الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 هذا رجل سلام بكل معاني هذه الكلمة التي عرفها الانسان على مدار تاريخه، لم يعرف يوما بتصرف يشي ببادرة عنف او شطط، وانما كان رضي الله عنه وأرضاه طوال عمره يؤثر السلامة والمسالمة، ويحب اشاعة الرحمة والرأفة بين ثنايا المجتمع، يبذل التوقير والاحترام لكل مسلم صغيرا او كبيرا، ذكرا او انثى ويملك شعورا فياضا بالعطف على الضعيف والمحتاج، كما تتحرك بداخله اطياف وأطياف تصون عفته وطهره، فلا يحب ان يجرحه احد او يجرح احدا، او يحرج احدا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟!». انه عثمان بن عفان بن ابي العاص بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف الاموي القرشي وأمه اروى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف. وكان مولده في العام الخامس من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان من السابقين الى الدخول في الاسلام على يد الصديق رضي الله عنهما، وزوجه صلى الله عليه وسلم بنته رقية وهاجر بها الى الحبشة، ولنعلم قدر اعتزاز النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الرجل، يجب ان نستعيد احداث التاريخ، ولنر كيف زوجه بنته الثانية (أم كلثوم) رضي الله عنها..!! فقد توفيت السيدة رقية والمسلمون يحرزون اول وأهم نصر اسلامي في ميدان القتال، وبعد غزوة احد فقدت السيدة حفصة بن عمر بن الخطاب زوجها خنيس بن حذافة السهمي، وحزنت عليه كما تحزن الحرة على بعلها، اشتد عليها امر مصابها فأقدم عمر رضي الله عنه على عرضها على من احب ان يحسن مواساتها ويخفف عنها فعرضها على اخيه ابي بكر، فلم يرد عليه وعرضها على عثمان فاستمهله اياما، ثم يلتقي به فيخبره انه لا يتزوج في يومه، فلما ذهب عمر يشكوه بعد هذا الحرج الى النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة) ثم يزوج عثمان من ابنته ام كلثوم، ويتزوج هو من حفصة، رضي الله عنهم جميعا، وهكذا يتزوج عثمان باثنتين من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك سمي بذي النورين.. بل ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان توفيت أم كلثوم سنة تسع ودفنت بالمدينة، يقول لعثمان: لو كانت عندنا بنت ثالثة لزوجناك اياها...!! ولعل الانسان يعجب لهذا التقدير والاعزاز والمودة من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن العجب يزول حينما تعلم جهوده وجهاده في الاسلام وفي ارواء شجرته، مما عنده من اخلاق وسجايا يندر ان تجدها في مثله..! فحين قدم المسلمون الى المدينة واجهتهم مشكلة المياه الصالحة للشراب، فلم يكن هناك سوى بئر يملكها يهودي، فكان يبيع الماء لأهل المدينة ـ خصوصا المسلمين ـ بثمن مرتفع يئن منه الكثير، وتمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يجد بين اصحابه من يشتريها حتى تفيض ماؤها على المسلمين بغير ثمن وسارع عثمان رضي الله عنه الى تحقيق رغبة الرسول، فعرض على اليهودي صاحب البئر ان يبيعها له، فأبى.. ساومه «عثمان» على نصفها واشترى النصف باثني عشر ألف درهم.. على ان تكون لليهودي يوما ولعثمان يوما.. فكان المسلمون يستقون في يوم عثمان ما يكفيهم يومين..! وهكذا وجد اليهودي نفسه وقد خسر سوقه التي كانت رائجة فعاد يعرض على عثمان ان يشتري منه النصف الثاني فاشتراه وفاضت البئر بمائها العذب تروي اهل المدينة بغير ثمن وبغير حساب، وكان نصف البئر وحده بمبلغ اثنا عشر ألف درهم اي دفع عثمان أربعة وعشرين ألفا من خالص ماله..! وكان مسجد المدينة الذي اسسه النبي صلى الله عليه وسلم قد ضاق برواده، اذ شغف المسلمون جميعا بالحضور للاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم وشهود الصلوات معه، وحضور امر الاسلام، ومن ذا الذي يمكنه الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يصنع، والمسجد هو اساس بناء المجتمع الاسلامي ما في ذلك من ريب..! وتمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو يستطيع شراء مساحة مجاورة للمسجد كي يزداد بها المسجد اتساعا يستوعب رواده وفي صمت ذهب عثمان الى اصحاب المكان فاشتراه منهم بخمسة عشر ألف درهم من ماله الخاص كذلك..! وعندما تم للنبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة ونشر فوقها شعار الاسلام، ودخل الناس في دين الله افواجا اراد ان يوسع المسجد وأبدى رغبته في زيادة مساحته بشراء الارض المجاورة ولم يكد عثمان يسمع هذه الرغبة حتى ذهب الى صاحب الدار العريضة واشتراها منه بعشرة آلاف دينار من خالص ماله كذلك..! وحينما اراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يعد جيش العسرة للقاء الجموع الرومية بقيادة هرقل في ظروف الحر والفقر، آلمه ألا يجد المال اللازم لتجهيز هذا الجيش، فأعلن: «من يجهز هؤلاء ويغفر الله له»..! وسعى عثمان الى نيل هذه المغفرة فصب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف دينار فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بين يديه، ويقول «غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما اعلنت، وما هو كائن الى يوم القيامة». فلم يكتف بذلك انما قدم تسعمئة وأربعين بعيرا وستين فرسا أتم بها الالف..!! وفي عهد ابي بكر اشتد القحط والجوع وذهب المسلمون فشكوا الى الخليفة ما حل بهم فصبرهم الى ان يأتي الفرج وفي الغد جاءت قافلة لعثمان بن عفان مكونة من الف جمل تحمل الطعام والخيرات من بلاد الشام..! ولما علم تجار المدينة اعتبروها فرصة ثمينة لزيادة ثرواتهم وذهبوا اليه يعرضون عليه شراء هذه القافلة على ان يربحوه في كل عشرة اثنين.. فيقول: لدي من زادني عن هذا!! قالوا: نعطيك خمسة في كل عشرة. قال: قد زادني عن هذا. فقالوا: من ذا الذي زادك، وليس في المدينة تجار غيرنا؟ قال رضي الله عنه: الله سبحانه وتعالى زادني عشرة في كل درهم واحد!! فانصرف التجار وقد أحزنهم ضياع الربح من أيديهم، ونادى في المدينة على الملا: اللهم اني اعطيت تجارتي لفقراء المسلمين بالمدينة من غير ثمن ولا حساب!! علي عيد