السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 أحيانا ما يثير مفهوم الوسطية بعض الإلتباسات عندما يخلط الناس بين مفهوم الوسطية في الإسلام وبين الوسطية في السياسة والدبلوماسية أو الوسطية في الحياة العامة حيث يشبه الناس الإنسان الوسطى بالذي يمسك العصى من المنتصف لكل هذا التقينا بأستاذين كبيرين لنتعرف من خلالهما على المفهوم الصحيح للوسطية في الإسلام ونزيح ما علق به من غبار المعاني الدخيلة عليه اما الأول فهو الاستاذ الدكتور على علي صبح عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر والثاني هو الاستاذ الدكتور عبد الحميد إبراهيم العميد الأسبق لكلية الدراسات العربية بجامعة المنيا وصاحب التنظيرات العديدة في مفهوم الوسطية. في البداية يقول الدكتور علي علي صبح ينبغي أن نفرق بين الوسطية في مفهومها الإسلامي والعربي وبين الوسطية في مفهوم السياسة والدبلوماسية وما يشيع بين العامة من مفاهيم حولها ذلك لأن مفهوم الوسطية في الإسلام ينبع في حقيقة الأمر من مفهوم الاعتدال في شتى الإتجاهات الفكرية والمذهبية والعلمية وفي العبادات والمعاملات بصفة عامة. أما بالنسبة للعبادات فقد حرم الإسلام المبالغة فيها والتشدد على النفس في أدائها لدرجة أن الصوفية في نظر الإسلام خرجت عن حدود الاعتدال والوسطية، وعندما ذهب ثلاثة نفر إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوا أهله عن عبادته، فلما قيلت لهم عبادته تقالوها أي عدوها قليلة في نظرهم قائلين بأن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أما نحن فنحتاج إلى المبالغة في العبادة فقال أحدهم أما أنا فأصوم الدهر كله ولا أفطر وقال الثاني وأنا سأقوم الليل ولا أنام وقال الثالث وأنا لا أتزوج النساء أبدا فكره الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك حينما بلغه وقام خطيبا بينهم قائلا: أنتم الذين قلتم كذا وكذا وكذا فوالله إني لأتقاكم وأخشاكم لله، مع أني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني. ولذلك قال أيضا الدين يسر لا عسر، ولن يشاد الدين أحدا إلا غلبة فسددوا أي توسطوا وقاربوا أي قاربوا من التوسط وأبشرو واستعينوا بالغدوة والروحة، وشئ من الدلجة أي قليل من اللين. هذه هي الوسطية في العبادات أما الوسطية في المعاملات بصفة عامة ـ يضيف د. علي علي صبح ـ فإن الإسلام وازن بين الجانب المادي وبين الجانب الروحي بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، فلا يقبل من المسلم أن يعتزل العمل والإنتاج ليسرف في العبادة بالليل والنهار وهو الجانب الروحي كما لا يقبل من المسلم أبدا أن يترك العبادة ليستغرق في جمع المادة والإنتاج، فقد اعتدل الإسلام ليأخذ المسلم من هذه وتلك في توازن وإتزان بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، يحفظه من الضياع ويمنعه من ذل السؤال، فيصير بهذه النيه عبادة، أي أن العمل والإنتاج بنية عزة المسلم، وقوته عبادة مع أنه جانب مادي، لأن الإسلام جاء ليخفف من حدة المادية في رسالة موسى عليه السلام مع اليهود ويخفف أيضا من طغيان الجانب الروحي والرهبنة في رسالة عيسي عليه السلام فجمع بين المادية والروحية لكي تستقيم الحياة. إذن فالوسطية الإسلامية ليس فيها خداع ولا تمويه ولا نفاق كما يحدث في سائر الإتجاهات السياسية والدبلوماسية التي تحتاج إلى هذه الصفات بينما الوسطية الإسلامية تتجافي معها ومن جهة ثانية فإن الوسطية الإسلامية تتنافي مع إسلوب مسك العصا من المنتصف لأن مسك العصا من المنتصف لها معنى سلبي مضمونه أن لا يشارك الإنسان في صنع حياته وإنما يتوقف ولا يعمل. ويكشف الدكتور عبد الحميد إبراهيم العميد الأسبق بكلية الدراسات العربية عن جوانب عديدة في مفهوم الوسطية الإسلامية ويبدأ بالقول: اعتاد علماء الدين أن يكشفوا عن وسطية الإسلام في العبادات والمعاملات فمثلا: الحج عندهم يجمع بين العبادة كركن من أركان الإسلام وبين المنافع المادية والمعاملات التجارية فهو فريضة وسط يجمع بين الدنيا والدين وكذلك الأمر في سائر الأركان الإسلامية مثل الزكاه والصلاة وغير ذلك، وقد كتبت كتب كثيرة حول وسطية الإسلام في القديم والحديث سواء عند المؤلفين القدامى أو المؤلفين المعاصرين وربما كان من أهمها كتاب الشيخ محمد المدني وعنوانه وسطية الإسلام ولكن كل هذا يمثل جانبا تطبيقيا من جوانب الوسطية الإسلامية، والأمر أعمق وأهم من ذلك، فوسطية الإسلام لا تقف عند مجرد هذا السرد التطبيقي وإنما تتجاوز ذلك إلى بنيته المكانية والزمانية ومفهومه الجغرافي والتاريخي. وعن وسطية الإسلام ـ يقول الدكتور عبد الحميد إبراهيم ـ هي جوهر الإسلام في حد ذاته وحينما نزلت آية الوسطية التي تقول «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» إنما جاءت في أول سورة نزلت في المدينة وهذا يعني أن المجتمع الإسلامي في تنظيمه الاساسي يقوم على فكرة الوسطية كركن وأيديولوجيا أساسية وقد إرتبطت فكرة الوسطية في هذه الآية بالتحول إلى قبلة جديدة وهي المسجد الحرام بدل التوجه إلى بيت المقدس وهذا يعني أن الوسطية تمثل خصوصية الدين الجديد الذي جاء مميزا عن الديانتين السابقتين وهما النصرانية واليهودية. وقد اغتم اليهود لفكرة التحول عن القبلة التي جاءت مصاحبة للوسطية ولم يكن اغتمامهم بسبب التوجه إلى وجهة أخرى فلله المشرق والمغرب، وإنما كان اغتمامهم بسبب أن تحويل القبلة وأن فكرة الوسطية إنما تعني خصوصية لهذا الدين الجديد تتبلور في رؤية جديدة وفي موقف جديد. ويضيف د. إبراهيم منذ أن نزلت آية الوسطية تبلورت في مواقف الإسلام المختلفة، وتشكلت في نفوس الصحابة، وتراكمت كل ذلك في حضارة مميزة تؤثر في مسيرة الفكر الإسلامي، ولها تطبيقاتها المتنوعة بالأخلاق والمنهج والأدب والجمال والفن والمعمار تبلور كل ذلك بنوع خاص عند أهل السنة الذين كانوا يمثلون مواقف وسط بين الطوائف المختلفة حتى سموا أهل الوسط والجماعة. فالوسطية إذن ليست مجرد سرد لمواقف تطبيقية كما يفعل علماء الدين وخطباء المساجد ولكنها فوق ذلك رؤية ثقافية تنطلق من منطلقات تاريخية وجغرافية. القاهرة ـ فتحي عامر: