السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 تكتمل اطلالتنا على جهود العمالقة الخمسة الذين ساهموا مع غيرهم في اقامة صرح النظرية الجمالية بالقاء نظرة على جهود أبي الحسن بن الحسن بن الهيثم، العالم الطبيعي والرياضي والفلكي الكبير، الذي ولد في حوالي عام 354 هجرية (965 ميلادية) وتوفي عام 430 هجرية (1030 ميلادية). وقد أمضى جانباً كبيراً من حياته في القاهرة في ظل الخلافة الفاطمية، والتحق ببلاط الخليفة الفاطمي السادس، الحاكم بأمر الله الذي تولى مقاليد الخلافة مدة طويلة بالمقاييس الفاطمية، حيث امتد حكمه من 996 الى 1021 ميلادية. ولست اريد تفصيل القول في المكانة الرفيعة التي حظي بها ابن الهيثم في تطوير ما عرفه المسلمون بعلم المناظر، أو البصريات ان شئت، والتي تستند بصفة خاصة الى مصنفه العظيم «كتاب البصريات»، ذلك ان هذا الجانب معروف، ويجد القاريء العربي ايضاً مسهباً له في كتاب عمر فروح «تاريخ العلوم عند العرب» كما يجد رؤية موجزة له في كتاب «تراث الاسلام» لشاخت وبوزورت في الجزء الثاني منه الصادر عن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية. غير ان ما يعنيني ان أشدد عليه هو ان نظرية ابن الهيثم في البصريات التي تثير الدهشة بطابعها العلمي الدقيق بما في ذلك نتائج التجارب التي قام بها بالغرفة المظلمة، التي اكتشفها في الوقت نفسه الذي اكتشفها فيه العالم الصيني شين كوا وبطريقة مستقلة عنه، هذه النظرية في البصريات لا تقصر نفسها على الجوانب حصراً، وإنما هي تمتد لتتناول المسائل والاعتبارات الجمالية على نحو معمق، حيث نأخذ في الاعتبار كموضوعين بارزين للتحليل المفهوم المزدوج للجمال والقبح من ناحية، وتجربة أو معايشة المراقب لتجليات هذا المفهوم المزدوج. الجمال والمعاني المبصَرة تلفت الباحثة فاليري جونزاليز نظرنا في الفصل الأول من كتابها المهم والنادر «الجمال والاسلام: الجماليات في الفن والعمارة الاسلاميين» الى ان ابن الهيثم، بحكم طبيعة التيار العلمي الذي ينتمي اليه، يدرك الجماليات والقبح كحقيقتين موضوعيتين وجليتين للعيان تفصح عنهما الاشياء والاجسام بدرجات متفاوتة، بين الحقائق الموضوعية الاخرى التي يحددها، والتي يدعوها بـ «المعاني المبصرة» (بفتح الصاد). ويخطو ابن الهيثم خطوة ابعد حيث يقوم بتجميع هذه المعاني، أو الخواص، أو المفاهيم، ويدرجها في قائمة أساسية تضم اثنين وعشرين مفهوماً على وجه التحديد، من بينها النور، اللون، الشكل، الحجم.. الى آخر القائمة. هذه المفاهيم أو المعاني التي تجمع بصورة متفاوتة مع امكانية الجمال تشكل مجمل الاشياء والكائنات القابلة للملاحظة والمعاينة. وهذا الطابع الموضوعي للجمال والقبح يمكن ادراكه من قبل طفل بطريقة داخلية، في المرحلة الأولية من النمو الجمالي، بمعنى ان الطفل يرصد الاشياء والكائنات، ويقارن بينها ويقوّمها، حسب درجة الخصائص التي تنقلها وتعرضها هذه الاشياء والكائنات للبصر. ويضرب لنا ابن الهيثم في «كتاب المناظر» مثالاً طريفاً ودالاً يصل عبره الى خلاصات مهمة، فهو يدعونا الى ان نعطي لصبي ليس صغيراً تماماً في السن وليس ناضجاً تماماً في مداركه شيئين من نوع واحد، ولنقل فاكهة أو ثوباً أو ما الى ذلك مما يحبه الصغار وندعوه الى ان يختار بين أحدهما وهو حسن الصورة والآخر وهو قبيح الصورة، وعندئذ فإننا سنجد ان الصبي سيختار ما هو حسن الصورة. وإذا قمنا باعطائه شيئين من نوع واحد، جميلين، ولكن أحدهما أحسن من الآخر، كما يعبر ابن الهيثم، فإنه في الغالب سيختار الشيء الأحسن. والاختيار في الحالتين لا يمكن إلا عبر قيام الطفل بالمقارنة بين الشيئين موضع التخيير، وإذا كان هذا سهلاً في الحالة الأولى، أي في حالة المفاضلة بين الجميل والقبيح، فإنه في حالة المفاضلة بين الحسن والأزيد حسناً لا يمكن ان يتم إلا باللجوء الى المقدمة الشاملة بأن الأجمل هو الأخير، على نحو ما يعبر ابن الهيثم، وما هو أخير هو الأكثر جدارة بأن يقع عليه الاختيار. والصبي في هذه الحالة إنما يعمل هذه المقدمة المنطقية من دون وعي بها. لكن ما الذي يعنيه هذا حقاً؟ ما الذي يريد ابن الهيثم ان يقوله لنا من خلال هذا المثل المبسط؟ الواقع انه من منظور ابن الهيثم فإن الاشياء تكون جميلة وفقاً لمبدأين محددين: ـ المبدأ الأول هو الخواص أو المفاهيم، البصرية الشاملة، التي سبق لنا ان رأيناه يدرجها في قائمة محددة، ويأخذها في الاعتبار في تحديد التكوين العضوي للأشياء، والتي تحتوي جمالاً داخلياً باعتباره كذلك. ولنأخذ ـ على سبيل المثال، النور الذي يأتي في صدر قائمة الاثنين وعشرين مفهوماً التي يضعها ابن الهيثم، فإننا سنجد ان هذه الصدارة لم تأت من فراغ، فالنور هو الذي يقرر الحسن أو بحسب تعبير ابن الهيثم الذي يتميز بدلالته القوية «الضوء يفعل الحسن» وهذا هو السر في اننا نقول عن شخص ما انه جميل كالشمس أو القمر أو النجوم، ولكن الشمس والقمر والنجوم لا يوجد فيها شيء يجعلها جميلة أو يجعل لها شكلاً بهيجاً، باستثناء نورها، بالطبع. ـ المبدأ الثاني هو المعدل أو المغير، أو المبدأ المشكل لهذا الجمال باعتباره جمالاً، والذي تنقله المفاهيم البصرية الشاملة الى جمال واحد محدد، وبالتالي الى جمال قابل للقياس ولتحديد قدره وبالتالي قابل للتصنيف. وعملية تعديل الجميل هذه تحدث تأثيرها من خلال تركيب محدد لأحد هذه المفاهيم البصرية الشاملة أو لبعضها أو لكلها مع المفاهيم البصرية المحددة والمناسبة، التي يتمتع بها شكل كل شيء أو كل نمط من الاشياء، بحيث انه في نهاية المطاف يقوم الجسم المحدد للبصر وللادراك فئة محددة من فئات الجمال وسمة محددة من سماته. وبهذا المعنى فإن بوسعنا القول ان الجمال القابل للادراك بحاسة البصر يدركه بصرنا من خلال ادراك كل خاصية محددة فيه، أي من خلال ادراك المعاني الجزئية المتضمنة فيه، ذلك ان كل خاصية من هذه الخواص تقرر، بشكل منفصل، أحد انواع الجمال، وهي لا تفرز أنواعاً أخرى من الجمال بعضها مع البعض الآخر، لأن البصر يدرك الجمال من خلال أشكال الاشياء التي يدركها فحسب، وهذه الأشكال من خلال ادراكه لهذه الخواص، ومن هنا فإنه يدرك الجمال من ادراكه لهذه الخواص. ومن بين الخواص البصرية المحددة المسئولة عن الدرجة الرفيعة من الجمال في شيء ما أو في شخص بعينه، تبرز خواص الترتيب والسيمترية التي نجدها بارزة عن أرسطو وأفلاطون والتي أحيا ابن هيثم الاهتمام بها بجمعها الى المباديء المعنية مثل التناسب والنظام، وهي المفاهيم التي يشيع ذكرها في الفلسفة الاسلامية. اكتمال الدائرة وفقاً لما يراه ابن الهيثم، فإن الجمال الموجود في كل الأشياء يتعين ان يدركه المرء في تعقيده الكامل وتغايره ومراوغته لدى نضج قدراته الادراكية وتحسنها وارهافها عبر الممارسة والاستخدام، بدءاً من التجربة الأولى للطفل التي ضرب بها ابن الهيثم كما