السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 يعتبر الرخام من العناصر الاساسية والمميزة في تجسيد الفن العمراني للعديد من المباني الايطالية وخاصة في مدينة البحيرات التي يطلق عليها اسم «فينيسيا» وابرز تلك الاعمال الهندسية مبنى سانت مارك الروماني الذي ابدع فيه الفنان «بالازو داريو» حيث تكتسى واجهته بالرخام الاصلي الرائع ذلك بالرغم من انتشار اسلوب البناء بالجص المزخرف الذي يعبر عن فترة الوجود الجرماني. ومن الفنانين الايطاليين الذي اشتهروا بفضل تلك الاعمال المعمارية «جابريل دي انونزو» الذي لم يرس ابداعات ولمسات فنية ومعمارية دقيقة للغاية فقط في تلك المدينة العائمة بل تجاوز اسلوب فنون المعماري «بالازو داريو» الذي حقق نقلة معمارية نوعية في القناة العظمى بالتعاون مع الفنان «سان جريجوريو» صاحب تصمميات المجوهرات التي تعتبر من مميزات البلاط الملكي الروماني. اعجاب سلطان تركيا وتبدو المقاعد، الشرفات الدائرية، ونوافذ باقات الزهور التي تتزين بالزخرفات المشجرة وخاصة في اعلى النوافذ القوطية بالوان عديدة متميزة، حيث واجهات القصور المزينة بها، وكأنها قشرة لها. وتشير الكتب التاريخية انها لربما قد بنيت في عام 1487 ميلادية تقريبا من قبل بترو لومباردو، وقد قام جيوفاني داريو سكرتير مجلس الشيوخ الفينيقي بحفر رسالة بحروف بارزة على المبنى موجهة الى سلطان تركيا محمد الكبير الذي استطاع السيطرة على المنطقة في ذلك الوقت حيث اقترح ارسال الرسام والفنان الفينيقي «جينتيل بيليني» الي قصر ومقر السلطان محمد الذي ابدى سروره واعجابه برسومات ذلك الفنان الرائع، ففي البداية سادت الفرحة الغامرة وابدى اعجابه بذلك وسرعان ما تحولت مشاعر الملك والسلطان الى سبب رئيسي لتعزيز العلاقات بين السلطان وفينيسيا. وقد ارسى بالازو داريو القواعد الفنية في كيفية كساء واجهات القصور بالرخام الذي كان يتميز بوجود ملامح بصري تبدو المشاهد معه كأنها في ازدياد هائل في الحجم او التصوير الجصي على الجدران او السقوف بدلا من الجص متعدد الالوان والذي يعود الى فترة الحكم الجرماني. ولم يشيد ملاك القصور الجرمانية في ذلك الوقت قصورهم من الرخام العادي بل من النوع الجيد غير الموجود في مناطق اخرى وخلال الفترة ما بين 1431 و 1432 قام البطريرك ماريان كونتاريني بتشييد واجهه منزله الجديد قرب سانتا صوفيا، وايضا على القناة العظمى التي غطيت بالكامل بهذا الرخام الرائع. وبذلك اصبح ضمن احد افراد الطبقة القليلة الذين يستخدمون مثل ذلك الرخام المزركش بالورود، النوافذ التقليدية البديعة بحيث يمكن وصف تلك القصور ولاتزال تعرف بانها «كادورو». كان حاجز الشرفة المحيط بالبئر في ردهة المدينة منحوتا باصابع الفنان «بارتولوميو بون» بلون احمر يسمى رخام فيرونا بروكاتيلو حيث يتميز بانه غير مطلي بمواد اخرى بل رخام طبيعي الذي كان دائما العنصر الاساسي في اضفاء البريق واللمعان والحيوية على القصور والمباني في ذلك الوقت مما جعل لمدينة فينيسيا طابعها المعماري الخاص بناءً ورخاما. هذه المواصفات الخاصة برخام المدينة وضعت ضوابط فنية خاصة لاختبار فناني النهضة المعمارية في ذلك الوقت فشكلت بذلك اختبارا حقيقيا للفنانين في ذلك الوقت بحيث لم تبقى الا على القادرين منهم في مواكبة التطور والابداع. موقعان متميزان وقد اعتبر هذا الرخام نادرا في موقعين مركزيين التي تشير الى روعة وقوة الجمهورية الفنيقية المهيمنة، وهما،مبنى سانت مارك وقصر الدوق الذي كان سمى فيما بعد السلطان الفينيقي، انه دقيق للغاية حيث وخاصة مع وجود اللونين الابيض والاحمر لالاف اطارات الرخام الصغيرة والاشكال المعينية داخل اخرى معينية اخرى مع وجود تقاطعات سوداء ومربعات في الوسط، جدران شاهقة للواجهات الخارجية، تطل على الميدان العام ورصيف المرفأ، اما البريق غير العادي فيتمثل في المغايرة والاختلاف مع ظلال الشرفتين اللتين تدعمانها كما تجعلانها متجددة الهواء بصفة مستمرة. وهناك ايضا على رصيف الميناء يقع عمودان متراصان متناغمان في التصميم مصنوعان من الجرانيت الشرقي باللونين الاحمر والرمادي وهي تدعم وتعزز قوة وشكل كل من مبنى سانت مارك وتيودور اللذين يشكلان بوابة النصر التي تقود الى مدينة فينيسيا، وفي الوسط ايضا حيث كانت تجري قديما المراسيم والاحتفالات والفعاليات الدينية المقدسة، اضافة لما كانت تشكله من قوة ومنعة للمدينة في مواجهة الاعتداءات والغزوات الخارجية