الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 ألقينا نظرة على معنى الزخرفة في لغتنا الجميلة، لكن ذلك لا يعني بأي شكل من الاشكال أننا قد اقتربنا منها، الامر أقرب الى لمحة تخطف خطفاً من زرقة المحيط من بعيد، لكن هذه اللمحة لا تعني انك قد بلغت الشاطيء ولا عرفت ما المحيط ولا كيف يخاض عبابه. هذا يقودنا الى سؤال منطقي: كيف يمكننا ان نخوض عباب معرفة حقيقية بما تعنيه الزخرفة الاسلامية كجزء من جماليات المكان في المساجد؟ في اعتقادي انه للوصول الى إجابة حقيقية على علامة الاستفهام هذه، أي لتحقيق الحد الادنى من المعرفة بالزخرفة الاسلامية في هذا السياق، يتعين علينا ان نقوم بانجاز ست مهام محددة، هي أقرب الى ست مراحل في الاقتراب من شاطيء المحيط، اذا شئت تبني التشبيه الذي بدأنا به في هذه المناقشة. بهذا المعنى فانه يتعين علينا أولاً ان نقوم بفهم أسرار اللقاء الأول بين الجماعة الاسلامية الناشئة في المسجد النبوي بالمدينة، الجد الأعلى لكل مساجد الدنيا، ثم ننتقل الى ربط مناقشتنا هذه بالمجاز الذي اجتزناه حالا أي نربط مناقشتنا الراهنة بالجماليات الاسلامية ثانيا، ثم نتبين على وجه الدقة مدى أهميتها في الإطار الكلي للجماليات الاسلامية، وننتقل الى تحديد وظيفتها والهدف منها رابعاً ثم نرتحل خامساً الى تحديد خصائص الزخرفة الاسلامية والمباديء العامة التي تحكم عملية ابداعها، لنصل سادساً الى جماليات الزخرفة الاسلامية كلون فريد ومتميز من الوان الابداع الفني. دعنا نبدأ إذن باللقاء الأول بين الجماعة الاسلامية وعالم الزخرفة وما واكب هذا اللقاء من حماس من ناحية واعتراض من ناحية اخرى والسر في ان هذا الحماس وذلك الاعتراض قد وصل الى الخلاصة التي رأينا استمراريتها تاريخيا حتى اليوم. هذه المصافحة الأولى يتعين علينا، بداية، ان نوضح اننا قصدنا المصافحة الأولى بين المسلمين والزخرفة في سياقهم المعماري، وتحديداً المسجدي، الخاص بهم كجماعة لها هويتها القائمة بذاتها، فلست أشك في ان كثيرا من ابناء هذه الجماعة قد ضربوا في ارجاء الارض داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها في غمار مصاحبتهم للقوافل التجارية وغير ذلك، ورأوا الزخارف المعمارية تملأ الافاق، وربما كان أحد أشكال هذا التعرف آنذاك هجرة بعض ابناء هذه الجماعة الناشئة الى أرض النجاشي حيث الزخارف تملأ كنائسها وقصورها. أما عن الزخارف في الاطار المسجدي واللقاء الأول معها، فدعنا نستعيد ما سبق لنا ايضاحه، وما نحسب انه معروف للكافة، من ان المسجد النبوي الأول بالمدينة المنورة كان بناء غاية في البساطة شكلا وتصميما ومادة، حيث لم يكن ـ في جوهره المعماري الأول ـ يتجاوز سوراً وظلة وسقفاً، وتجرد تماماً من مظاهر الزينة والزخرفة كافة. هذا المسجد، الذي يعد الجد الأعلى لكل مساجد الدنيا، بقي على حالته تلك في عهدي الخليفتين أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، أما ثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان، فانه لما ولي أمر المسلمين بادر الى زيادة مساحة المسجد وإدخال الاصلاحات عليه، بما في ذلك بناء جداره بالحجارة المنقوشة وجعل أعمدته من حجارة منقوشة ايضا واتخاذ سقف له من خشب الساج الهندي المعروف بصلابته ومتانته. هنا ينقل لنا الشيخ طه الولي في كتابه «المساجد في الاسلام» مشهداً فريداً قوامه رد فعل بعض الصحابة على هذا التغيير ورد عثمان بن عفان رضي الله عنه على الرد. وهذا البعض من الصحابة كرهوا من عثمان ما فعله في المسجد من الترميمات والزخارف، وكانوا يفضلون تركه على ما كان عليه أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وقد بادر عثمان الى الرد عليهم، موضحاً المنطق الكامن وراء ما قام به، حيث قال لهم: «قد أكثرتم، واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجداً لله عز وجل بنى الله له في الجنة مثله)». اذن، كانت بداية الزخرفة في سياقها المسجدي مع عثمان بن عفان، حيث أدخل الى المسجد أطرافاً شتى من أسباب الزينة والزخرفة، غير انه لم يبالغ في هذه الزخرفة ولا تلك الزينة، لأنه من الواضح ان المسلمين كانوا لايزالون في ذلك العهد حريصين على الاحتفاظ بتراث النبي صلى الله عليه وسلم على حاله من دون زيادة أو نقص. غير ان المستشرق الالماني إرنست كوهنل يشير في كتابه «الفن الاسلامي» من ترجمة د. أحمد موسى الى ان الاتجاه الى تشييد المساجد الضخمة والقصور الشامخة لحكام المسلمين لم يظهر إلا بعد ان انتقلت الخلافة الاسلامية من المدينة الى دمشق سنة 41 هجرية (661 ميلادية) على يد معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية، الذي رأى ان من الضروري تشييد مساجد لا تقل فخامة عن الكنائس المسيحية والمعابد الوثنية المنتشرة في الأرض التي فتحها الله على المسلمين، وبناء قصور لا تقل روعة عن قصور بيزنطة. ومن هنا شهدت الدولة الاسلامية الناشئة في ظل الأمويين حركة بناء نشيطة واكبتها جهود كبيرة في تطبيق أصول الزخرفة وتطويرها. هنا تلفت نظرنا واقعة شديدة الدلالة يرويها السمهودي في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» حيث يقول ما نصه: «روي ان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لما دخل الشام تلقاه معاوية بعساكر وجنود كثيرة وخيول مسومة وأسلحة مخوصة بالذهب والفضة، ولبوس الحرير والديباج، وزينة حسنة كزينة فارس والروم، فقال عمر: «ما هذا يا معاوية، وما هذه الزينة والفخار، لقد أتيت أمراً إمراً، وارتقيت مرتقى صعباً. فقال (معاوية): يا أمير المؤمنين، هذا غيظ كفارنا ومقهرة لأعدائنا، وإن فرائصهم لترتعد، وإن قوائمهم لتخور من ذلك، وإنا لنجد بذلك المظهر عليهم والذلة والصغار فيهم، وأشربوا في قلوبهم الرعب حين يرون مساجدنا محلاة بالذهب وسقوفها منقطة بقناديل الذهب». ويقول السمهودي ان عمر سكت عن معاوية عندما سمع حجته. صمت عمر وحماس معاوية السؤال الذي يفرض نفسه، على الفور تقريباً، عند هذا المنعطف من رحلتنا هو: «ما الذي نقرأه في هذا المنطق، أو الحجة كما يعبر السمهودي، الذي طرحه معاوية رداً على استفسار عمر الذي هو أقرب الى الأخذ بالناصية والتقريع والتعنيف منه الى أي شيء آخر وانتهاء الموقف بصمت عمر الذي هو في جوهره موافقة ضمنية؟ من الجلي ان صمت عمر وحماس معاوية هما، بمعنى من المعاني، الأرضية التي نبتت فيها العديد من الانشطة ومن بينها الانبعاث الأموي الكبير للبناء والزخرفة خاصة في ظل حكم خلفاء الفرع المرواني. ومن الواضح ان موقف عمر لم يأت من فراغ ولا كان وليد لحظة عابرة، وانما كان هناك معيار مهم، اعتمده عمر ليس في هذا الموقف وحده وإنما في العديد من المواقف الاخرى، وهو مدى تأثير قراره في مستقبل الدولة الاسلامية الناشئة، ونحن نعرف على سبيل المثال انه حين حضرته الصلاة وهو في كنيسة القيامة لم يصل فيها وانما خارجها، حتى لا يتخذها المسلمون مسجداً من بعده، مما قد يلقي ظلاله على العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب التي ارادها عمر وثيقة لا تشوبها الشوائب، ومن هنا فان سكوته عن معاوية انما يحمل معنى التفويض للولاة بالأخذ بالاسباب التي تكفل قوة المسلمين في الامصار التي فتحها الله عليهم، حتى وإن لم يكن راضياً كل الرضا عن جانب من تلك الاسباب، بما في ذلك «الزينة والفخار» حسب تعبيره، وهما أمران من الجلي ان الجماعة الاسلامية في صدر مسيرتها لم تكن تنظر اليهما بعين الرضا. أياً كان الأمر، فان تلك الارضية هي التي نبتت فيها النهضة المعمارية الأموية، كما سنرى تفصيلا في غير هذا الموضع لدى دراسة البعد الزخرفي في حالات بعينها، أبرزها مسجد الصخرة المشرفة والمسجد الأموي، وقيام مسلمة بن مخلد بتوسيع مسجد عمرو بن العاص سنة 53 هجرية والتي شملت طلاءه بمادة النور وزخرفة جدرانه وسقوفه، وذلك للمرة الأولى. ومن جديد يطلعنا السمهودي على طبيعة الروح التي تصدى به الأمويون للانطلاق بهذه النهضة المعمارية والفنية الكبيرة فيقول: «لما قدم الوليد بن عبدالملك المدينة حاجاً بعد فراغ عمر بن عبدالعزيز من المسجد جعل يطوف في المسجد وينظر الى بنيانه، فقال لعمر بن عبدالعزيز حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف كله مثل هذا، قال: اذن يا أمير المؤمنين تعظم النفقة جدا، قال: وإن! قال: أتدري كم أنفقت على عمل جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال: وكم؟ قال: خمسة وأربعون ألف دينار، قال أي الوليد: والله لكأنك أنفقتها من مالك!». هذا الحوار الطريف بين الخليفة الأموي وعامله على المدينة يطلعنا على جوهر المنطق الكامن وراء المسيرة المعمارية الأموية ومدى حرص الخلفاء الامويين على العناية بالمساجد وزخرفتها بالذهب والفضة والنقوش والرسوم أياً كانت النفقة التي يتكبدونها في غمار هذا كله. المساكين والأساطين غير ان هذا التوجه لم يكن يتم في فراغ، وانما في مجتمع فتي يموج بالآراء والتوجهات، التي قد لا تتحمس لهذا التيار بالضرورة، ولا تنظر الى المبالغة فيه بعين الرضا، فقد رأينا منذ البداية المبكرة ذاتها كيف ان بعض الصحابة لم يكتموا امتعاضهم من قيام عثمان بن عفان رضي الله عنه بادخال بعض الاصلاحات في المسجد النبوي بما في ذلك ادخال زخارف ونقوش على جدرانه وأعمدته لم يكن له عهد بها. مع ذلك فان ما قام عثمان به وما أنكره عليه ذلك البعض من الصحابة سرعان ما يبدو شيئاً عادياً ومتواضعاً حيال ما سيقوم به الخلفاء الامويون من المبالغة