السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 قال تعالى: «والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع» سورة الطارق الآيتان: 11و12. يذكرنا الله سبحانه وتعالى هنا بحقيقة علمية هامة اكتشفها العلم الحديث بعد نزول القرآن بعدة قرون وهى أن مياه البحار تتبخر ثم بعد ذلك تصعد إلى السماء فتصبح سحاباً ثم تعود إلى الأرض مرة أخرى على شكل مطر.. أى أن السماء ترجع الماء إلى الأرض.. ومرة أخرى تتم الدورة وتتبخر مياه البحار والمحيطات وينشأ السحاب ثم يعود الماء.. أى أن الماء الذى يترك الأرض يعود إليها مرة أخرى.. وانظر إلى دقة الأداء القرآنى فى قوله تعالى: «والسماء ذات الرجع» أى السماء ذات المطر.. هكذا تفهم لمن لا يعلم شيئاً عن عملية البخر التى تتم فإذا عرفنا الحقيقة العلمية تكون الآية أدق فى المعنى وأشمل.. ثم يقول سبحانه وتعالى: «والأرض ذات الصدع» أى الأرض التى تتشقق ليخرج منها الزرع.. وهذه أيضاً تتكرر فى كل دورة زراعية.. كل شيء يأتى ويعود.. هذه هى قوانين الله فى الأرض.. وإذا كان كل شيء يعود مثلما يأتى.. فلماذا الإنسان وحده لايعود؟!. ويقرر العلم الحديث أن الإشعاع الحرارى للشمس يثير تبخر الماء فى المحيطات وجميع المسطحات المائية فيتصاعد منها بخار الماء نحو الجو ويشكل سحباً عن طريق تكاثفه عندئذ تتدخل الرياح لتؤدى دورها فى نقل السحب بعد تشكيلها إلى مسافات متنوعة وقد تختفى السحب دون أن تعطى مطراً كما يمكن أن تلتقي كتل السحاب مع كتل أخرى لتعطى بذلك سحباً ذات كثافة كبرى وقد تتجزأ لتعطي مطراً فى مرحلة من تطورها، وسرعان ما تتم الدورة بوصول المطر إلى البحار. أما المطر الذى يصل إلى الأرض فقد يمتص جزئياً بواسطة النباتات مسهماً بذلك فى نموها وهذه بدورها تقوم من خلال ترشحها بإعطاء جزء من الماء إلى الجو أما الجزء الآخر فإنه يتسلل بمقدار قد يقل أو يكثر إلى التربة ليتجه نحو المحيطات عبر مجارى الماء أو قد يتسرب فى التربة ليعود عن طريق الينابيع أو الأماكن الأخرى التى يخرج منها الماء إلى السطح. ولنقارن معطيات علم الهيدرولوجيا الحديث بتلك التى نجدها فى كثير من الآيات القرآنية المذكورة فى هذا الصدد، فنلاحظ وجود توافق رائع بين الاثنين. ويقول تعالى: «وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون» سورة المؤمنون الآية: 18. تفيد النظريات الحديثة أن المياه الجوفية ناشئة من المياه السطحية الآتية من المطر وأنها تتسرب إلى باطن الأرض فتحفظ هناك. وكان المظنون إلى وقت قريب أنه لا علاقة بين المياه الجوفية والمياه السطحية ولكن هاهو القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقه منذ أربعة عشر قرناً من الزمان. ويقول الحق سبحانه: «مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان» سورة الرحمن الآيات من 19-21 ويقول تعالى: «وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجراً محجوراً» إن اليد التى تدبر هذا الكون مرجت البحرين وجعلت بينهما برزخاً وحاجزاً من طبيعتهما ومن طبيعة هذا الكون المتناسق الذى تجرى مقاديره بيد الصانع الحكيم الذى ترك البحرين الفرات العذب والملح المر يجريان ويلتقيان فلا يختلطان ولا يمتزجان إنما يكون بينهما برزخ فمجارى الأنهار غالباً أعلى من سطح البحر ولا يقع العكس إلا شذوذاً حيث ثبت علمياً أن مياه الأنهار التى تصب فى المحيطات كثافتها أقل من كثافة المياه الملحية فتظل سابحة فوق المياه