الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 سورة «الأنعام» التى هى موضع حديثنا فى هذه الحلقات، قد افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق والثناء الكامل هو الله رب العالمين. قال ـ تعالى :ـ {الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}. ولفظ الحمد معناه: الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها. و «أل» فى لفظ «الحمد» للاستغراق والشمول، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة ألوان الثناء هو الله تعالى ـ وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله ـ تعالى ـ، لأن كل مايستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، ومايقوم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله ـ تعالى ـ، لأنه هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه. وقد فصل الإمام الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية الكريمة القول فى الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال: «أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله؟!! وأما الحمد فإنه لايحصل إلا للفاعل المختار على مايصدر منه من الإنغام والإحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد. وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ماصدر عنه من الإنعام، سواء أكان ذلك الأنعام واصلا إليك أو إلى غيرك.. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن المدح أعم من الحمد، وهو أعم من الشكر. وفى القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت فى الافتتاح بتقرير أن الحمد لله ـ تعالى ـ وحده، إلا أن كل سورة من هذه السور الخمس لها منهج خاص فى بيان أسباب ذلك الحمد. أما السورة الأولى فهى سورة «الفاتحة» التى تقول فى مطلعها «الحمد لله رب العاملين» أى: أن الحمد لله وحده، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإيجاد والتصوير، ورباه تربية عقلية أمامها منح قوى التفكير والإدراك، كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى أوحى بها الخالق إلى رسله، فتربط استحقاق الحمد بربو بيته ـ عز وجل ـ للعاملين، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية وعقلية عن طريق الإيجاد والتصوير، كما تنتظم التربية التشريعية التى أساسها الأحكام التى أوحاها الله إلى أنبيائه ورسله. وتجيء بعد سورة «الفاتحة» فى الترتيب المصحفى سورة «الأنعام» فأثبتت ـ أيضا ـ استحقاق الحمد لله وحده، لأنه «خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور» فهى تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية، وهو الخلقية التى أساسها الخلق والإيجاد والتسوية والتصوير الحقيقى. تم تجيء بعدهما سورة «الكهف» فتثبت أن الحمدلله لأنه، «أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا» فتراها تهتم بالتربية التشريعية التى تهذب الروح وتهدى الفكر. والسورة الرابعة التى افتتحت بإثبات أن «الحمدلله» هى سورة «سبأ» لأنه ـ سبحانه ـ «له مافى السموات ومافى الأرض وله الحمد فى الآخرة وهو الحكيم الخبير» ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن التربية المطلقة التى تتجلى فى إرساء مظاهر علم الله الشامل، وملكه المطلق، وتدبيره المحكم، وقدرته النافذة التى تجعله أهلا لكل حمد وثناء. أما السورة الخامسة التى افتتحت بقوله ـ تعالى: «الحمد لله» فهى سورة «فاطر»، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمد له ـ تعالى ـ لأنه «فاطر ـ أى: خالق وموجد ـ السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد فى الخلق مايشاء إن الله على كل شئ قدير». والذى يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمدلله وحده، عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق السموات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر، كما تذكر أنواع الناس فى الانتفاع بوحى الله، وبهدى أنبيائه ورسله. وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة «الحمد لله» وفى قصر الثناء عليه وحده، إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا بها فى تقرير هذه الحقيقة، وفى إقامة الأدلة على صدقها. وقد أحسن الإمام القرطبى، رحمه الله ـ عندما قال: «فإن قيل: قد إفتتح غيرها ـ أى: غير سورة الأنعام ـ بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائرة فيقال فى الجواب: لأن لكل واحدة منها معنى فى موضعه لايؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضا فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون». ولقد بين ـ سبحانه ـ فى مطلع سورة «الأنعام» بيانا شافيا الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله لله ـ تعالى ـ وحده «الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات، النور» أى: الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم السفلية والعلوية، وأوجد مافيها من مخلوقات ناطقة وصامتة، وظاهرة وخافية، وأحدث مايتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. ثم بين ـ سبحانه ـ الموقف الجحودى الذى وقفه المشركون من خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم فقال: «ثم الذين كفروا بربهم يعدلون». والمراد بالعدل هنا التسوية بين الخالق والمخلوق. أى: أن الله تعالى ـ هو الخالق للسموات والأرض وللظلمات وللنور، فمن حقه أن يخلص الجميع له العبادة والطاعة، ولكن الجاحدين والجاهلين مع كل هذه الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته عز وجل ـ يسوون به غيره فى العبادة