في زخرفة هذا المسجد نفسه وتزيينه بالذهب والفضة وغيرهما. من جديد نعود الى السمهودي لنتأمل دلالة موقف مهم يطلعنا على ما دار فيه، حيث يقول: «لما فرغ عمر بن عبدالعزيز (يوم كان واليا على المدينة المنورة) من بنيان المسجد قدم الوليد (ابن عبدالملك) حاجا وجعل يطوف في المسجد وينظر اليه ويصيح: ها هنا، ومعه أبان (ابن عثمان بن عفان) فلما استنفد الوليد النظر الى المسجد التفت الى أبان وقال ـ متباهياً ـ أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس». ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟ انه يعني على وجه الدقة وجود تيار يتحفظ حيال هذا التغيير الكاسح الذي شرعت الدولة الاسلامية الناشئة تعرفه في شتى مجالات الحياة، ويكفي في هذا الصدد أن نتذكر ان المسجد النبوي لم يعرف التعديل فيما يتعلق بفتح النوافذ والشرفات فيه إلا على يد عمر بن عبدالعزيز الذي أحدث فيه المحراب كذلك. وقد أورد بعض علماء المسلمين أسباباً نقلية واخرى عقلية لمعارضة زخرفة المساجد وتزيينها بالنقوش الجميلة والمعادن الكريمة. وفي هذا الصدد قال محمد بن عبدالله الزركشي في كتاب: «إعلام الساجد بأحكام المساجد» في معرض تناول هذا الجانب من المساجد: «يكره زخرفتها، ففي سنن أبي داود عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد».. وروى البخاري في صحيحه ان عمر رضى الله عنه أمر ببناء مسجد وقال: أكن الناس من المطر، وإياك ان تحمر أو تصفر فتفتن الناس.. وقد روي ان ابن مسعود مر بمسجد مزخرف، فقال: لعن الله من زخرفه، أو قال: لعن الله من فعل هذا، المساكين أحوج من الاساطين». ويورد الشيخ طه الولي في كتابه «المساجد في الاسلام» أربعة أسباب عقلية يبرر بها بعض العلماء المسلمين معارضتهم لزخرفة المساجد، وهي كالتالي: ـ ان صرف الأموال على الفقراء والمحتاجين أولى من صرفها على الترف والزينة والمباهاة. ـ ان منظر الزخارف في المسجد قد يكون من شأنه ان يلهي البعض عن الصلاة بالنظر اليه. ـ انه لا يجوز للمسلمين التشبه بابناء الملل الاخرى سواء في تقاليدهم الدينية أو في مظاهرهم الاجتماعية. ـ ان هذا الأمر، في نهاية المطاف، بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وعلى الرغم من ان بعض علماء المسلمين مضوا في معارضتهم لزخرفة المساجد الى حد انهم افتوا بعدم جواز صرف غلة ما وقف على عمارة المساجد في أغراض الزخرفة، إلا ان حملة هؤلاء العلماء على زخرفة المساجد بقيت صرخة في واد أو نفخة في رماد، حسبما يعبر الشيخ طه الولي. أياً كان الأمر، فإني سرت في أرض الناس، فما تعلق قلبي من دنياهم إلا بالمساجد، غير اني حرت في أمرهم حيرة المبحر بغير آلة ولا نجم، فثمة فريق يتباهى بما زخرف ونقش ونزل ولبس وموه ورصع وكفت وحفر وكتب في المساجد، فاذا نظرت وجد الاساطين كاللمع في سماء اتشمت ليلاً أسحم، لكنك غير بعيد تجد عيون أناس تشكو الانطفاء لرقة الحال، فتعجب من هذه الأرض ولها، وثمة فريق آخر تطاول في البناء وعلا به وزخرف باطنه وظاهره، لكنك تقطع الأميال فلا ترى من المساجد إلا أقل القليل وما اتشح بالتقشف واداء الغرض، فتعجب من تلك الارض