الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 يقول سبحانه وتعالى:« حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وماأهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وماذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذالكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم» [المائدة:3]. إن الآية تبدأ بقوله تعالى:(حرمت عليكم الميتة) فالحق لم يقهر أحداً على التحريم إلا بمشاركة الإنسان نفسه لأن الإنسان مادام قد آمن بالله إلها فكأنه قد رضى أن يدخل معه في العقد الإيمانى ومادام قد دخل العبد مع الله في العقد الإيمانى فهو ملزم بالتحريم. و(الميتة): هى التى ذهبت منها الحياة أو خرجت منها الروح بدون نقض البينة فهناك إنسان يضربه آخر على رأسه فيموت. فهذا الميت قد مات بنقض بنيته أى أنه قد حدث له ما يزهق الروح لا تحل إلا في بنية لها مواصفات خاصة لذلك لا يسمون ذلك موتاً إنما يسمونه قتلاً والموت خلاف القتل أما الموت: هو الذى يحدث للإنسان بدون نقض بنية إن ذهاب الحياة له طريقان: طريق هو الموت أى بدون نقض بنية وطريق نقض البنية. فالإنسان الذى يخنق كائناً آخر بأن يمنع عنه النفس ففى هذا إزهاق للروح بنقض شيء في البنية لأن التنفس أمر ضرورى أو إزهاق روح الإنسان بضربه بالرصاص - مثلاً- إن مثل هذا اللون من الموت إزهاق للروح ذلك أن الروح لا تحل إلا في جسد له مواصفات خاصة لكن هناك جوارح يمكن أن تبقى الروح في الجسد دونها مثال ذلك اليد لو قطعت لا تزهق الروح لكن أن يتوقف قلب إنسان فقد يشقون صدره ويدلكون هذا القلب فينبض مرة أخرى بشرط أن يكون المخ مازال حياً وأقصى مدة لحياة المخ دون هواء سبع دقائق في حالات نادرة. لكن ما إن يصاب المخ بالعطب يحدث الموت. إذن فهناك موت وهناك قتل وفي كليهما ذهاب للروح وفي الموت ذهاب للروح أولاً وفي القتل تذهب الروح بسبب نقض البنية لذلك يذكر القرآن تلك المسألة كقضية يثبتها العلم:( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) [آل عمران: 144]. لماذا إذن حرم الله الميتة؟ إن الله - رحمة بنا - قد جعل لموت الميتة سبباً لا نراه في عضو من أعضائها فلا نأكلها بدائها وكذلك الدم وهو السائل الذى يجرى في الأوردة والشرايين ويعطى الجسم الدفء والحرارة وينقل الغذاء، وللدم أكثر من مجال من الجريان فالدم له مجالان في الجريان فهو يحمل الفضلات من الكلى والرئة ويتم تنقية هذا الدم والأوعية الدموية بها لونان من الدم دم فاسد ودم صالح وعندما نأخذ هذا الدم قد يكون فيه النوع الصالح وقد يكون فيه أيضاً النوع الذى لم تخرج منه الشوائب التى في الكلى والرئة ولذلك يسمونه الدم المسفوح أى الجارى وكانوا يأخذونه قديماً ويملأون به الأمعاء ويقومون بشيه ويأكلونه وهناك دم غير فاسد مثال ذلك: الكبد فهو قطعة متوحدة وكذلك الطحال ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم :« أحلت لكم ميتتان ودمان فأما الميتتان: فالحوت والجراد. وأما الدمان: فالكبد والطحال». إن الكبد والطحال مستثنيان من الدم لكن إذا جئنا للدم المسفوح فهذا حرام أما السمك والجراد فالحكمة في حلهما أنه ليس بالسمك أو الجراد دم سائل في لحمهما ونحن عندما نقطع سمكة كبيرة فلا ينزل منها دم إن الدم يوجد عند الأغشية التى في رأس السمكة فقط ولا يوجد في الشعيرات وعلى ذلك فعندما يموت السمك فلا خطر منه وكذلك الجراد. ويأتى بعد ذلك في سلسلة المحرمات:( ولحم الخنزير)[المائدة:3]. لقد ذهب العلم كل مذهب ليعرف لماذا حرم الله الميتة وكذلك الدم حتى أن الله لا يريد أن ينقل داء من حيوان ميت إلى الإنسان وكذلك حرم الله الدم لأن به فضلات سامة كالبولينا وغيرها فلكل تحريم حكمة قد تكون ظاهرة وقد تكون خافية إن هذا القرآن قد نزل على رسول أمى في أمة أمية لا تعرف