الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 1) المتدبر لآيات سورة «الأنعام» يراها قد ذكرت كثيرا من المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون من النبى صلى الله عليه وسلم ـ وقد قص علينا القرآن الكريم كيفية رد الخالق ـ عز وجل ـ على هذه الشبهات ردا يخرس ألسنة المعاندين فقال ـ تعالى ـ (ولو نزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين. وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لاينظرون . ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون . ولقد استهزيء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ماكانوا به يستهزئون» (الآيات : 7 ـ 10) ولفظ «الكتاب» فى الأصل مصدر كالكتابة، ويستعمل غالبا بمعنى المكتوب، فيطلق على الصحيفة المكتوبة وعلى مجموعة من الصحف . وكلمة «القرطاس» تطلق على الشيء الذى يكتب فيه سواء أكان من ورق أم من غيره، ولايطلق على مايكتب فيه «قرطاس» إلا إذا كان مكتوبا . والمعنى : إن هؤلاء الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدقك ـ أيها الرسول الكريم ـ ولكن الذى ينقصهم هو التفتح للحق، والإنقياد للهداية، فإننا لو نزلنا عليك كتابا من السماء فى قرطاس ـ كما اقترحوا ـ فشاهدوه بأعينهم وهو نازل عليك، ولمسوه بأيديهم منذ وصوله إلى الأرض، وباشروه بعد ذلك بجميع حواسهم، بحيث يرتفع عنهم كل ارتياب، ويزول كل اشكال ... لو أننا فعلنا ذلك، استجابة لمقترحاتهم الباطلة، لقالوا عنادا ما هذا الذى نراه بأعيننا إلا سحر واضح . فالآية الكريمة تصور مكابرتهم المتبجحة وعنادهم الصفيق وإدبارهم عن الحق، مهما تكن قوة أدلته، ونصاعة حجته. وفى معنى هذه الآية الكريمة وردت آيات أخرى، منها قوله ـ سبحانه : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون). ثم تابعت سورة «الأنعام» الحديث عن المقترحات المتعنتة التى اقترحها المشركون على النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال تعالى ـ «وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لاينظرون . ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون» وقد ذكر المفسرون سبب نزول هاتين الآيتين أن عددا من زعماء قريش جاءوا إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا له : يامحمد ، لو كان معك ملك من الملائكة يحدث عنك الناس، ويشهد بأنك رسول من عند الله، لآمنا بك وصدقناك ؟!! فنزلت هاتان الآيتان . والمعنى : وقال المشركون للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ : هلا كان معك يا محمد ملك لكى يشهد بصدقك، ونسمع كلامه، ونرى هيئته، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك؟ فهم لايريدون ملكا لايرونه، وإنما هم يريدون ملكا يمشى معه ويشاهدونه بأعينهم . وأسند ـ سبحانه ـ القول على المشركين جميعا مع أن القائل بعضهم، لأنهم جميعا متعنتون جاحدون، ومايصدر عن بعضهم إنما هو صادر فى المعنى عن جميعهم لأن الباعث واحد . وقد رد الله ـ تعالى ـ على قولهم هذا بردين حكيمين: أما الرد الأول: فنراه فى قوله ـ سبحانه : ـ «ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لاينظرون» أى : ولو أننا أنزلنا ملكا كما اقترح هؤلاء الكافرون، وهم على ماهم عليه من الكفر والجحود، لقضى الأمر بإهلاكهم، ثم لاينظرون، أى : ثم لايؤخرون ولايمهلون ليؤمنوا، بل يأخذهم العذاب عاجلا، فقد مضت سنة الله فيمن قبلهم، أنهم كانوا إذا اقترحوا معجزة وأعطوها ولم يؤمنوا، يعذبهم الله ـ تعالى ـ بالهلاك، والله ـ تعالى ـ برحمته وفضله لايريد أن يهلك هذه الأمة التى بعث فيها خاتم رسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسبب إجابة مقترحات أولئك المعاندين المستكبرين . وأما ا لرد الثانى : فنراه فى قوله ـ عز وجل ـ : «ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم مايلبسون» أى : ولو جعلنا الرسول من الملائكة ـ كما اقترحوا ـ لكانت الحكمة تقتضى أن نجعله فى صورة بشر، ليتمكنوا من رؤيته ومن سماع كلامه الذى يبلغه عن الله ـ تعالى ـ .. وفى هذه الحالة سيقولون لهذا الملك المرسل إليهم فى صورة بشر؛ لست ملكا، لأنهم لايدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التى تمثل بها، وحينئذ يقعون فى نفس اللبس والإشتباه الذى يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرا . ومعنى «وللبسنا عليهم مايلبسون» : لخلطنا عليهم مثل مايخلطون على أنفسهم بسبب استبعادهم أن يكون الرسول بشرا مثلهم . وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم، قد دحض شبهات هؤلاء الجاحدين، وبين أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم، كما قال ـ سبحانه ـ «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم ...» . ثم أخذت السورة الكريمة فى تسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال ـ تعالى ـ : «ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ماكانوا به يستهزئون» والمعنى : لاتحزن ـ أيها الرسول الكريم ـ لما أصابك من قومك ، فإن من شأن الدعاة إلى الحق المجاهدين فى سبيله أن ينالهم الأذى من أعدائهم، ولقد أوذى من سبقك من الرسل الكرام، وسخر الساخرون منهم، فصبروا على ذلك، وجاءهم فى النهاية نصر الله، أما أعداؤهم الذين استهزءوا بهم، فقد أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، وتلك سنتنا فى خلقنا أن نجعل النصر فى النهاية لرسلنا ولمن سار على نهجهم. بقلم: محمد سيد طنطاوى