ولها. غير اني ما فتئت أعود الى نفسي اللوامة ألومها، ما أقل معرفتك وما أكثر جهلك! ويالضعف البصر وكلال البصيرة! لعلك ان طال بك التأمل رزقك ربي، جل قدرته، معرفة انه له في هؤلاء وأولئك حكمة خفيت إلا على مستحق ادراكها. الجماليات والزخرفة كان حرياً بنا ان نمضي في متابعة تحليلية لزخرفة المساجد على المستويين التاريخي والجغرافي لنتابع تطورها في اطار نهضة البناء والعمارة القوية في الدولة الاموية ومن ثم العباسية وصولا الى الزخرفة في المساجد الحديثة التي نراها اليوم تقدم حلولا مبتكرة لمشكلات قديمة ليس على امتداد العالم الاسلامي كله فحسب، وانما خارجه ايضا على نحو ما نجد في مساجد المراكز الاسلامية العديدة والمساجد التي أنشأتها الجاليات الاسلامية في العديد من مدن الغرب. غير ان أمرين منهاجيين دفعانا للاحجام عن القيام بذلك، وهما: ـ أولا: ان من شأن المضي قدماً بتحليل من هذا النوع ان يكون تكراراً، بشكل أو بآخر، للتحليل الذي سبق لنا القيام به حول عمارة المساجد ذاتها، حتى وإن جهدنا في محاولة منع هذا التكرار والحيلولة دونه. ـ ثانيا: ان علينا في واقع الامر القيام بمجموعة من المهام المرتبطة بقضايا فنية لا ينقصها التشابك ولا التعقيد، رأينا بعضها في المهام الست التي أشرنا اليها قبل قليل وسنرى المزيد منها على طريق دراستنا للزخرفة كجزء من جماليات المكان في المساجد. الان نجد أنفسنا أمام مهمة محددة هي مناقشة العلاقة بين الجماليات الاسلامية بعامة والزخرفة في سياقها المسجدي، الأمر الذي يكفل لنا ـ فيما نرجو ـ ان نربط بقوة وإحكام وعلى نحو لا فكاك منه بين النظرية الجمالية الاسلامية، كما حاولنا القاء الضوء عليها وبين الزخرفة. ولسنا نريد القفز على النتائج ـ عند هذه المرحلة ـ لكننا نريد لفت الانظار الى ان أهمية المهمة التي نتصدى للقيام بها هنا هي مسألة جلية للعيان، ويكفي ان نتذكر في هذا الصدد ما يقوله د. غازي مكداشي في كتابه «وحدة الفنون الاسلامية» من ان فن الزخرفة، بما يتضمنه من عناصر مختلفة الى جانب فن الخط كمادة مهمة جدا الى جانب المواد الاخرى في العمارة الاسلامية، يتداخل الى حد كبير مع فن العمارة ليشكلا معاً فنا واحداً اسمه العمارة الاسلامية، وهذه الحالة في فن العمارة لم تعرفها حضارة من الحضارات الاخرى بهذا الشكل. وهنا تحضرنا التساؤلات التالية: كيف يتم تنفيذ هذه العمارة؟ وكيف يتم التنسيق بين المزخرف والمخطط والبناء في مرحلة التصميم كما في مرحلة التنفيذ؟ وما يقوله د. مكداشي هنا وما يطرحه من اسئلة مهمة ومفيدة، فهو يرتفع بأهمية الزخرفة في العمارة الاسلامية الى حد الشراكة الأصيلة، ولسوف نرى المزيد من هذه الابعاد لدى تصدينا لمهمة ايضاح أهمية الزخرفة في فن العمارة الاسلامية بعامة وفي سياقها المسجدي بخاصة. لكن المشكلة الحقيقية هنا هي الاحداث الجسام، التي عصفت بالعالم الاسلامي شرقه وغربه وفي مقدمتها القاء مخطوطات دار الحكمة البغدادية في نهر دجلة على يد المغول بعد اجتياحهم بغداد واحراق المخطوطات الثمينة والفريدة في شبه جزيرة ايبريا وغير ذلك كثير، أدت الى أننا لا نجد بين أيدينا اليوم