الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (صحيح مسلم) هذا الحديث الشريف رواه كل من البخارى، ومسلم، وأحمد بن حنبل رحمهم الله أجمعين عن النعمان بن بشير (رضى الله عنهما) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والنص أعلاه لفظ مسلم، أما لفظ البخارى فيقول: «ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى». ورواية أحمد جاءت بالنص التالى: «مثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وفى بحث علمى دقيق لطبيب مسلم (هو الدكتور ماهر محمد سالم)أوضح جانبا من جوانب الإعجاز العلمى فى هذا الحديث الشريف لم تدركه العلوم المكتسبة إلا منذ سنوات قليلة، ومن ذلك أن شكوى العضو المصاب هى شكوى حقيقية، وليست على سبيل المجاز، إذ تنطلق فى الحال نبضات عصبية حسية من مكان الإصابة أو المرض على هيئة إستغاثة إلى مراكز الحس والتحكم غير الإرادى فى الدماغ وتنبعث فى الحال أعداد من المواد الكيميائية والهرمونات من العضو المريض بمجرد حدوث ما يتهدد أنسجته وخلاياه ومع أول قطرة دم تنزف منه، أو نسيج يتهتك فيه، أو ميكروب يرسل سمومه إلى أنسجته وخلاياه، تذهب هذه المواد إلى مناطق مركزية فى المخ فيرسل المخ الى الأعضاء المتحكمة فى عمليات الجسم الحيوية المختلفة أمرا باسعاف العضو المصاب واغاثته بما يتلاءم وإصابته، أو مرضه. وفى الحال تتداعى تلك الأعضاء المتحكمة فى عمليات الجسد الحيوية المختلفة، أى يدعو بعضها بعضا، فمراكز الإحساس تدعو مراكز اليقظة والتحكم فى تحت المهاد(فى المخ) وهذه تدعو بدورها الغدة النخامية لإفراز الهرمونات التى تدعو باقى الغدد الصماء لافرازهرموناتها التى تدعو وتحفز جميع أعضاء الجسم لنجده العضو المشتكى، فهى شكوى حقيقية، وتداع حقيقى، وليس على سبيل المجاز، ومعنى التداعى هنا أن يتوجه كل جزء فى الجسد بأعلى قدر من طاقته لنجده المشتكى وإسعافه، فالقلب المثال ـ يسرع بالنبض لسرعة تدوير الدم وإيصاله للجزء المصاب، فى الوقت الذى تتسع الأوعية الدموية المحيطة بهذا العضو المصاب وتنقبض فى بقية الجسم، لتوصل إلى منطقة الاصابة ما تحتاجه من طاقة، وأوكسجين، وأجسام مضادة وهرمونات، وأحماض أمينية بناءة لمقاومة الاصابة والعمل على سرعة التئامها، وهذه هى خلاصة عمل أعضاء الجسم المختلفة من إلى القلب لى الكبد، والغدد الصماء، والعضلات وغيرها، وهى صورة من صور التعاون الجماعى لايمكن أن توصف بكلمة أبلغ ولا أشمل ولا أوفى من التداعى. وهذا التداعى يبلغ درجة من البذل والعطاء عالية إذ يستدعى من الأعضاء والأجهزة والأنسجة والغدد المتداعية أن تهدم جزءا من مخزونها من الدهون والبروتينات من أجل إغاثة العضو المشتكى، ويظل هذا السيل من العطاء مستمرا حتى تتم عملية الإغاثة، وتتم السيطرة على الإصابة أو المرض، والتئام الأنسجة والخلايا الجريحة أو المريضة، حتى يبرأ الجسد كله أو يموت كله. وهذه الحقائق لم يصل العلم البشرى المكتسب إلى إدراك شيء منها إلا منذ سنوات قليلة، والسبق النبوى بالإشارة إليها فى هذا الحديث الجامع هو من الشهادات على أنه (صلى الله عليه وسلم) قد أوتى جوامع الكلم، وأنه (صلى الله عليه وسلم) كان موصولا ، بالوحى ومعلما من قبل خالف السماوات والأرض لأنه لايمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لهذا العلم النبوى من غير وحى السماء، هذا العلم الذى نطق به نبى أمى (صلى الله عليه وسلم) من قبل ألف وأربعمائه سنة، فى أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، وفى زمن لم يكن فيه لأى إنسان إلمام بأقل قدر من هذه المعارف العلمية. وإبراز مثل هذه الجوانب العلمية فى أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وفى آى القرآن الذى أوحى إليه هو أنسب أسلوب للدعوة إلى دين الله الخاتم فى زمن النهضة العلمية والتقنية التى يعيشها إنسان اليوم، زمن المواجهات الحضارية، والمقارنات الدينية، والصراعات السياسية والعرقية والدينية وتقارب المسافات، وسرعة الاتصالات، ونحن مطالبون بالتبليغ عن الله وعن رسوله (صلى الله عليه وسلم) الذى أوصانا بقوله الشريف:«بلغوا عنى ولو أية فرب مبلغ أوعى من سامع». فصلاة الله وسلامه عليك ياسيدى يارسول الله يامن آتاك الله القرآن ومثله معه، وآتاك جوامع الكلم فجاءت أحاديثك الشريفة بهذا السبق العلمى المبهر، وبهذه الصياغة اللغوية الدقيقة حتى فى مقام التشبيه وأنتتدعو أمتك ـ خير أمة أخرجت للناس ـ إلى التواد والتراحم والتعاطف ـ وما أحوجنا إليها اليوم ـ فتأتى صياغة دعوتك بتشبيه طبى علمى بالغ الدقة والإحكام، وبالغ الروعة فى البيان، فصلى الله وسلم وبارك عليك وعلى آلك وصحبك أجمعين، وجزاك عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء والحمد لله رب العالمين. د. زغلول النجار