامية متطرفة وارهابية وبذلك كانت الدول الإسلامية هى أول من ألصق تهمة الإرهاب والتطرف بالإسلام وللأسف الدول الأوروبية أخذت هذا ـ رغم انها فى البداية كانت تدافع وتقول هذه حرية رأى، ولكنها بعد ذلك بدأت تأخذ هذه الألفاظ وتستخدمها بشكل رسمي وفي وسائل الاعلام، وان كانت الصورة قد اختلفت الآن وأدركت هذه الدول ـ الإسلامية ـ أنها أخطأت خطأ شديدا لأنها أصبحت متهمة بالإرهاب وتعتبر دولا ارهابية فى نظر أميركا وبعض دول الغرب وتعانى هذه الدول الآن مما عانت منه الجماعات الإسلامية التى تم إلصاق هذه التهم بها فهذه الصورة أعطت انطباعا سلبيا بجانب مظاهر التخلف التى تسود بعض البلاد الإسلامية وتجعلها دون المستوى رغم ان ديننا الحنيف يدعو إلى الإلتزام بالقيم والأخلاق وان نكون أناسا حضاريين فى تعاملنا مع الآخر لكننا نجد ان بعض الدول الإسلامية للأسف رمز للتخلف والإنحطاط الأخلاقى وعدم الإهتمام ببعض المبادئ التى يهتم بها الغرب وهى أيضا من المبادئ التى يهتم بها الإسلام كقضايا الحفاظ على البيئة وما إلى ذلك رغم ان ديننا الإسلامى يدعونا إلى النظافة والحفاظ على البيئة لكن هذه الأشياء للأسف لا تراعى هذا بجانب اننا ـ كأقليات ـ جزء من المجتمعات الإسلامية فالكثير من مساجدنا ومراكزنا الإسلامية فيها بعض هذه المظاهر مثل ضعف مستوى النظافة وعدم احترام المواعيد والتخوف من التعامل مع الآخر وهذا أعطى صورة عن قرب للمجتمع الغربى ان المسلمين أناس غير حضاريين مما ساعد فى تكوين صورة سيئة عن المسلمين فى المجتمعات الغربية قبل أحداث سبتمبر وبعدها وهذه الأحداث كان لها أثر كبير فى تأصيل هذه الصورة. مفاهيم مغلوطة ـ كيف نستطيع التحاور مع الغرب وإقناعه بوجهة نظرنا؟ ـ نحن لا نريد ان يضيع منا الوقت وهو ليس فى صالحنا خاصة وان الغرب ليس كتلة واحدة يجمعها رأى واحد فهناك بعض الدول المتطرفة فى وصفها والصاق تهم كثيرة بالإسلام والمسلمين وهناك بعض الدول المتعقلة التى نستطيع ان نتفاهم معها يجب علينا فى البداية ان ننظم صفوفنا وأن نتعلم الأسلوب الحضارى فى تعاملنا مع الغرب وان نصحح بعض مفاهيمنا المغلوطة عن الإسلام فكثير من المسلمين فى الغرب يفهمون بعض الأمور الإسلامية بطريقة خاطئة اذن يجب ان نقوم بهذه الخطوات قبل ان نحاور الغرب حتى لا يضيع لان الكثير من الوقت لأننا مهددون أن نؤخذ دولة بعد آخرى وأرى ضرورة السير فى تلك الخطوات وان يتصدر من يستطيع ان يتحاور ويخاطب الغرب ويسير فى طريق الحوار والتفاهم معه وهناك نماذج كثيرة ولها احترامها فى المجتمعات الغربية ويجب أن تبدأ مباشرة بحيث يسير الأمران معا حتى لا يضيع علينا الوقت. ـ هل تعرض المسلمون فى ألمانيا بعد أحداث سبتمبر لإعتداءات كما حدث فى بعض الدول الغربية الآخرى خاصة فى ظل وجود تيارات يطلق على أتباعها النازيون الجدد؟ ـ النازيون نسبة إلى هتلر النازى وهتلر كانت له مبادئ يعمل من أجلها ويدعو إليها لكن حتى نكون أدق يجب ان نطلق عليهم العنصريين الذى يتنامى مدهم للأسف فى المجتمعات الأوروبية الآن ـ لدرجة ان بعض الدول حصل اليمين المتطرف أو الإتجاه العنصرى فيها على نسبة كبيرة من الأصوات تمكنه من الدخول إلى البرلمان بل إلى المشاركة فى تشكيل بعض الحكومات فى أوروبا بصرف النظر عن فكر الدولة نفسها، فهناك أكثر من ثلاث دول الآن نجح فيها النازيون وأصحاب التوجهات اليمينية فى الوصول إلى البرلمان والمشاركة فى تشكيل الحكومة وهؤلاء أعطتهم أحداث سبتمبر مادة واستطاعوا ان يستفيدوا منها استفادة كبيرة حتى ان بعضهم ممن كانوا قبل أحداث سبتمبر لا يحصل على نسبة 5% من الأصوات وصل إلى نسبة 25% بل إلى 40% رغم ان أحزابهم حديثة وليست عريقة. لكن بالطبع هذه الطفرة حسب تحليلنا نعتبر انها رد فعل وليس لها أساس وبالقطع ستنهار بعد ان نستطيع ان نخاطب الغرب خطابا هادئا عاقلا يفهمه كما نفهم نحن. وأعتقد ان وضع المسلمين فى ألمانيا يشبه وضع المسلمين فى أوروبا عامة لأن أوروبا كيان واحد تقريبا لكن المضايقات التى واجهتنا فى الفترة الآخيرة تمثلت فى إغلاق بعض المؤسسات أو اقتحامها وتفتيشها أو اعتقال بعض المسئولين فى المؤسسات الإسلامية لفترات محدودة والتحقيق معهم ثم الإفراج عنهم والتفتيش ومراقبة التليفونات هذا بشكل عام من جانب السلطات وهذه الإجراءات كانت شديدة وقاسية إلا انها كانت محدودة وليست على نطاق واسع وقد قمنا كمؤسسات اسلامية برفع الأمر إلى القضاء وقد أنصفنا فى بعض الدعاوى التى رفعناها أما بالنسبة للأشياء الفردية فهذه لا نستطيع أن نصف بها نظاماً معيناً واذا التقيت مع أحد العنصريين وبصق عليك أوحاول ان ينزع حجاب إمرأة أو وجدت نظرات الإستخفاف أو القذف بالبيض والطماطم والإيذاء فإن هذا كله بمثابة رد فعل لإنسان مسكين تلقى معلومات وأثرت عليه وسائل الإعلام فاندفع ليقوم بتلك الممارسات. ـ هل يوجد تيار آخر يواجه تطرف التيارات والأحزاب اليمينية ويساند المسلمين؟ ـ أولا لا نستطيع ان نقول ان النازية والتيارات المتطرفة سائدة فى المجتمعات الغربية فهناك بعض الغربيين بدأوا يتعرفون ويتفهمون حقيقة الإسلام وهناك من الغربيين من يتحدث معنا بل ويدافع عنا فى العديد من المحافل وبعض رجال الدين المسيحى العاقلين كان لهم مواقف مشرفة فى أعقاب أحداث 11 سبتمبر وبعضهم زار المؤسسات الإسلامية وقال اذا تعرضتم لأى إيذاء عليكم أن تتصلوا بنا ونحن سنقوم بالدفاع عنكم أيضا هناك عدد منهم أتى ليطمئننا ويقول لا تنزعجوا من مظاهر العداء لأن جموع الناس لا تستطيعون ان تقيسوا عليها فهناك الكثير من الجهلة أو ممن يستمعون إلى وسائل إعلام مغرضة ومشوهة ونحن من جانبنا لا نستطيع ان نصف هذه الحوادث الفردية بأنها أسلوب سائد أو اتجاه فى الشارع الغربى فهناك الكثير من الأوروبيين المتعاطفين معنا بشكل كبير. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد :