السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 يحتاج المرء فقط الى تشغيل جهاز التلفزيون او تقليب صفحات جريدته ليدرك ان الطقس اصبح ابرز الموضوعات التي تتناولها وسائل الاعلام فهناك فيضانات عارمة تجتاح مدن وسط اوروبا وسحابة اوروبية داكنة عظيمة تعيث فساداً بالبيئة، وقبعتا الجليد القطبيتان تذوبان بتأثير الاحترار الارضي. ويبدو ان الاهتمام الجماهيري العام بالطقس تجاوز مجرد القلق من احتمال هطول الامطار الغزيرة اثناء المباريات الرياضية المهمة في اوروبا واذا كانت المساحة التي تفردها وسائل الاعلام المقروءة والمرئية للطقس العالمي مؤشراً على تخلله لعقولنا، فيبدو اننا نستيقظ على حقيقة ان الطقس شيء له اهميته البيئية والسياسية والاقتصادية. لكن ماذا يمكننا ان نفعل لتغيير الطقس السيء، وكيف يمكننا ان نوقف الاحترار الارضي قبل ان نتعرض لأعظم كارثة ايكولوجية منذ الاصطدام النيزكي الذي اباد الديناصورات؟ وقبل ذلك كله هل يمكننا بالفعل تغيير الطقس؟ اجل نستطيع فعل ذلك الى درجة معينة، ولقد سبق للانسان ان غير الطقس مرات عديدة بدرجات نجاح متفاوتة والتاريخ الحديث زاخر بحكايات عن علماء دأبوا على معالجة متاعب الطقس فخلال الحرب العالمية الثانية نشرت شبكة معقدة متقنة من وقود الاحتراق على طول جانبي مهابط الطائرات الحربية في بريطانيا، ونجحت في حرق وتبديد الضباب الذي كان يعيق اقلاع القاذفات البريطانية وفي الولايات المتحدة استخدمت خلال الستينيات والسبعينيات تقنيات معقدة لزرع السحب العاصفية بمواد كيماوية تتحكم بهطول المطر الى درجة يمكن معها تحويله او تأجيله. لكن التغيير الاكبر الطارئ على الطقس حدث على نطاق اوسع بكثير ويعتقد بعض العلماء اننا جلبناه لأنفسنا بأيدينا، ويطلقون عليه اسم الاحترار الارضي وبعبارة دقيقة انه التغير الذي طرأ خلال الـ 150 سنة الماضية على متوسط درجة حرارة الارض، والأنباء السيئة هي انه ارتفع بواقع 07 درجة مئوية انها حقيقة موثقة بالرصد العلمي وهي تعني انه ما لم تحدث تطورات مهمة في مساعي منع الاحترار الارضي، فنحن مقبلون على كوارث مناخية تراجيدية لم تشهد الارض مثلها منذ آلاف السنين وبرغم ما يقوله منكرو الاحترار الارضي فإن القضية الحقيقية لا تدور حول ما اذا كان هناك بالفعل تسخن ارضي ـ فهذا الامر مفروغ منه الآن ـ بل حول نطاق تأثير انماط الحياة البشرية في مفاقمة المشكلة. قبل عام 1850 كانت هناك فترة ألف عام ظلت درجات الحرارة فيها مستقرة نسبيا اذن ليس هناك من شك بأن الازدياد في تركيز ثاني اكسيد الكربون في الجو مرتبط باحتراق انواع الوقود الاحفورية التي جاءت في مستهل الثورة الصناعية. وبالنظر في الخمسين سنة الماضية، نجد دلائل متزايدة تشير الى ان معظم التسخن الارضي الارضي نجم عن النشاطات البشرية، وقد ثبت هذا بتحليل التمثيلات الحاسوبية المقارنة بادخال وتحييد عامل النشاط البشري فيها. انا ارتفاع متوسط الحرارة بواقع 07 درجة مئوية على المستوى العالمي قد يكون كارثيا، لان هناك تغيرات حرارية أكبر من ذلك بكثير تندرج تحت مظلة هذا الرقم. وهناك عوامل مؤثرة اخرى مثل مطول الامطار. وتشير بعض التنبؤات بأن معدل درجات الحرارة في بريطانيا مثلا سيزداد ب2 الى 5 درجات مئوية على مدى الخمسين سنة المقبلة، وهذا يعني ارتفاع مستويات البحر بشكل دراماتيكي. ومن شأن ذلك ان يجعل كافة الدفاعات البحرية البريطانية عديمة النفع بحلول عام 2040. العالم المتقدم ربما يمتلك ما يكفي من الموارد المتاحة للتكيف مع مثل هذه المشاكل، لكن في العالم النامي يصبح حجم المشكلة أكبر بكثير، بسبب عدم توفر سيولة نقدية للاستثمار في المستقبل. وتكمن المفارقة المثيرة للسخرية في ان العالم النامي ليس هو الذي يتسبب بالمشكلة، مما يجعل موقف الولايات المتحدة في الساحة السياسية الحالية اكثر احباطا للاطراف العالمية، بسبب احجامها عن التعاون مع الجهود العالمية الرامية الى حماية مناخ الارض ورفضها التوقيع على اتفاقية كيوتو لخفض انبعاثات الاحترار الارضي التي وافقت عليها بقية الدول الصناعية الاخرى. حتى ان الرئيس جورج بوش قالها علناً ان المال والاعمال تأتي قبل البيئة، محبطاً بذلك العلماء الاميركيين انفسهم قبل العلماء الدوليين. وذهب بوش الى ابعد من ذلك بالتشكيك في صحة اللجنة الدولية الرسمية للتغير المناخي، عندما طلب من الاكاديمية الأميركية للعلوم اعداد تقرير ثان، لانه ببساطة لم يقتنع بما جاء في التقرير الدولي وخلص التقرير الثاني الى نفس النتائج بالضبط. ويبقى السؤال ما الذي يمكننا فعله لمنع الاحترار الارضي؟ على اعتبار ان المشكلة برمتها تعود الى انبعاثات غازات الاحتباس الحرارية، وبالاخص ثاني اكسيد الكربون فإن اي شيء نقوم به لتقليص استخدامات التدفئة والتكييف الهوائى وحركة وسائل النقل يمكن ان يساعد في تخفيض المشكلة. ومن هنا تنشط وزارات البيئة في الدول المتقدمة في نشر وبث اعلانات تحث فيها المواطنين على عدم الاسراف في استهلاك الكهرباء حتى ولو كان ذلك بمجرد اطفاء الانوار غير اللازمة التي تترك طوال الليل بدون طائل. وفيما يتعلق بدور الشركات في عالم المال والاعمال، لا تزال الصناعة مقصرة كثيرا في التعاون مع السياسات الحكومية الرامية الى معالجة مشكلة الاحترار الارضي على كافة المستويات وكل حسب استطاعته. ففي بريطانيا على سبيل المثال، لم تستجب المؤسسات الصناعية بعد لمبادرة ضرائب التغير المناخي التي اقرتها الحكومة العام الماضي، والتي تقتضي فرض ضرائب على كل وحدة صناعية حسب استهلاكها للطاقة، وبالتالي تأثيرها السلبي على البيئة. وتهدف هذه الفكرة الى جعل ارباب الصناعة والمشكلة هي ان الحكومة البريطانية اضفت شيئا من الضبابية على القضية باستحداث سياسة تخفيض للتأمين الوطني ثتوازن العقوبات المترتبة على عدم الالتزام بضرائب التغير المناخي، تاركة للشركات حرية الاستمرار في تلويث البيئة بضباب الرادع الاخلاقي والقانوني. وهذا يقود الى خلاصة واحدة مفادها ان الكرة متروكة في ملعب كل فرد بالمجتمع في الوقت الراهن على الاقل. فالامر متروك الآن لكل منا ليحتكم الى اخلاقياته وينهض بمسئولياته كفرد بيئي على هذا الكوكب لمعالجة المشكلة البيئية الاوسع نطاقا وتأثيرا في عصرنا الحديث. علي محمد