الطامعة في موقع وخيرات المدينة التجارية والسياحية في ذلك الوقت. وكذلك كان المبنى القديم يشكل مركز المدينة والمنطقة الاكثر ازدحاما وحيوية بل وأصبح فيما بعد مركز الاستيراد والتصدير للرخام الشرقي في العالم، وفي عام 1204 ميلادية عاشت فينيسيا فترة ازدهارها في مجال تشكيل الرخام وفنونه الرائعة، على ايدي مجموعة سان ماركو الشهيرة التي تقوم بتشكيل قطع الرخام النادرة المستخدمة في العالم. وكما هو في التقاليد البيزنطية وبهدف تبطين الجدران التي هي عبارة عن نسيج مزدان بالرسوم والصور فقد استخدم هؤلاء هذه الانواع من الرخام في تعبيد الطرق كذلك مما جعلها تتميز في ذلك عن بقية المدن العالمية حيث دخلت شهرتها في مجال الرخام من هذه الزاوية ايضا وشوارع المدينة الحالية خير شاهد على ابداعات الفنانين الايطاليين في ذلك الوقت. اعمدة رخامية اما الاعمدة الرخامية فحدث ولا حرج، حيث انفردت المدينة بهذه المزية ايضا حيث يوجد اكثر من 500 عمود رخامي قديم والكثير منها يعود تاريخ الى ما قبل وجود المبنى التاريخي «الباليسيا» نفسه المشيد من هذا الرخام. ويقال انه تم احضار هذا النوع من مناطق بعيدة او ربما نقلت من جبال المدن الرومانية المهجورة من السكان وذلك خلال القرون الاولى من التاريخ. وبشكل عام يقال ان تاريخ وجود اعمدة المرمر اعلى اقدم المباني لمدينة فينيسيا المزينة برسومات ونقوش جميلة يعود الى عهد المسيح عليه السلام. ويقول مهندسون معماريون في روما انه تم تصميم المباني المشيدة بالرخام لتقاوم جميع الظروف الطبيعية ومن تلك الابنية واجهة بناء سان زكريا من اعمال الفنان المعماري ماورو كوديوسي الذي استخدم الرخام للديكورات ايضا من خلال بروزة على الواجهات وخاصة في قصر «لوريدان فيندرامين كاليرجي» حيث عاش فيه ريتشارد واجنر اشهر عازف اوبرالي الماني والمولود في ليبزيغ في 22 مايو 1813 ميلادية. ويضيف هؤلاء المهندسون ان معظم المباني المشيدة امام القصر تعرف بانها ذات طراز تركي عريق وتوضح تلك القصور كيف ان الرخام كان مستخدما بشكل واسع لتزيين واجهات المباني وخاصة منذ القرن الثالث عشر ويبدو ذلك واضحا بالتدقيق في اعمال وابداعات الفنون البيزنطية والفينيقية اللتين تشكلان الان بعض صالات المدينة، احداها مملوك رسميا لعائلة ثرية وقد ولدت به «كاترينا» ملكلة قبرص، فيما يملك الصالة الاخرى «اندريا داندولو» القاضي الاول في جمهوريتي البندقية وجنوا والمؤرخ الذي كان صديق البطريرك فرانسيسكو، وفاريستي الذي يعود اليهما الفضل في وجود مدرسة الفنون الذي ترأسها الشاب انطونيو كانوفا النحات الكبير الذي طوع الرخام وجعله مادة ابداعية في المجال الفني وخاصة النحت والتشكيل. وتعرض الاعمال الاولى لكانوفا الان في متحف «كوري» في ميدان سانت مارك، وذلك بناء على رغبة الامبراطور النمساوي فرديناند الاول. عصر انطونيو وفي منطقة فراري ظهر نحات عصر النهضة انطونيو ريزو الذي يقف شامخا في الميدان الرئيسي فيما يوجد ايضا تمثال الرخام للفنان المبدع في عصرة جيوفاني بيسارو. وتبدو كذلك اعمال النحات المعماري بالداساري لونجينا برخامها النادر الوجود هذه الايام وخاصة ذو الاسود الذي يبرز في المجسمات العملاقة ومنها تمثال احد فاتحي الاندلس من المسلمين، اما الرخام الابيض فقد تجسد في استخدامه كقاعدة متينة للاعمدة الرخامية التي تعزز المباني التاريخية، كما كان هناك الرخام الاحمر الذي استخدم في القباب من الداخل حيث كان يتخلله اللون الذهبي ايضا في عملية التزيين الرخامي. وكان قد تم استخدام الرخام لوفرته الكبيرة بطريقة واسعة مما دفع بالفنانين والمسئولين الى اقامة منطقة اخرى غير القناة العظيمة لتشييد المباني من الرخام النادر حتى انه تم استخدامه في تبليط الارضيات لاضفاء التميز على هذه المدينة العائمة وسط المياه مما يمنحها الابهار والمنظر المتميز عن بقية مباني المدن الاخرى في العالم، ولا يزال عدد ضئيل من الفنانين النحاتين المبدعين قادرين على ممارسة هذا العمل الذي تأثر بالعوامل والظروف الاقتصادية بشكل خاص، ورغم اعتبار هذا النوع من الرخام عنصرا مهما واساسيا في المباني التاريخية والتراثية في هذه المدينة، الا انه تم ادخال حجارة تسمى «ايستيريان» في الاعمال العمرانية والنحت ويبدو ذلك واضحا ايضا في تركيبة الاعمال الفنية العظيمة لفناني العصر الذهبي الفنيقي حيث تم تصوير العناصر المعمارية بقوة في اثارة الذكريات التاريخية. اعداد: اميمة وجية