الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 قال الله جل ثناؤه: «مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لايرجعون» البقرة 17ـ 18. لما بين الله تعالى حقيقة صفة المنافقين في الآيات التي سبقت هاتين الآيتين أراد ـ سبحانه ـ ان يكشف عن تلك الصفة كشفاً تاماً، ويبرزها في معرض المحسوس المشاهد، فعقبها بضرب هذا المثل مبالغة في البيان. وأكد النحاة والمفسرون على ان الكاف في «كمثل» زائدة، ومنهم من قال: إن الزائد هو «مثل» أدة تشبيه، ولا يجتمع أداتان على مشبه واحد، فلابد من ان تكون احداهما زائدة، وعلى القولين يكون التقدير: مثلهم مثل الذي أو: مثلهم كالذي. وبلاغة القرآن أعظم وأسمى من ان تخضع لمقاييس النحو، وتخريجات النحاة.. وحسب القرآن ان يقول قولاً، أو ينهج أسلوباً، فيكون قوله الحق، وأسلوبه الفصل، ولا عليه ان تضطرب قواعد النحو، وتتبلبل عقول النحاة. والأمر هنا فيما يتعلق بالكاف ومثل يجري على أسلوب القرآن كله في اعجازه واستيلائه على أعنة البلاغة، وأزقتها، فقوله تعالى: «مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً» هو تشبيه حال غريبة بحال أغرب منها، أو شأن عجيبة بشأن أعجب منها، هي حال أو شأن الذي استوقد ناراً، فهؤلاء المنافقون مثل، وذاك الذي استوقد ناراً مثل آخر، وبين المثلين تشابه وتطابق في بعض الصفات، فصح ان يكون كل واحد منهما طرفاً في تشبيه واحد، أداته الكاف، فكأنه قيل: هذا المثل كهذا المثل، وننظر فيما بين المثلين من وجه شبه فنرى: وفي المشبه، وهم المنافقون، كانوا في زمرة الكافرين، ثم انهم أعلنوا ايمانهم واتخذوا منه جنة يتقون بها يد المؤمنين، إذا هي علت على الكافرين، وأنزلتهم على حكمهم، وذريعة يتوصلون بها إلى ما قد يفيء الله به على المؤمنين من خير، فكان ان فضح الله نفاقهم، وجاءت آياته تنزع عنهم هذا الثوب الذي ستروا به هذا النفاق. وفي المشبه به، وهو هذا الذي استوقد ناراً.. هذا الانسان كان في ظلمة الليل وفي لفح برده القارس، فاستوقد ناراً كي يجد فيها الدفء والنور، ثم جاءه هؤلاء المنافقون فيمن جاء إلى هذا الضوء ملتمسين عنده الأمن والدفء، ولكن الله تعالى حجز عنهم النور، وأخذ على أبصارهم، فلم يروا ما حولهم ولم يعرفوا وجه الطريق، فركبتهم الحيرة وقيدهم العمى والضلال. ونقرأ الآية الكريمة، فنجد لمحة من لمحات الاعجاز القرآني في هذا التخالف بين أجزاء الصورة في المشبه به حيث كان الظاهر ان يقال: ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر. ولكن هذا يفسد المعنى، حيث يقضي بهذا الحكم على موقد النار، فيذهب بنوره الذي رفعه لهداية الناس، وحيث يقع هذا الحكم على غيرالمنافقين، من طالبي الهدى عنده.. والصورة التي رسمتها الآية الكريمة على ما جاءت عليه، تأخذ المنافقين وحدهم بجرمهم، فتحرمهم من الافادة من هذا النور الذي يملأ الوجود من حولهم، ثم لا تحرم المهتدين ما أفادوا من هدى! محمد اسماعيل عتوك