الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 مع اكتمال دائرة سعينا وراء فهم مساهمة الغزالي في الرؤية الجمالية الاسلامية، ينفتح المجال امامنا رحباً لفهم مساهمات باقي من وصفناهم بالعمالقة الخمسة في بناء صرح هذه الرؤية، وهم على التوالي ابن حزم، ابن سينا، ابن رشد، واخيراً ابن الهيثم. وقبل ان تبادر إلى التساؤل عن السر في اختيار هؤلاء الكبار وحدهم من دون عمالقة غيرهم لا يقلون عنهم شأنا على امتداد المسيرة الطويلة للفكر الاسلامي، فإني أدعوك إلى التوقف معي لحظة لتأمل مقتطف شهير من «كتاب النجاة» لابن سينا. يقول ابن سينا: «كل جمال ملائم وخير مدرك محبوب ومعشوق ومبدأ ادراكه الحس والخيال والخيال والوهم والظن والعقل». ولو أنك أعدت قراءة هذا المقتطف من جديد، وتوقفت عند الكلمات الاخيرة منه، لوجدت فيها الاجابة لهذا التساؤل، بل وما يزيد على ذلك من حيث جوهر ما نحن بسبيلنا إلى مناقشته هنا، ذلك ان هؤلاء العمالقة يمثلون، على نحو من الانحاء الاتجاهات الرئيسية التي شكلت الفلسفة في عصور الازهار الاسلامية. التأمل بعيني الظاهر نقطة البدء هنا أبومحمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، المتوفى عام 456 هجرية (1064 ميلادية)، وهو مفكر وفقيه ومؤرخ وشاعر من قرطبة، عاش في الايام الاخيرة من حياة الدولة الاموية في الاندلس وبداية حكم ملوك الطوائف. ومن دون اغراق في تفاصيل التصنيف المثيرة للجدل يمكننا القول إنه يمثل الحركة الفلسفية المعروفة بالاتجاه الظاهري، وهو ما يعني اقترابها من النصوص والظواهر والاعمال بحسب تجليها او معنى ظاهرها، في مفارقة لمعناها الباطن، ومن ثم فليس من المبالغة في شيء القول ان فكر ابن حزم كله يعتمد على هذه الحرفية التي تتخلل جمالياته بالاخلاق المستمدة من هذه الحرفية، أي من حرفية النص على وجه التحديد. ومفهوم الجمال في فكر ابن حزم ما كان يمكن الا ان يساير ما هو سائد في زمانه من ادماج هذا المفهوم في قيم متعددة، تتصدرها ـ بالطبع ـ القيمة الثيولوجية المتعلقة بالحب الالهي، والقيمة المتعلقة بحيوية المادة الخاصة بالتوق إلى الخير. هكذا فإن من الطبيعي ان نجد لمفهوم الجمال عند ابن حزم أبعاداً عديدة، منها ما هو روحي وما هو أخلاقي وما هو مادي. غير ان من الجلي ان هذا المفهوم تم تطويره بصفة اساسية في اطار الاتصال بنظرياته عن المحبة الانسانية من ناحية وعن السلوك الاخلاقي من ناحية اخرى. ولست اريد الاطالة في القاء الضوء على مفهوم الجمال عند ابن حزم، ذلك انه طور آراءه في عملين شهيرين متاحين اليوم للكافة لا في صورة كتب مطبوعة ومحققة فحسب، وانما في شكل نصوص متكاملة في مواقع عديدة على شبكة الانترنت وهما كتابه الشهير «طوق الحمامة» و«رسالة في مداوة النفوس». وغني عن البيان ان الكتاب الاول هو انطولوجيا للمحبة افرغت في حلة ادبية بديعة، بينما «الرسالة» عمل يدور بوضوح حول الاخلاق، والكتاب والرسالة معاً يضربان جذورهما بعمق في العالم الانساني المتعين، عالم الآن والهنا، بكل ثماره وايضاً بكل اشكالاته واوجاعه. غير انه يهمني الاشارة إلى انه بحسب رؤية ابن حزم فإنه في الاطار الانساني يمكن تحليل الجمال وتأمله وموضعته. ودعني احيلك على سبيل المثال إلى الفصلين الخامس والسادس من «رسالة في مداواة النفوس» فانك ستجد فيلسوف الجمال القرطبي الاندلسي وقد شمر عن ساعد الجد، ومضى يصنف ويرتب الخواص والسمات المنسوبة إلى الجمال