المالحة فلا تختلط بها وبهذا التقدير الدقيق لايطغى البحر وهو أضخم وأغزر على النهر الذى منه الحياة للناس ولجميع الكائنات الحية. ومن عجائب قدرة الله تعالى أنه جعل ماء النهر لا يؤثر فى ماء البحر فيغير ملوحته كما لا يؤثر ماء البحر فى ماء النهر. وتدل المشاهدات الواقعية على أن مياه نهر الأمزون الذى يصب فى المحيط الأطلنطى تندفع مسافة 200 ميل فى المحيط حافظة لعذوبتها طول هذه المسافة. وفى الخليج العربى نجد عيوناً من الماء العذب تفيض داخل مياه الخليج المالح بماء عذب. وقد روعى فى نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات المالحة لا على الأنهار ولا على اليابسة حتى فى حالات المد والجزر التى تحدث من جاذبية القمر للماء الذى على سطح الأرض ويرتفع بها الماء ارتفاعاً عظيماً قد يصل إلى ستين قدماً فى بعض الأماكن. بل إن قشرة الأرض تنحنى مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر. ويبدو لنا كل شيء منتظماً لدرجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التى ترفع مساحة المحيط كلها عدة أقدام وتنحنى أمامها قشرة الأرض التى تبدو لنا صلبة للغاية. قال تعالى: «أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور» سورة النور الآية 40. تجمع هذه الآية أهم ظواهر عواصف البحر وأمواجه فمن المعروف أن العاصفة تخرج منها أمواج مختلفة الارتفاع أو السعة أو الصفات عموماً يلاحق بعضها بعضاً فيبدو الموج منطلقاً بعضه فوق بعض فيحجب ضياء الشمس أو أية إضاءة أخرى لما تثيره هذه العواصف من سحب ركامية سميكة يخيم معها الظلام فى سلسلة من عمليات الاعتام التى تصل إلى حد انعدام رؤية الأجسام. وجدير بالذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت نشأته فى البادية حيث قضى طول حياته فى الصحراء بعيداً عن البيئة البحرية فضلاً عن أنه لم يكن قد سافر قط عبر تلك المحيطات حتى يذكر مثل هذا الوصف الدقيق مما يثبت قطعاً أنه من وحى الخالق العظيم الذى يتجلى فيه الإعجاز العلمى الدقيق. فهذه الآيات الكريمه تشير لبعض الحقائق العلمية التى لم يكتشفها العلم إلا مؤخراً وهى بذلك تضيف معجزة أخرى لمعجزات القرآن الكريم وماأكثرها فقال عن البحار والأمواج إنه توجد ثلاثة أنواع من الأمواج: سطحية وتنشأ بدفع الرياح والأمواج، وأمواج المد والجزر نتيجة لجاذبية القمر، وأمواج تحدث فى الأعماق السحيقة من المحيطات وهى أمواج عاتية وتسير بسرعة كسرعة الطائرات وتنتج من حركات زلزالية فى قاع المحيطات أو انهيار كتل من جوانب المحيط وقد لا يحس بها راكب السفينة فى عرض البحر ولكنها تكون مدمرة قرب الساحل وهذا ما حدث فى بعض البلاد وما أثبته العلم الحديث وهذا ماأشار إليه القرآن الكريم. «أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض». فالبحار وما فيها من أعاجيب وأسرار وغموض لم يستطع العلم الحديث المزود بأحدث التكنولوجيا أن يكتشف سوى النزر اليسير منها.. ومن هذه الأعاجيب وجود الأنهار والتيارات البحرية التى تسير فى أعماق البحار حاملة المياه العذبة إلى مسافات شاسعة دون أن يكتشفها العلم الحديث إلا مؤخراً. إن الأغرب من التيارات البحريه والأنهار هو تواجد أنهار بحرية ذات مياه أقل ملوحة وحرارة قد تصل درجة التجمد وتتحرك هذه الأنهار فى أعماق البحار وبشكل معاكس للتيارات التى تسير فوقها وهذا ما أوجد «تيار الخليج».. هكذا أكدت المشاهدات العلمية ما سبق أن أشار إليه القرآن الكريم.