الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 يقول الله عز وجل: «وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً اتينا حكما وعلماً وسخرنا مع داود الجبال يسبحن وكنا فاعلين» [الأنبياء]. وكلمة: يحكمان، تدل على أن هناك خصومة فى قضية الحرث والحرث هو إثارة تربة الأرض مثلما يحرث الفلاح الأرض. الله سبحانه وتعالى سمى الزرع والثمر بالحرث حيث يقول سبحانه وتعالى: «وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل» [البقرة: 205]. فمعنى: (ويهلك الحرث) أى يهلك ما نشأ من الحرث من زروع وثمار وفواكه فسمى سبحانه الزرع حرثا. مع أن الحرث هو إعداد الأرض للزرع. وهذا لكى يبين لنا إنه لا يمكن زرع إلا بحرث لأن الحرث إهاجة لتربة الأرض والعزق كذلك لأن الماء حينما يروى الأرض يصنع طبقة زبدية على سطحها فتسد مسام الأرض. فحين تسد هذه المسام تمنع المياه الجوفية من التبخر. وحين تظل المياه الجوفية بدون تبخر تصيب شعيرات جذور النبات بالعطب مما يجعل الزرع يصفر ويضعف. والزرع يحتاج إلى ماء قليل وإلى الهواء فإذا كان الماء كثيراً حجب الهواء عن الجذور وأضر بها. ولذلك يقولون: أن الأرض التى تكون طينتها شديدة ليست جيدة للزراعة، وكذلك الأرض الرملية، لأن الطينية تحفظ الماء الذى يعطب الجذور، والرملية يتسرب منها الماء فلا يفيد النبات، فالأرض الصفراء التى هى وسط بين الطينية والرملية وهى التربة المثالية للزراعة وسمى سبحانه الزرع حرثاً لأن الحرث يهيج تربة الأرض، فيزيل الطبقة المزبدة التى تكونت على سطح الأرض حتى لا تسد المسام ويجعل الهواء ينفذ إلى جذور النبات فيغذيها ولذلك يقولون: لا زرع إلا بحرث. والحق سبحانه وتعالى يقول: «أفرءيتم ماتحرثون أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون»[الواقعة]. وسنة الكون قبل أن يوجد الإنسان وقبل أن يكلف أن الله تعالى قدم عطاءه له قبل أن يكلفه شيئاً. وتركه إلى سن البلوغ يرتع فى نعمه سبحانه دون أن يكلف بشيء وبعد ذلك سيعطيه فى الآخرة عطاء لا ينتهى.. فالدنيا بعد سن التكليف تحتاج منك أن تعمل لتنال. لإنك نلت أولاً قبل أن تعمل وستنال آخراً - فى الآخرة - بدون أن تعمل. فلا بد أن تعمل فى الدنيا حتى تأخذ ثمرة، لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا هذه المسألة فيقول: «اعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». وقصة الحرث التى حكم فيها داود وسليمان عليهما السلام أن رجلاً عنده زرع ورجلا عنده غنم فغفل راعى الغنم عن غنمه فذهبت إلى الزرع وأكلته فاشتكى صاحب الزرع لنبى الله داود عليه السلام، فكان حكم نبى الله داود عليه السلام أن قال لصاحب الغنم اعط الغنم لصاحب الزرع. ربما كان مستند نبى الله داود فى هذا الحكم أنه وجد أن قيمة الزرع أكلته الغنم يساوى قيمة الغنم فحكم هذا الحكم. أما سليمان عليه السلام فكان له حكماً آخر، إذ قال: نعطى الغنم لصاحب الزرع فيستفيد بلبنها وأصوافها، ونترك صاحب الغنم يزرع الأرض حتى تثمر وتصبح كما كانت قبل اعتداء الغنم عليها. وعندئذ يأخذ صاحب الغنم غنمه ويأخذ صاحب الأرض أرضه. فكان القضاء فى هذه القضية قضاء سليمان عليه السلام وهذا ليس طعناً فى نبى الله داود عليه السلام لأن الله تعالى قال: «وكلا أتينا حكماً وعلماً». هذه القصة أخذت منها القوانين الوضعية ومحاكم الدرجة الأولى، والاستئناف، والنقض، ومحكمة الاستئناف حين ترد حكم محكمة الدرجة الأولى أنها لا تطعن فيه ولكنها رأت القضية من جانب آخر غير الذى أخذت به المحكمة الأخرى. إذن... الاستئناف مأخوذ من قول الله تعالى: «ففهمناها سليمان»[الأنبياء78] وليس هناك طعن فى أحد. وقد قال القاسمى فى تأويل قول الله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث) أى: الزرع. و(إذ نفشت فيه غنم القوم) أى: رعته ليلاً. (وكنا لحكمهم شاهدين) أى: لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما، عالمين. وروى عن ابن عباس أن غنما أفسدت زرعاً بالليل فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، فقال سليمان: بل تؤخذ الغنم فتدفع إلى أصحاب الزرع فيكون لهم أولادها وألبانها ومنافعها. ويبذر أصحاب الغنم لأهل الزرع مثل زرعهم فيعمروه ويصلحوه. فإذا بلغ الزرع الذى كان عليه ليلة نفشت فيه الغنم أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها. وقوله تعالى: «وكلا أتينا حكماً وعلماً» أى: وكل واحد منهما آتيناه حكمة وعلماً كثيراً، لا سليمان وحده. ففيه دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهم، من عدم كون حكم داود عليه السلام حكماً شرعياً.