السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 يقٌسم العلماء جميع الموجودات علي الأرض الى ثلاث فئات هي الجماد و النبات وعالم الحيوان الذي يشمل كافة الكائنات الحية بما فيها الانسان .. ولكن هذا الأخير بدأ يتصرف منذ القدم على انه سيد كوكب الأرض، فأصبح يؤثر بشكل مباشر على وجود المخلوقات الأخرى مما يهدد الكثير منها بالاختفاء والانقراض ، .. من خلال هذه الزاوية نلقي الضوء على بعض المخلوقات في عالم الحيوان لنتعرف على صفاتها المميزة، كما نتعرف على تأثير الانسان وتأثره بهذه المخلوقات .. وهل وجودها بالقرب منه كان نعمة أم نقمة عليها ؟! عندما يقتل حيوان ضخم في حجم وحيد القرن من أجل صنع «منافض» رماد السجائر من أقدامه فان الأمر في غاية السوء وقد لا يصدقه قلب بشر عاقل !! ولكن للأسف فان الواقع يؤكد ذلك حيث يتعرض وحيد القرن أو(الكركدن) الى مجازر من بني البشر طمعا في أقدامه من أجل استخدامها كمنفضة للسجائر. وفي حقيقة الأمر ليست الأقدام هي مطلب الانسان الوحيد من هذا الحيوان الضخم بل ان وجود القرن الوحيد في الكركدن كان أيضا وبال عليه فعمد الانسان الى قتله للحصول على هذا القرن! ولعله من المناسب جدا أن نكشف بعضا من أسرار القرن الوحيد التي لفتت الانتباه الى الكركدن بالرغم من أن هذا القرن هو في حقيقة الأمر ليس قرنا على الأرجح فهو لا يتصل مع الجمجمة وليس له أساس عظمي ويمكن بضربة قوية له أن تجعله ينحرف أو ينتزع بالكامل غير أن قرنا جديدا يمكن أن يظهر خلال عام واحد محل القرن المنتزع .. لكن هذا لا يعني أبدا ضعف هذا القرن المفترض على مقدمة رأس الكركدن فهو قوي لدرجة انه اذا نطح فيلا يشقه الى نصفين يشقه. ووحيد القرن مخالف لجميع الحيوانات فهو الوحيد بينها الذي يمتلك حوافر مع القرن والحافر والقرن لا يجتمعان في غيره .. ومنذ القدم اعتقد الانسان بأن هذا القرن يملك خصائص عجيبة فقد أعتقد بأن الكأس المصنوعة من القرن المذكور يحمي وينقذ صاحبه من الهلاك بالسم فالخمر المسموم اذا ما سكب في مثل هذه الكاس يؤدي ذلك لتحطم الكأس نفسها الى أجزاء متناثرة وتفيد روايات أخرى الى أن النبيذ المسموم يتحول في هذا الكأس الى زبد ورغوة! وكان الملوك والحكام يعيشون في خوف دائم من أن يأخذوا كأسا مسمومة من خدمهم وحاشيتهم ولهذا راحوا يستخدمون الكؤوس المصنوعه من قرن الكركدن وهكذا أصبح الطلب على اقتناء مثل هذه الكؤوس كبيرا جدا .. بالاضافة الى ذلك فقد أعتقد أيضا بأن هذا القرن الوحيد يطيل شباب الانسان ويزيده بسالة وشجاعة ولا يزال الاعتقاد بقدرة الكركدن على تجديد الشباب سائدا حتى الوقت الحاضر في كثير من بلدان الشرق ففي هذه البلدان فان هذا القرن يساوي من حيث قيمته الشرائية وزنه ذهبا! وهكذا فان أعداد وحيد القرن التي كانت كبيرة في آسيا وأفريقيا حتى وقت قريب جدا أصبحت الآن نادره وعلى أية حال فان الأنواع الخمسة منها فرعان في آسيا وثلاثة فروع في أفريقيا مهددة بالهلاك الكامل. وفي الحقيقة فان أفراد الفرع الأفريقي مهددة بالأنقراض بدرجة أقل من الفرع الأسيوي كما أن النوع الأفريقي الأسود لا يزال يضم حوالي 13 ألف رأس في حين لا يضم النوع الأفريقي الأبيض سوى 3500 رأس تقريبا فقط غير أن الوضع بالنسبة لوحيد القرن الأسيوي أكثر خطورة فأعداد الكركدن الهندي الكبير وهو ثاني أكبر وحيد القرن بعد الأفريقي الأبيض تختصر الى الثلث تقريبا بالمقارنة مع نظيره الأفريقي الأبيض ويعتقد أنها تقدر في الهند بحوالي 625 رأسا تقريبا. أما الكركدن الآسيوي الآخر وهو «السومطري» نسبة لجزيرة سومطره فقد أبيد بالكامل منذ عام 1935 والنوع الثالث الأسيوي وهو كركدن جاوة فلم يبق منه سوى 25 الى 50 رأساً تقريبا في أحسن الحالات. وجميع المؤشرات تؤكد أنه في حالة ضياع الوقت ولم يتم اتخاذ الاجراءات اللازمة لحماية هذه الحيوانات من اعتداءات البشر من المتعهدين وسماسرة القرون (السحرية) فقد تكون لوحيد القرن خاصة الأفريقي فرصة كبيرة للبقاء في قائمة الحيوانات الحية على سطح كوكب الأرض أما اذا استمر الوضع على ما هو عليه فان عشرة صيادين من شاكلة الصياد الأنجليزي المدعو (جون) سيقضون على هذا المخلوق نهائيا .. فقد كان الصياد جون يقتل حيوانات وحيد القرن بشكل انتقائي وباذن رسمي من حكومة كينيا واستطاع قتل 200 رأس في عامين وبلغ مجموع ما قتله بحدود 1600 رأس أي ضعف عدد أفراد وحيد القرن التي لم تزل تعيش في آسيا حتى الآن! ومنذ قديم الزمان كان وحيد القرن مثار جدل واسع بين الأمم والشعوب فالبعض كان يعتبره من سادة الحيوان وأشرافها أما البعض الآخر فقد أنكروا وجوده على وجه الأرض نهائيا واعتبروه أسطورة من نسج الخيال .. فالفريق الأول يقول بأن سادات السباع وكبارها ورؤساءها ثلاثة: الكركدن والفيل والجاموس .. مما دفع البعض على الاعتراض قائلين : وأين ذهبت الخيل والأبل وفيها من الخصال الشريفة والمنافع والغناء في السفر والحضر وفي الحرب والسلم وفي الزينة والبهاء ما ليس في الكركدن والفيل والجاموس .. فرد المدافعون بأن هذا ليس هو المقصود وانما في المحاماة والدفع عن الأنفس والقتال دون الأولاد والى الامتناع من الأضداد بالحيلة اللطيفة والبطش الشديد وليس هذا عند الخيل والابل اذا صادفت الاسود والنمور فاما الكركدن فان كل شي من الحيوان يقصر عنه غاية التقصير الفاحش .. ويزعم قدماء الهنود أن الكركدن اذا رعى في بلاد فانه لا يرعى من الحيوانات من أكناف تلك البلاد حتى يكون بينه وبينها 100 فرسخ من جميع جهات الأرض هيبة له وخضوعا له وهربا منه. ولم تخلو حياة وحيد القرن من الشائعات فقد قالوا في ولدها وهو في بطنها قولا يدخله الكثير من العلماء في باب الخرافات حيث قالوا أن أنثى الكركدن اذا حملت ربما أخرج الولد رأسه من بطنها فأكل من أطراف الشجر فاذا شبع أدخل رأسه حتى اذا تمت أيامه وضاق به مكانه وضعته أمه مطيقا قويا على الكسب والدفع عن نفسه بل لا يعرض له شي من الحيوان والسباع! أما المنكرون لوجود وحيد القرن من قدماء البشر فكانوا يعتقدون أنه لا يوجد حيوان على الأرض يدعى الكركدن أو وحيد القرن ويزعمون أن هذا وعنقاء مغرب من المخلوقات الأسطورية غير الواقعية التي لا وجود لها .. وبكل تأكيد فان ذلك خطأ كبيرا خاصة أن الكركدن ورد ذكره في معظم الكتب القديمه كما ذكره نبي الله داوود عليه السلام في الزبور وسماه الا أن بعض القدماء كانوا يطلقون عليه اسم الحمار الهندي وجعل له قرن واحد في وسط جبهته وكذلك أجمع أهل الهند القدماء صغيرهم وكبيرهم .. وربما أن العذر الوحيد الذي نلتمسه لمنكري هذا الحيوان هو قلة حمل الأنثى منه وطول فترة حملها فمن المعروف انه ليس في حوامل اناث الحيوان أطول مدة من حمل الفيل والكركدن وبالتالي فقد قل هذا الجنس من الحيوانات. ولكن اليوم فان طول فترة حمل الأنثى ليست هي المشكلة الرئيسية التي تهدد مصير هذا المخلوق وانما التهديد المباشر من بني البشر الطامعين في قرنه وأقدامه .. ولو استمر هذا النهج القاتل سنجد مستقبلا من ينكر وجود الكركدن أو وحيد القرن كما أنكره القدماء لأنهم لن يروا ضخامته وشكله حيا مرة أخرى!