المعادل الاسلامي ـ الذي لا نشك في وجوده ـ لا طروحات فيتروفيوس والبيرتي في أوروبا. ونبادر هنا الى القول ـ حتى لا يختلط الأمر على أحد ـ ان عدم وصول الكتب والمخطوطات الاسلامية التي تدور حول النظرية المعمارية وتؤصل لها، لا ينبعي الخلط بينه وبين المساعدات العملية المختلفة المعدة لمساعدة المعماريين في عملهم، ومنها المخططات الارضية والنماذج وكتب الانماط لنماذج الزخرفة المعمارية لانشاء العقود والاشكال التي توضح كيفية انشاء هذه العقود، وكل هذه العناصر الأخيرة ـ التي وصلنا بعضها ـ تساعدنا في فهم الكيفية التي عمل بها المعماريون المسلمون، لكنها لا تلقي إلا ضوءا محدودا للغاية على نوعية التأثير الذي توقعوا ان تتركه المباني التي شيدوا صرحها في نفوس من يتأملونها أو من يعيشون تحت اسقفها أو يمرون بها، أو بتعبير أدق على رؤيتهم الجمالية التي أبدعوا هذه المباني بالتوافق معها. في ضوء هذا يغدو من المنطقي الاحتكام الى المباني نفسها التي شيدها المعماريون المسلمون من اجل استنتاج بعض الاهتمامات الدائمة والمتكررة لديهم وبعد تفضيلاتهم الجمالية، وهي عملية دقيقة وتكتنفها صعوبات عديدة، ليس أقلها شأناً أننا لا نزال بعيدين عن الفهم الحقيقي لما سبق ان أشرنا اليه في غير هذا الموضع من موسوعتنا هذه عن التأثير الصوفي على العمارة الاسلامية، على الرغم من ادراكنا لاطاره العام بأوسع المعاني. في جزء من أكثر أجزاء كتاب «العمارة الاسلامية» الذي يقع في 645 صفحة أهمية وجدارة بالمناقشة، يشير البروفسور روبرت هيلينبراند الى ان بوسعنا من خلال العدد المحدود من الصروح المعمارية الاسلامية الذي درس دراسة دقيقة من المنظور الذي يعنينا هنا ان نضع تصوراً لخمسة عناصر اساسية يمكن وصفها بأنها أبرز عناصر الجماليات الاسلامية في السياق المعماري، وهذه العناصر الخمسة هي على التوالي، كما يلي: ـ توظيف الرياضيات في بناء الصروح المعمارية الاسلامية. ـ الحس بالترتيب وفق التعبير الشهير في النظرية الجمالية الاسلامية. ـ الاستعداد لتوظيف النزعة الرمزية. ـ حب الزخرفة المترفة التي تتجاوز وظائفها المظهر المحصن. ـ الميل نحو استخدام اللون. ومن المحقق انه يمكن اقتراح عناصر عديدة اخرى، كما يمكن البرهنة على كل عنصر من هذه العناصر الخمسة من خلال نماذج قائمة ومعروفة وموثقة، غير ان من الضروري قبل القيام بتحليل لبعض هذه العناصر الخمسة على الأقل التشديد على ان تفسيرها وايضاحها ينبغي ان يكون بآلة من النظرية الجمالية الاسلامية، من داخلها، وليس من خلال منهج عربي في تاريخ الفن يقحم اقحاماً على سياق لا ينتمي اليه. ولكن ألا يعيدنا تحليل على مثل هذا المستوى من الدقة الى تذكر ما سبق ان أشرنا اليه قبل قليل عن المعرفة؟ ألا يدعونا الى ان نرفع الأكف ضارعين الى المولى القدير ان يهبنا لمحة من المعرفة حسبما فهمها أهل الحقيقة؟ أليس يعلمنا الجنيد ان: «المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه تعالى» فلما قيل له: زدنا، قال: «هو العارف وهو المعروف»، أي أنك جاهل به من حيث أنت وإنما عرفته من حيث هو؟ ألم يقل سهل: «المعرفة هي المعرفة بالجهل؟».