السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 تم وضع ضوابط وقوانين واتفاقيات تنظم وتؤطر للعولمة الاقتصادية والتجارية تتجلى في منظمة التجارة العالمية وتداعيات، واتفاقيات التجارة الإلكترونية وتشريعاتها، وتتكفل القوى الكبرى بتسخير المنظمات الدولية لفرض متطلبات العوامة في المجال السياسي، أما الجوانب الأخلاقية وتأثيراته، فتترك هكذا فضفاضة، وتتكفل آليات العوامة بفرض أخلاقياتها أو بالأحرى الأخلاقيات التي يجرى تفصيلها في المركز(الغرب) ليتم ترويجها في الهامش (شعوب العالم الثلث) بما يخدم الهدف الأساسي الاقتصادي التجاري السياسي. وإذا كان شأن المال والأعمال والسياسة هو في يد الكبار فإن أمر الأخلاق يمكن أن يسهم في صياغتها الصغار ونقصد بها مؤسسات المجتمع المدني ومن خلال آليات العوامة وبخاصة الإنترنت، بالدعوة إلى عولمة الأخلاق التي جاءت بها الأديان السماوية بدلا من الاستسلام إلى أخلاقيات العولمة التي تحاول أن تفرضها الأديان الأرضية وفي مقدمتها رأس المال.!! وهذا الهم لا ينشغل به العالم الإسلامي فقط، وإنما هو هاجس عالمي يمكن أن يتلاقى حوله أهل الأديان السماوية، وأيضا غالبية الشعوب التي باتت تشعر بتهديد حقيقي لأخلاقها وقيمها من جانب أخلاقيات العولمة المصنعة. كما أن هناك قطاعا كبيرا من النخب المثقفة أصبحت تدرك هذا التهديد الأخلاقي لقيم العولمة الخادمة لتوغل رأس المال ولو كان على حساب تشريد ألوف العمال، واستنساخ البشر واللعب في الجينات الوراثية وهتك براءة الأطفال. وأيضا يمكن أن ينضم لهذا الائتلاف، العلماء المستقلون والكتاب والمفكرون الذين لا يزالون يستجيبون لصوت الضمير، ويمكن التفتيش عنهم في الجامعات والاتحادات المهنية والجمعيات العلمية والأهلية في الغرب والشرق، ويمكن التوصل فيما بينهم عبر آليات العولمة نفسها وفي مقدمتها الإنترنت. وقد بدأ بعض العلماء في العلوم الإنسانية والاجتماعية ينبهون إلى تأثيرات العولمة السلبية على الصحة النفسية،فيقول شارلين سبرتناك أخبرونا أن العالم ينكمش، وتلاشت المسافات الشاسعة بالحاسبات الآلية والفاكس، وأن الأرض أصبحت الآن قرية عالمية أصبحنا فيها مترابطين على نحو غير مسبوق، ومع ذلك فثمة شعور بنقيض ذلك تماماً: شعور بأن التنائي والانفصال يشكلان الحياة الحديثة، وإن كان ثمة شئ تقلص فهو اكتمال الذات الذي عانته الذات الحديثة، ويقرر علماء النفس أن مستويات الإحباط والقلق عالية، وأن شبكة الأصدقاء وأفراد الأسرة المقربين وعلاقات الجماعة انكمشت ـ بالنسبة لأغلب الناس ـ إلى جزء صغير مما عايشته الأجيال السابقة. بل أن التأثير الأخلاقي السلبي للعولمة لم يسلم منه العلماء أنفسهم، يقول جون هاريس إن المعرفة التي كانت مجانية ومفتوحة للراغبين فيها ولصالح المجتمع، أصبحت الآن متملكة وخصوصية ولصالح النشاط المادي، وبعد أن كان أهل العلم يحرصون على استقلالهم العلمي؛ ها هم الآن، يخططون المناهج العلمية وفقاً لما يتم الاتفاق عليه مع مؤسسات الأعمال الممولة، وأصبح الأساتذة الذين كانوا يدرسون مقيدين في قوائم رواتب الشركات التي يقومون لها ـ في مختبرات الجامعات- بأبحاث يمكن تسويقها بينما تدفع الجامعات رسوماً مخفضة لإحلال الأساتذة المساعدين، أما رؤساء الجامعات الذين كانوا قادة الفكر لمؤسسات المجتمع فقد أصبحوا الآن يتمثلون بالتجار المتجولين. وفي التقرير العالمي الخاص بالصحة النفسية توضح الدراسة المعمقة لمشاكل الصحة النفسية ـ التي أشار إليها مؤلفو هذا التقرير ـ ان المشاكل الاجتماعية والاضطرابات النفسية هي مشاكل كونية، ونسبة كبيرة منها لا تنجو من تأثير سياق العوامة المعقد، لأن وسائل الاتصال الراهنة بقوتها تهدم المرجعيات الثقافية العريقة التي عاشت عليها المجتمعات البشرية وتقوض كثيرا من أسسها، لأن منطق العولمة منطق الربح والمال، والنجاح في الأسواق كلها، أسواق الاقتصاد، وأسواق الثقافة أيضا. وقد ارتفع صوت عدد من المفكرين والباحثين مطالبين العلماء أنفسهم بأن يكون لهم موقف من التأثيرات الأخلاقية للعولمة، فيطالب الأستاذ عمار طالبي العلماء أن يطرحوا مسائل ذات صبغة أخلاقية وخاصة في مجال البيولوجيا والهندسة الوراثية، حيث نشهد تطورا سريعا سواء في مجال العلم النظري أو البحث الأساسي في مجال البحث التطبيقي، فمنذ أربعين عاما تقريبا كان أغلب الباحثين من العلماء يعتبرون القيم مسألة لا تعنيهم، وأصبح العلماء اليوم لا يستطيعون أن يتجنبوا البحث فيما يتعلق بنتائج أعمالهم العلمية، فيجب إذن الاعتراف بضرورة أن تحد سلطة التكنولوجيا بسلطة الأخلاق، كما صرح بذلك المدير العام السابق لليونسكو فردريك مايور، خاصة وأن الباحثين الأميركان يتساءلون عن نوع الإنسان الذي يريدون إنتاجه. كما أدت البحوث المتقدمة في البيولوجيا إلى محاولات التحكم الفيزيقي في العقل البشري، واليوم تتجه البحوث إلى الاستنساخ البشري.، مما ينحرف بالطبيعة البشرية إلى كائنات أخطر ما تكون، وأكثر ما تكون خروجا عن سمات هذا الكائن الذي نعرفه، وهو الإنسان ذو الطابع الأخلاقي الفطري، وذو الكرامة التي منحه الله سبحانه وتعالى إياها. ويتوقع من العولمة إذا تمكنت في سلطانها أن تمسخ الإنسانية، وأن تقولبها في نمط ثقافي يفقد ما في الحضارات الإنسانية وقيمها من غنى وتنوع، ونحن نشاهد كيف يشجع الغرب الذين يتحدون المسلمين في عقائدهم مثلما فعلوا مع نسرين البنجلاديشية التي تدعو إلى تغيير القرآن وتصف الدين بأنه ظلامي، وكذلك سلمان رشدي، الذي هاجم القرآن ومقدسات الإسلام علنا، فمن حق المسلمين أن تحترم عقائدهم كما تحترم عقائد غيرهم. إن النظم الأخلاقية والديانات تقع تحت تأثير العولمة اليوم فتقود إلى ضعف البنى الاجتماعية والأسرية فيصيبها الاضطراب والتفكك. إن جماعة من المفكرين في ماليزيا عارضوا القيم الغربية، ونظروا إلى القيم الآسيوية على أنها بديل لهذه القيم الغربية، ومن هؤلاء إبراهيم أنور ومظفر شندرا، كما يمكن للأفارقة أن ينادوا بقيم أخرى