رأينا في مواجهة الحسن والأزيد حسناً. هكذا فإن الأمر، في جوهره، يتعلق بعملية معقدة قوامها الادراك البصري تخاطب مركباً من الادراك الحسي مع شكل من أشكال الفهم مستمد من الخواص التخيلية وأنماط اخرى من المعرفة الحدسية وقبل المنطقية. ويصف موريس ميرلو بونتي هذا النمط الحدسي بـ «البنية الأساسية الغريزية للادراك» في مواجهة أنماط التفكير المنطقية التي يشير اليها باعتبارها «بنى فوقية للادراك أسست من خلال أعمال الذكاء». وكما يشير بويرتا فيلشيز عن حق في كتابه الرائد عن تاريخ الفكر الجمالي الاسلامي، فإنه في أعمال ابن الهيثم يبدو التذوق الجمالي مستوعباً في الميدان المعرفي الحدسي والحساسي، ولا يمضي عبر أعمال المنطق، فيظهر لنا تجربة معرفية متحررة من الخضوع للأخلاق والمنطق والمجالات الاخرى التي غالباً ما اقتصر عليها واكتفى بها المؤلفون في القرون الوسطى على امتداد العالم القديم. هكذا فإنه للمرة الأولى في القرون الوسطى، وفي قلب القاهرة الفاطمية، وعلى يد ابن الهيثم تكتسب عملية ادراك الجميل استقبالاً ذاتياً أصيلاً في النطاق الكامل للممارسات المعرفية. وعلى هذا النحو تكتمل دائرة بحثنا عن مساهمات العمالقة الخمسة الكبار الذين شاركوا، الى جوار غيرهم، في اقامة صرح النظرية الجمالية الاسلامية، لنجد اننا قد أطللنا على حصاد وافر رغم حرصنا على الايجاز وتجاوز التفاصيل، فها نحن أمام الاهتمام بالجمال عبر مناهج شتى ومن خلال تصورات تصل الى التضارب والتناقض أحياناً لكنها تلتقي لتثري حصيلتنا كأشد ما يكون الثراء، سواء أكان حديثنا عن الجميل على نحو متسام في الشخص الانساني والمثقل بالاخلاقيات كما لمسنا عند ابن حزم أو كان عن الجمال المتغير والمصنف ظاهراتياً عند ابن الهيثم أو كان يتناول الرؤيتين المتعارضتين للجمال، وهما الجمال المنير والفكري والمنبعث من مصدر الهي عند الشيخ الرئيس ابن سينا، والترتيب الهيكلي الجميل للعالم المادي عند ابن رشد، أو سواء أكنا نتحدث عن الجمال كمكون أساسي للانسان الكامل عند الغزالي. هكذا، فإننا بمعنى من المعاني مررنا بجميع أنواع الجمال، بما في ذلك الجمال المنطقي، الميتافيزيقي، الفيزيقي والأخلاقي. ومن المحقق ان القاريء سيدرك الآن وقد اكتملت الدائرة وخرجنا من المجاز أو الرحلة داخل الرحلة، مع استهدافنا القاء نظرة على مكونات النظرية الجمالية الاسلامية، كم كنا في حاجة ماسة الى هذا الزاد، ونحن نمضي على درب رحلتنا الممتدة مع الموضوع الأساسي لهذا الجزء من الموسوعة، وهو الزخرفة والحلي المعمارية كجزء من جماليات المكان في المساجد. الزخرفة والانشاء الخاطرة الأولى التي ترد الى البال وتعن لدى التأمل حيال الفضاء الرحب الذي سنبدأ فيه رحلتنا ـ بعد هذه المقدمة التي نخشى انها طالت بأكثر مما قدرنا واستفاضت على نحو يتجاوز ما أردنا ـ هي اننا أشرنا الى موضوع هذا الجزء من الموسوعة مراراً وتكراراً على انه «الزخرفة والحلي المعمارية كجزء من جماليات المكان في المساجد». من الناحية الموضوعية، هذه الموسوعة بدأت بمدخل عام عن المساجد من منظور جماليات المكان فيها، ثم انطلقت لتحليل مكثف لعشرة مكونات أساسية في المساجد من المنظور نفسه، والآن يتعين أن ندرس زخرفة المساجد ومساهمتها في اثراء جماليات المكان فيها. فلماذا إذن عمدنا الى الحديث عن «الزخرفة والحلي المعمارية». الواقع اننا تعمدنا هذا وتقصدناه، لنشدد ونوضح ونؤكد