السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 قال الله تعالى: «فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين» [سبأ: 14]. قوله تعالى: (مادلهم ) أى: الجن فالضمير عائد عليهم والقصة أن نبي الله سليمان عليه السلام فيما يروى عنه أنه كان يعبد الله واقفاً متكئاً على عصا وليس جالساً على راحته، وقيل: كان يعبد يوماً كاملاً وليلة. وذلك شكراً لله على النعم التى أعطاها له، ويظل فى هذه العبادة بالأسبوع والشهر. ومع كل هذه النعم الكثيرة التى وهبها الله تعالى له، كان لا يأكل إلا خبز الردة. ثم بعد ذلك تبين بالعلم أن الخبز كله فى هذه الردة، بدليل أن الذى عاش عمره كله يأكل من الدقيق الأبيض الخالص، ينصح غيره فى آخر حياته ألا يأكل مثله ويأكل من خبز الردة. وأن هذه الردة التى كان يأكلها الفقراء والخدم فى الماضى، جعلوها الآن دواء فصنعوا منها أقراصاً وأدوية لعلاج أمراض الجهاز الهضمى. والجن قديماً كانوا يسترقون السمع ويتلصصون أخبار السماء، ولكن الله تبارك وتعالى وبعد بعثة رسول الله محمد «صلى الله عليه وسلم» منع ذلك كله قال تعالى: «فمن يستمع الأن يجد له شهاباً رصداً» [الجن: 9] إذن خبر السماء حفظ كله عكس أيام كان الجن يسترقون بعض خبر السماء فكان الله تعالى يترك لهم بعضاً من كلام الملائكة يلتقطونه حتى ينزلوا ويقولونها لحكمة منه سبحانه يقول تعالى: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم» [الأنعام: 121]. وعندما يقول أوليائهم سيحدث كذا حتى وإن كان بنسبة لا تكاد تذكر يظن الناس أنهم يعلمون الغيب، أى أنهم يعلمون بالشيء قبل مجيئه. والحق سبحانه وتعالى أراد فى مسألة موت نبى الله سليمان عليه السلام أن يفضح الجن فى هذه المسألة فقال تعالى «فلما قضينا عليه الموت» كلمة (قضينا عليه الموت) تفيد أن الموت قضاء، أى: لا مندوحة عنه، فهو لا يترتب على مرض ولا على سبب. ولذلك يقال: والموت من دون أسباب وهو السبب.. مات لأنه يموت ولذلك يخاطب الأحياء بما فيهم رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فيقول له: «إنك ميت وإنهم ميتون» [الزمر: 30]. فقبل أن يقول الله تعالى على أمة الرسول يقول عليه هو «صلى الله عليه وسلم»: ( إنك ميت) أى: إنك تؤول إلى الموت وليس معناها «إنك ميت الآن». والذى يموت بالفعل لا يسمى ميتاً فنحن ونحن أحياء ميتون، أى: سنموت والله يأتى بها هكذا لأنها مفروغ منها، فلن يخلد أحد، فكلمة ميت يخاطب بها الأحياء، لكن عندما نريد أن نخبر بالموت حقيقة نقول: «ميت» وما الميت إلا ما إلى القبر يحمل إنما كلنا ميتون «فلما قضينا عليه الموت» وهو ما قضيناه من نهاية لكل حي.. (مادلهم على موته) أى: لم يعلم أحد بموته كيف؟ لابد أنه كان فى حالة لا تقوم إلا من الأحياء حيث إنه كان من شكره لله وضراعته له يظل عابداً لله وهو واقف والواقف كلما تعبت قدم أراحها بالثانية فإذا تعبت الاثنتان التمس مايريحهما «المنسأة» أو العصا فيأتى بها ويتكأ عليها، وكان الجن عندما يرونه واقفاً يعملون بنشاط. وجاءه الموت وهم لا يزالون فى العمل والتعب ولأنهم يرونه واقفاً لم يستطيعوا الكف عن العمل. فكيف انكشف الأمر ؟ إن من طبيعة سليمان عليه السلام أنه يعبد الله واقفاً هكذا، ولكن الله أراد للمسألة أن تنتهى ليقضى بها حقيقة شغلت الناس جميعاً الجن والإنس، لأن الجن عندما كانوا يتلصصوا السمع فيلتقطون بعض الكلمات ويضيفون إليها الكثير، ثم يوحون بها إلى الكهان ليخبروا الناس فيظن هؤلاء الناس أنهم يعلمون الغيب. فكذبهم الله تعالى هنا، فقد ظل نبي الله سليمان عليه السلام ميتاً وهم يعملون لأنها عادته. ثم سلط الله «الأرضة» بعض الناس يظن أن قوله تعالى: (مادلهم على موته إلا دابة الأرض) إنها الأرض المقابلة للسماء !! لا... لأن دابة الأرض اسمها هكذا، أى: التى تأرض وهى: «العتة» التى تأتى فى الخشب اسمها: «الأرضة». إذن.. الأرض هو أرض الفأر عندما نقول: أرضها الفأر، إذن... فالأرضة هى التى أتت العصا من أسفلها ونخرتها. قال تعالى: «فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين» أى: عندما كان واقفاً وهم يعملون طيلة هذه المدة فافتضحوا أمام أنفسهم لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب فأدركوا أنهم كانوا يعلمون إلا أشياء قليلة كانوا يسترقونها سمعاً. وقوله: «تأكل منسأته» كلمة: «نسا» أخر و «المنسأة» هى العصا التى يحملها الإنسان ليردع بها حيواناً أى: يؤخره عنه أو له فيها أغراض أخرى وهذه الأغراض الأخرى هى التي قال عنها موسى عليه السلام: «قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولي فيها مآرب أخرى». لأنه راع وما بعث الله نبياً إلا ورعي الغنم وما دام يرعى الغنم والغنم منه الصغير ومنه الكبير، والكبير يستطيع أن يمد فاهه ليأكل من ورق الشجر أما الصغير فلا يستطيع القيام بمثل هذا فيأتى الراعى ويضرب الشجرة بعصاه ليتساقط ورقها على الأرض فيستطيع الصغير أن يأكل. ولذلك قال: «وأهش بها على غنمى» والهش ليس انضباطاً، فالورق قد ينزل تحت الغنم أو تحركه الريح حتى يجد الصغير طعامه فى أى وقت. وقوله تعالى: «مالبثوا فى العذاب المهين». فكان العمل الذى يقومون به عمل شاق وإهانه لهم لأنهم يظنون أن الجن تسامى على الإنس بدليل أن أباهم قال قديماً: «أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين»[ص: 76]. فعندما يأتى واحد من الإنس ويسخرهم فهذا عذاب لهم، ولنفرض إنه عمل غير مرهق بدنياً فإنه يرهق نفسياً؟ لأن الجنس الذى كان يقول أنا خير منه يخدم عند أحدهم.