هذه المسائل العلمية الشديدة التعقيد وطبقها المؤمنون الأوائل. إن المؤمنين الأوائل طبقوا هذه الأوامر لأنها من الله إن الله الذى آمنا به إلهاً حكيماً هو الذى يريد صيانة صنعته، إن الصانع من البشر هو الذى يضع قواعد صيانة ما صنع ونحن لم نجد صانع أثاث يحطم دولاب ملابس بل إنه يحاول أن يجمل هذه الصنعة ومادام الله هو الذى خلقنا وآمنا به إلهاً فلا بد لنا أن ننفذ ما يأمرنا وأن نتجنب ما نهانا عنه ولكن ذلك لا يمنع أن نتلمس أسباب العلم وهذا التلمس هو رغبة في ازدياد أسباب الإيمان بالله. يقول تعالى: (ياأيها الذين أمنوا) [البقرة:183]. إنه سبحانه وتعالى يقول: يا من آمنت بى خذ الحكم منى وإن أثمن ما عند الإنسان صحته فإذا تعرضت صحته للاعتلال فماذا يصنع بنفسه ؟ إنه يدرس الأسباب فإذا كان يرهقه الطعام فإنه يذهب إلى طبيب الجهاز الهضمى ويختار طبيباً على درجة علمية عالية وبعد ذلك يذهب إلى هذا الطبيب الخاص فيكتب له الدواء والمريض لا يقول للطبيب: أنا لن أتناول هذا الدواء إلا إذا قلت لى ماذا سيفعل هذا الدواء ؟ إن عقلك مهمته أن ينتهى بك إلى الطبيب الذى اقتنع به وما كتبه الطبيب فعليك تنفيذه وكذلك الإيمان بالله - ولله المثل الأعلى- إن الإنسان مادام قد آمن بالله إلهاً فعليه أن يقف خاضعاً لينفذ الأوامر في حركة الحياة. «افعل ولا تفعل» فإذا كان مريضاً لا يناقش طبيباً لماذا كتبت لى هذا؟ فكيف يناقش أى إنسان ربه أو يسأله سبحانه لم كتبت علي هذا إن الطبيب من البشر قد يخطيء وقد يتسبب في موت مريض إن هذا يحدث في الطبيب البشرى وعندما نشك فيه فإننا نستدعى عدداً من الأطباء لاستشارتهم ولا نجرؤ على مناقشتهم ومجادلتهم فكيف يجرؤ أحد أن يناقش الله سبحانه وتعالى ولذلك وجب أن تكون كل أوامر الله مطاعة. إننا ننفذ أوامر الأطباء فكيف لا ننفذ أوامر الله. إذن فمهمة العقل أن يجعلنا نؤمن بالله وكما قلنا: إن المريض يثق بالطبيب ومن يؤمن بالله لا بد أن ينفذ منهجه فإذا كان الإنسان يثق بالله ؟ إن الثقة في البشرلا يمكن أن تعلو على الثقة في رب الأرض والسماء. ولذلك فالعاقلون هم الذين أخذوا أوامر الله وطبقوها دون مناقشة فالعقل كالمطية يوصل الإنسان إلى عتبة السلطان ولكن لا يدخل معك عليه ولذلك عليك أن تسمع وتطيع أوامر الله على الفور ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) وقد أثبتت التحليلات أن في لحم الخنزير دودة شريطية ودودة حلزونية وعدداً آخر من الديدان التى لا يقهرها علاج ولا طهى ولو بأعلى درجات الحرارة. ومن المحرمات بعد ذلك (وما أهل لغير الله به) وهو ما لا يقال عند ذبحه «الله أكبر، بسم الله» لأن الإنسان منتفع في الكون الذى يعيش فيه بالأجناس التى طرأ الإنسان عليها ووجد الإنسان هذه الأجناس في انتظاره لتخدمه لأن الله جعله خليفة في الأرض لتنفيذ أوامره سبحانه، فالحيوان له روح ولكنه يقل عن الإنسان بالتفكير والنبات تحت الحيوان والجماد أقل من النبات وساعة يأخذ الإنسان خدمة هذه المسخرات فعليه أن يذكر الخالق المنعم إن الإنسان عندما يذبح حيواناً فعليه أن يذبحه باسم الله الذى سخره للإنسان ليتذكر الإنسان أن الله أكبر من الإنسان ومن الحيوان. قال تعالى:« وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم»[ الإسراء:44]. إن الله أحل للإنسان الاستمتاع بما سخره له من حيوان ونبات وجماد ولذلك فعلى الإنسان أن يسبح الله ويذكره ساعة الذبح «بسم الله والله أكبر» وكأن الإنسان يبلغ الحيوان الله أكبر منى ومنك فلا تغضب منى لأن الله الأكبر هو الذى أحل لنا ذلك. ويقول تعالى« أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون» إذن فالأكل من ضمن التذليل فلو لم يذللها الحق للإنسان لما استطاع الإنسان أن يقدر عليها لذلك يجب أن يذكر الإنسان الله لحظة أن يذبحها.