اننا بازاء اشكالية تقتضي المواجهة والعزل والتحديد والبلورة في صميم الموضوع الذي نناقشه على امتداد رحلتنا في هذا الجزء من الموسوعة، وهذا أمر طبيعي ومنطقي لأن الموضوع الذي نناقشه هو من الصعوبة والتعقيد بحيث ان مجرد تحديده وعزله عن غيره وعما يتشابه معه ويتماثل ويتناظر يعد إشكالية في حد ذاتها ويفرض مشكلة تقتضي حلاً. ودعني أضرب ثلاثة أمثلة على ما أعنيه هنا، توضح طبيعة الاشكالية التي نحن بصددها. ـ المثل الأول شديد الدلالة، بحسب اعتقادي، على الرغم من انه ليس مستمداً من مسجد، وإنما من قصر، هو قصر الحمراء، ويدور على وجه التحديد حول قبة قاعة الشقيقتين في هذا القصر، والتي تعد من عيون روائع العمارة الاسلامية، فهذه القبة من الداخل تصافح عين المتأمل بنسيج مذهل من المقرنصات البديعة التي وصفت عن جدارة واستحقاق بأنها تتحدى كل القوانين المعمارية، وتدور حولها ست عشرة نافذة ينهل منها النور المصفى بأشكال مختلفة حسب أوقات النهار، معطياً الايحاء بأن القبة كون صغير يدور. والسؤال الذي أطرحه هنا هو: هل هذه المقرنصات زخرفة بديعة قصد بها الاشارة الى اننا أمام سماء من نوع مختلف، في ترداد رائع لأصداء التشابك بين مفهومي السماء والسقف في لغتنا العربية، حيث يقول ابن منظور «كل ما علاك فأظلك فهو سماء، ومنه قيل لسقف البيت سماء». والسؤال المؤرق هنا هو: هل هذه المقرنصات زخرفة حقاً؟ أم انها ليست إلا انشاء محضاً؟ أم انها حلول لمشكلات انشائية جاءت من الروعة والالهام بحيث حرفت الى معنى الزخرفة؟ ـ المثل الثاني مستمد من طريقة الأبلق في الابداع بالعمارة الاسلامية، وهي طريقة يرجح مؤرخي الفنون الاسلامية انها شامية الأصل، حيث تسود المباني التي ترجع الى أوائل العصر الايوبي في حلب، حين استخدم الرخام الابيض والاسود لتزيين واجهات بعض المباني. والأبلق ـ كما هو معروف للكافة ـ صفة انصرفت أصلاً الى الخيل التي يخالط بياضها سواد، لكن هذه الصفة وسع نطاقها لتشمل نتاج استخدام صفوف من مواد بنائية مختلفة، كالآجر والحجر لتزيين الوجهيات في المباني الصرحية بخاصة. وهذا الأسلوب، في حقيقة الأمر، قديم وربما كان يعود إما الى أواخر العصر الروماني أو الى العصر البيزنطي، ثم شاع بعد ذلك في عمارة العثمانيين حتى أصبح من أبرز مميزات مباني اسطنبول، والأبلق الأصيل حقاً هو ما استخدم في بلاد الشام وفي مصر المملوكية، حيث ظهر لأول مرة في واجهة مجموعة قلاوون المسجدية التي شيدت في عامي 1254 ـ 1285، وظهر بعد ذلك في عدد من الوجهيات الصرحية المميزة، لعل أقربها للذاكرة والوجدان وجهية مسجد السلطان حسن وجامع المؤيد. وقد كنت طالباً في العام الأول من الدراسة بكل الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، عندما مضيت، قبل عقود من الزمن، إلى وكالة السلطان الغوري لمشاهدة مسرحية «مأساة الحلاج». وحتى اليوم ورغم ما يعتور الذاكرة من ضباب النسيان إلا أنه لايزال يقترن في وجداني تأثير الابلق في هذا المبنى المملوكي الفريد بكلمات الشبلي المفعمة حزنا وعتابا لحلاج عبد الصبور: «يا صاحبي وحبيبي، قد كنت عطراً نائماً في وردته. لم انسكبت؟ ودرة مكنونة في بحرها. لم انكشفت؟» والسؤال الآن هو: هل الأبلق الأصيل كما نلمحه في هذه المباني المملوكية زخرفة أم انشاء؟ ـ المثل الثالث مستمد من مسجد جامع ابن طولون بالقاهرة الذي لايزال يثير حتى اليوم الكثير من الجدل المحتدم حول مدى التوفيق الذي أصابته وزارة الثقافة المصرية في الترميمات التي أجرتها في بعض جوانبه، وهو الجدل الذي وصل إلى حد الاحتكام إلى القضاء. غير ان ما يعنينا في المثل الذي نضربه هنا هو النوافذ المئة والثماني والعشرين الجصية الشهيرة الموجودة في هذا الجامع، والتي يصفها المهندس فريد شافعي بأنها: «ألواح من الحجر أو الرخام أو الجص، زخارفها فراغات تحيط بها إطارات ذات أشكال هندسية أو نباتية أو كتابية. وبعد أن كانت تلك الألواح مفرغة تماما تطورت إلى وضع قطع من الزجاج الملون تسد الاجزاء المفرغة، يتجلى جمالها إذا شوهدت من داخل الاماكن التي وضعت في جدرانها وأطلق على هذا النوع من الزخارف اسم الشمسيات». ومرة أخرى فإن السؤال هنا هو: هل هذه النوافذ بزخارفها الزجاجية والجصية الفريدة هذه تعكس بعد انشاء أم بعد زخرفة أم تعكس تداخلاً في نوع فريد بين هذين البعدين؟ كما توضح هذه الأمثلة، وهناك الكثير غيرها يمكن للقاريء أن يضربه بنفسه، فإن العلاقة بين الزخرفة والانشاء هي علاقة شديدة التعقيد الى حد أنه يحضرني على الفور في ذلك قول بروفيسور روبرت هيلينبراند، استاذ الفن الإسلامي بجامعة أدنبرة في ص 25 من كتابه الموسوعي «العمارة الإسلامية» في غمار حديثه عن الغموض في الشكل والزخرفة إن «العمارة والزخرفة في حرب على الدوام. والدور المهم على نحو غير عادي الذي تسنده العمارة الإسلامية للزخرفة يشجع انتصارها ومعه تفكيك الكتلة. والأمر كما لو أن الجدار قد غدا لوحة هائلة الامتداد. ولن يكون من الصعب تكريس ارتباطات حافلة بالاغواء بين هذه الطريقة في النظر إلى العمارة وبين رفض المتصوفة المسلمين للواقع العادي والمبتذل، ففي الحالتين كلتيهما هناك أهمية للكسوة الرمزية والتي تجعل ما نحن بازائه أقل مادية». وقبل أن تنداح أصداء ما يقوله بروفيسور هيلنبراند عن علاقة الحرب الدائمة بين العمارة والزخرفة، تستعيد الذاكرة رجع كلمات المعماري العراقي محمد مكية التي يقدم فيها اقتراحا مختلفا بتوصيف هذه العلاقة المعقدة بين الزخرفة والانشاء، حيث يقول إن مشروع الزخرفة في أي مبنى لابد له من أن يكون «متعاطفاً» مع الانشاء. ومن الواضح أن مكية يستخدم هنا لغة دبلوماسية تعكس قدراً من البراعة والتي يحسد عليهما حقاً، فقوله هذا ورد في معرض التعقيب على أحجام اللجنة الفنية الحكومية المعنية عن تنفيذ مشروع الزخرفة الذي قدمه لمسجد الدولة الكويتي، وهو من تصميمه، وقيامها بتنفيذ مشروعها الخاص بالاستعانة المباشرة من جانبها بفريق كبير من الفنيين والحرفيين والمنفذين من جميع أنحاء العالم الإسلامي تقريباً. أياً كان الأمر، فإن هذه الأمثلة الثلاثة التي ضربناها وهذين المقتطفين اللذين أوردناهما وما دار في فلك هذا كله من أفكار وعلامات استفهام كفيل، في اعتقادنا، بايصال الرسالة التي أردنا أن نبعث بها إلى القاريء واضحة وجلية، كأشد ما يكون الوضوح والجلاء. ولكن ألا يدعونا ذلك إلى أن نبدأ رحلة الألف ميل بالخطوة المهمة المتمثلة في التعريف الواضح بما نقصده بالزخرفة كمطلب طبيعي لحل المشكلة الكامنة في الاشكالية التي سبق لنا أن أشرنا إليها؟ ما الزخزفة حقاً؟ قبل أن نفتح قاموساً أو معجماً لنطل منه على البعد اللغوي لمفهوم الزخرفة ـ كما هي عادتنا التي درجنا عليها والتي نأمل أن يسمح لنا القاريء بمواصلة اتباعها ـ ستلفت نظرنا مسألة تبدو على قسط ليس باليسير من الغرابة، فعلى الرغم من الاهتمام الغربي الكبير بالزخرفة الاسلامية ومحاولة دراستها وفهم أسرارها وتجاوز تلك الحيرة الفيكتورية حيالها والاكتفاء باحالتها إلى ما هو غرائبي وعجيب شأن ظواهر عديدة في الشرق، إلا أننا نلمح عدم وجود اهتمام حقيقي في القواميس الغربية باستجلاء أبعاد مفهوم الزخرفة في العمارة الإسلامية. ومرة أخرى سأسمح لنفسي بأن أضرب مثلين محددين، ويقيني أن بوسع القاريء أن يقوم هو نفسه بضرب المزيد من الأمثلة من واقع ما يضع يده عليه من معاجم وقواميس عربية: ـ المثال الأول هو «قاموس العمارة الإسلامية» لأندرو بيترسن، من واقع الطبعة اللندنية الصادرة عام 1996، فعلى الرغم من أن هذا القاموس يقع في 342 صفحة من القطع الكبير، إلا أنه يخلو من كلمة واحدة عن الزخرفة في العمارة الإسلامية، سواء تحت مادة زخرفة مباشرة، أو تحت مادة الحلي المعمارية، أو غير ذلك مما قد يتماثل أو يتقاطع معهما. ـ المثال الثاني هو «قاموس الفن» الصادر عن دار جروف النيويوركية عام 1996 أيضا في أربعة وثلاثين مجلداً، فعلى الرغم من أن مادة «الفن الإسلامي» تشمل الصفحات من 99 إلى 588 إلا أنها لا تتحدث في ما يتعلق بزخرفة المساجد إلا على امتداد 14 سطراً على عمود واحد وبأوسع، فيوشك القاريء على أن يخرج منها صفر اليدين. إذا نحينا هذه الملاحظة جانبا، وبادرنا إلى استجلاء ما تعنيه الزخرفة، لوجدنا أنه يقال زخرف الشيء (بفتح الزاي وسكون الخاء) زينه ونمقه، وزخرف القول حسنه بالكذب، والزخرف (بتشديد الزاي وضمها) وجمعها زخارف الذهب وتمام الحسن وكل مموه مزور، والزخرف من الأرض ألوان نباتها، ومن الكلام المرقش بالكذب، ومن الحشرات جنس من نصفيات الأجنحة تعلو فوق الماء، ومن البيت متاعه، ومنه قول الحق عز من قائل: «أو يكون لك بيتا من زخرف»، والزخرفة فن تزيين الأشياء بالنقش أو التطريز أو التطعيم ونحو ذلك. ويشير د. عاصم محمد رزق في «معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية» إلى أن الزخارف في المصطلح الأثري الفني هي النقوش التي يجمل بها البناء سواء أكانت من جص أو حجر أو خشب أو رخام أو غيره، وقد حظيت في العمارة والفنون الإسلامية بعناية خاصة ومستمرة حتى بلغت شأواً كبيراً من الجودة والاتقان والتنوع، نتيجة جهود متواصلة بذلها الفنانون المسلمون في هذا المضمار عندما حفروا الخشب، وصفحوا الأبواب، وكفتوا المعادن، وثقبوا الأحجار ، ونقشوا الجص، ولونوا الخزف، ونزلوا الرخام، وغير ذلك من الضروب المختلفة التي مستها أيديهم. وقد ابتكر المبدعون من هؤلاء الفنانين المسلمين في تنفيذ هذه الزخارف ضروباً متباينة ذات مميزات مختلفة كانت بمثابة حقل من أخصب حقول الفنون الاسلامية الخاصة بالدراسة والتأصيل لما اتخذته هذه الضروب من منحى ديني واضح، أكسب هذه الفنون جوهرها الانبل الذي ميزها عن كل فنون العالم القديم، لاسيما وانها كانت تنفتح فيه على مجالات لا نهائية من الابداع والتشكيل، فما يكاد شعور المشاهد فيها لعمل فني ينتهي الى ادراك اكتماله حتى يتبين انه ينبيء بولادة عمل فني آخر منبثق منه. الآن ونحن ننفذ المسير في طلب أسرار ينابيع هذا الابداع الاسلامي، نأمل أن نكون طالبين بالمعنى الذي قصده أهل الحقيقة وعنوه. ولم لا؟ أليس يعلمنا التهانوي ان «جميع أهل العالم يطلبون مرادهم أما الطالب في اصطلاح السالكين فهو يطلب المولى فيقوم على التوكل ويخجل من الله»؟ تأليف ـ كامل يوسف حسين