السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 سورة «الأنعام» ـ كما سبق أن أشرنا ـ كان نزولها على النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى السنة الرابعة من بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ أى: بعد أن جهر النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدعوته، وبعد أن أخذ المشركون يجاهرون بعداوتهم له ويستعملون أقبح الأساليب فى محاربته وفى محاربة أصحابه، لذا صورت السورة الكريمة طبيعة هؤلاء المشركين الجاحدين الذين هم ـ لانطماس بصائرهم وإصرارهم على العناد ـ غدوا لايجدى معهم دليل، ولاتنفع معهم حجة. ومن الآيات التى أكدت هذا المعنى قوله ـ تعالى: {وماتأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين. فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ماكانوا به يستهزئون. ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض مالم نمكن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدرارا، وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم، فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} {الآيات 4، 5، 6}. والمعنى الإجمالى للآية الأولى: أن هؤلاء الجاحدين لرسالات الله، لاتأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على صدقك ـ أيها الرسول الكريم ـ إلا تلقوها بالإعراض، واستقبلوها بالنبذ والاستخفاف. والأية الكريمة بأسلوبها المتضمن الحصر، وباشتمالها على مايفيد الدوام والاستمرار، تفيد أن الإعراض عن الحق كان ديدن هؤلاء المشركين، وأنهم ليسوا على استعداد لقبوله مهما اتضحت معالمه، وأسفرت حججه. ثم بين ـ سبحانه ـ فى الآية الثانية أنهم لم يكتفوا بالإعراض عن الحق، بل تجاوزوا ذلك إلى التهكم بدعاته، وإلى التطاول عليهم، وأنهم نتيجة لذلك المسلك الأثيم ستكون عاقبتهم خسرا، فقال: «فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ماكانوا به يستهزئون». فهذه الآية الكريمة قد كشفت بأسلوب مؤكد عن جانب من عتوهم وسفههم وسوء أدبهم، بعد أن كشفت سابقتها عن عنادهم ونأيهم عن الحق. ورحم الله الإمام الفخر الرازى فقد بين مراحل تماديهم فى الباطل كما صورها القرآن فقال: «اعلم أنه ـ تعالى ـ رتب أحوال هؤلاء الضالين على ثلاث مراتب. فالمرتبة الأولى: كونهم معرضين عن التأمل فى الدلائل، ومنصرفين عن التفكر والبينات. والمرتبة الثانية: كونهم مكذبين بها، وهذه المرتبة أزيد مما قبلها، لأن المعرض عن الشئ قد لايكون مكذبابة، بل يكون غافلا عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذبا به فقد زاد على الإعراض. والمرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين بها، لأن المكذب بالشئ قد لايبلغ تكذيبه إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى فى الإنكار، فبين ـ سبحانه ـ أن أولئك الجاحدين قد وصلوا إلى هذه المدركات الثلاثة على هذا الترتيب. ثم ساق القرآن لهؤلاء المشركين ـ على سبيل النصيحة والإرشاد ـ أخبار من سبوقهم فى الكفر والبطر، وبين لهم سوء عاقبتهم ليتذكروا ويتعظوا فقال ـ تعالى: «ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض مالم نمكن لكم». قال الإمام القرطبى ـ رحمه الله : ـ «القرن: الأمة من الناس والجمع القرون. قال الشاعر: إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم.. وخلفت فى قرن فأنت غريب. فالقرن يطلق على كل عالم فى عصره، مأخوذ من الاقتران، أى: عالم مقترن بعضهم ببعض، وفى الحديث الشريف: «خير الناس قرنى ـ أى: أصحابى ـ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» فالقرن على هذا مدة من الزمان، والذى عليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة، واحتجوا بأن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعبد الله بن بشر «تعيش قرنا» فعاش مائة سنة». والمعنى: أعمى هؤلاء المشركون عن الحق، وأعرضوا عن دلائله، ولم يروا بتدبر وتفكر كم أهلكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا، فإن هؤلاء الأقوام السابقين أعطيناهم من التمكين فى الأرض، ومن السعة فى الرزق، ومن مظاهر القوة والبأس مالم نعط لكم يامعشرقريش. فأنت ترى أن الله ـ تعالى ـ قد وصف أولئك المهلكين السابقين بصفات ثلاث لم تتوفر للمشركين المعاصرين له ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفهم ـ أولا ـ بأنهم كانوا أوسع سلطانا، وأكثر عمرانا، وأعظم استقرارا، كما يفيده قوله ـ سبحانه:ـ «مكناهم فى الأرض مالم نمكن لكم». ووصفهم ـ ثانيا ـ بأنهم كانوا أرغد عيشا، وأسعد حالا، وأهنأ بالا، يدل على ذلك قوله ـ تعالى: «وأرسلنا السماء عليهم مدرارا» أى: وأنزلنا عليهم المطر النافع بغزارة وكثرة، وعبر عن هذا المطر الغزير بالسماء لأنه نازل من جهتها. ووصفهم ـ ثالثا ـ بأنهم كانوا منعمين بالمياه الكثيرة التى يسيرون مجاريها كما يشاءون، فيبنون مساكنهم على ضفافها، ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها الجميلة، كما يرشد إليه قوله ـ سبحانه ـ «وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم» أى: وجعلنا الأنهار تجرى من تحت مساكنهم». ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين بتلك النعم الوفيرة التى لم تتوفر لمشركى مكة؟ كانت عاقبتهم ـ كما أخبر القرآن عنهم ـ «فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين». أى: فكفروا بنعمة الله ـ تعالى، وحجدوا آلاءه، فأهلكناهم بسبب ذلك، وخلقنا من بعدهم خلقا آخر لم يكونوا مثلهم، كما قال ـ سبحانه: «وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لايكونوا أمثالكم». بقلم : محمد سيد طنطاوي