لهم معارضة للعولمة الغربية، ويشير الدكتور طلال عتريس إلى التحولات التي بدأت تتسلل إلى علاقات الناس فيما بينهم وإلى الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، وإلى القيم التي يدافعون عنها، ومن ذلك على سبيل المثال قيم السرعة والقوة والربح والمنفعة، في كل شؤون الحياة، على حساب قيم التضحية والمساعدة والتعاطف.. حتى أمكن القول ان العولمة هي ضد الأخلاق، وأنها بدأت تستهلك القيم التي أنتجتها المراحل السابقة من تاريخ البشرية. ويرى- في دراسة له حول العولمة والأخلاق -أن القيم الجديدة سوف تدمر ليس فقط العلاقات الإنسانية، وإنما أيضا ما أنتجته العولمة نفسها... هذا إلى جانب التلاعب الدولي بالموضوع الأخلاقي، بين التأييد النظري للمبادئ الأخلاقية وبين انتهاكها على مستوى الممارسة من تأييد حقوق المرأة وإنسانيتها على سبيل المثال، إلى استخدامها موضوعا للاستهلاك الجنسي.. ومن الدعوة إلى حقوق الطفل، إلى حماية الشبكات الدولية التي تتاجر بهؤلاء الأطفال، وتستغلهم جنسيا وخصوصا في الدول الفقيرة. إلى حماية شبكات الفساد والمافيات التي لم تستثن أحدا والتي تتجاوز سلطتها سلطة الحكومات نفسها في أكثر من مكان في العالم، فضلا عن النفاق السياسي الذي تمثله حماية الديكتاتوريات عندما لا تتعارض مع سياسات الدول الكبرى، أو من خلال تدمير البيئة والثروات الطبيعية من أجل مصالح الشركات الكبرى في العالم، مثلما فعلت الولايات المتحدة الأميركية عندما رفضت التوقيع على بروتوكول كيوتو للمناخ من أجل الحد من التلوث الذي تتسبب به الدول الصناعية بالدرجة الأولى، وقد بررت واشنطن ذلك بأنه يضر بمصالح الشركات الأمريكية ! ولا شك أن هذا التدفق الهائل من القيم الجيدة يثير القلق والاضطراب في الدول التي لاتزال الأخلاق تشكل فيها مرجعية ثقافية ودينية وسلوكية وتربوية، من هنا تواجه هذه الدول ومن بينها الدول العربية والإسلامية تحديات مهمة على هذا الصعيد، ومن أجل الاستجابة لهذه التحديات يطالب الدكتور طارق عتريس الدول الإسلامية بضرورة أن تبحث في حماية الأسس التي تشكل نظام المناعة في ثقافتها، وفى مقدمة تلك الأسس النظام التربوي سواء في داخل الأسرة أو في داخل المدرسة، فضلا عن الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه النخب الثقافية والدينية والإعلامية في تثبيت نظام المناعة ودعمه، وهذا يحتاج بطبيعة الحال إلى استراتيجية وطنية شاملة، إذ لا تكفي في مثل هذه المواجهة الواسعة جهود بعض المنظمات والجمعيات، على الرغم من أهميتها. ثم تأتي بعد مسئولية الإعلام المحلي والدولي في فضح هذه الجوانب اللاأخلاقية للعولمة والعمل على تكوين رأي عام واع بها، يمكنه ان يدفع مختلف المؤسسات المعنية بالتنشئة والتكوين والثقافة للاضطلاع بدورها في هذا المجال.. ونحسب أن هذه السطور جانب من هذه المسئولية الإعلامية، وإن كان الأمر أكبر وأخطر من أن يكفيه مقال واحد أو حتى حملة صحفية واحدة! د. محمد يونس