السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 جمع رمضان أكثر فضائل الاسلام، ففيه الصوم والاكثار من الصلاة وزيادة الاحسان وحفظ الجوارح وغيرها من الفضائل الاسلامية العامة، فهو بحق مدرسة تربوية متكاملة وليس هو امتناع عن الطعام والنكاح فحسب، فهذا الامتناع لا يجدي المنفعة المرجوة منه. فالمسلم يكثر من القربات والعبادات، في ليله ونهاره، لكنه في الليل يكثر، وذلك بعد ان يفطر فيقوى على العبادة أكثر. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان، فروى أبوهريرة ان النبي عليه السلام كان يرغب في قيام رمضان من غير ان يأمرهم فيه بعزيمة ـ أي من غير ايجاب وفريضة ـ فيقول: من قام رمضان ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر (أخرجه البخاري). فهذا الترغيب العظيم من رسول الله عليه الصلاة والسلام لمن أقام رمضان مصلياً وداعياً ومستغفراً وباكياً ونادماً، فما جزاؤه إلا ان يغفر ذنبه، والمغفرة هنا للصغائر من الذنوب وما أكثرها، وما أحوجنا الى محوها والعفو عنها، وهي ايضاً بما يتعلق من حقوق الله، أما حقوق العباد فلا يمحوها الله إلا بسماح العبد عنها. وكان أول الأمر يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الليل وحده، ثم كثر الناس وراءه فامتنع عن الجماعة، فعن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة في جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا ـ أي أخبر بعضهم بعضاً بصلاة رسول الله ـ فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله ـ أي امتلأ ـ حتى خرج لصلاة الصبح ـ أي لم يخرج لقيام الليل حتى أذن الفجر ـ فلما قضى الفجر ـ أي صلاة الفجر ـ أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف عليّ مكانكم، ولكنني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها». وهكذا كان في خلافة أبي بكر، فلما ولي عمر بن الخطاب خرج الى المسجد فرأى الناس يصلون فرادى فقال: لو جمعتهم على قاريء واحد وجماعة واحدة، فجمعهم على إمامة أبي بن كعب، فقال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» أي صلاتهم قرب الفجر أفضل من صلاة التراويح بعد العشاء، وكان عدد الركعات ثلاثاً وعشرين ركعة مع الوتر. ولا يصح الجدل في هذه المسألة، فمن أراد ان يتم عشرين أتم، ومن أراد ان ينقص أنقص، فإنما هي نافلة لا تستحق الكثير من الجدل، ولكن الذي ينبغي أن نهتم به هو كيفية هذه الصلاة، فصار الناس يجادلون في عشرين أو وأقل، ويغفلون عن سكينة الصلاة وخشوعها وتمامها، فيا ليتهم صلوا ركعتين فقط كما أراده الله، فهو خير من الأعداد المستعجلة الخالية من معاني العبودية لله. زكريا الطحان