القابل للادراك، مثل الحلاوة والدقة والقوام، فيفرغها في تراتبية ثلاثية مدهشة، لا يتردد في اطارها في القول: «الروعة هي بهاء الاعضاء الظاهرة، وهي ايضاً الفراهة واللطف». هذه السمات والخصائص للجميل التي يفصل ابن حزم القول فيها لم تأت صدفة ولا عفو الخاطر، وانما هي في حقيقة الامر تتطابق مع بنية موضوعية للجمال، تدرك بشكل واع، وتوضع في تجربة قوامها الحياة الواقعية. وبهذا المعنى فإنه يمكن القول إن هذا المفهوم الجمالي ليس بعيدا عن مذهب ارسطو الذي فصل فيه القول في كتابه «الخطابة». إلى هنا نكون قد قطعنا شوطاً فحسب في فهم الجميل عند ابن حزم، وتظل هناك اشواط يتعين علينا ان نقطعها قبل أن نقول إننا أحطنا علماً بجوهر مساهمته في الرؤية الجمالية الاسلامية. صحيح اننا رأينا ان ابن حزم يشدد على أنه في هذا العالم، في دنيا الناس هذه، يكمن مثال الجمال في العالم الانساني لا في العالم الطبيعي، والجميل يتجسد في الجسم الحي، بصفاته تلك التي اشرنا إلى بعضها، الا ان هذه الصفات على الرغم من جانبيتها التي لا موضع للمهارة فيها، الا انها لها قوة عابرة، وتخفي قدرة سلبية على افساد المنطق، بينما الجمال الحقيقي يضم خلاصة من الخصائص الاخلاقية والروحية والفكرية، إلى جوار الخصائص العضوية، تشكل نفسها في نوع من الكيان الكامل او ذلك الذي يميل إلى الكمال. ان محبة انسان وهب هذا الجمال الاصيل هي امر مشروع تماماً، بل ومرغوب ايضاً، ولكن بقدر ما تفرض هذه المحبة عاطفة يحكمها العقل ومباديء الاعتدال والشرف والتوازن والمثل الاخلاقية الاخرى. وجماليات المحبة هذه ينبغي ان تحقق شروطاً يشدد عليها ابن حزم في صدارتها معرفة وادراك الفارق بين الخطأ والصواب والايمان بالحق بقوة، والحق هنا هو الحقيقة التي يعلنها الله سبحانه وتعالى في محكم آيات القرآن الكريم. هكذا فإنه في صميم فكر ابن حزم ان المرء اذا اجتذب إلى الصور البديعة والوجوه الصبوحة فحسب، فإن الجمال الذي يتأمله قد يفضي إلى الفساد والخطيئة والفوضى، ذلك ان التكامل الاخلاقي والطافات المعرفية قد يسمح لنفسه بأن تهيمن عليه الرغبات الحسية التي من المحتم ان هذه الصور البديعة تثيرها. ومن منظور ابن حزم فإن القبح ـ كنقيض للجمال الحق ـ يتطابق مع انعدام الاخلاق وانفلات الغرائز والجهل بالحقيقة الدينية. في ضوء هذا كله، يمكننا ان نخلص إلى ان مفهوم الجمال عند ابن حزم يقوم على اساس الاخلاق التي لا انفصام بينها وبين اوامر الحق جلت قدرته ونواهيه، وكذلك على اولوية العقل على العاطفة والخيال. غير ان هذا المفهوم الذي يربط بصورة وثيقة بين الجمال والوجود الارضي له طابع انساني، خاصة وان تحفيز لقاء المحبين يفهم على انه الهدف الجمالي الممكن من خلاله اللطف الآلهي، ذلك ان كل محبة انما هي من الله، كما هو سائد في الفكر الجمالي الاسلامي. ومن الجلي ان الاستمتاع المشروع بالجميل، الذي يتم في هذه الاوضاع المحددة على نحو دقيق ومن خلال الادراك الغريزي، يمكن ان يميل لاحقاً، بالنسبة لمن ينحون هذا المنحى ذهنيا وروحيا، إلى الادراك الداخلي للجمال المطلق، اي الجمال الالهي، ولكن هذا لا يمكن ان يحدث الا بالمفاهيم المجردة تماماً، فلا يسهل استيعابها، ولا يمكن مقارنتها مع المفاهيم الاخلاقية المرتبطة بالوجود الانساني. هذه الافكار في مجملها تشكل المحور الرئيسي الذي يدور حوله مفهوم الجمال في فلسفة ابن حزم الظاهرية. ولكن إلى أين سنمضي وأين سنجد انفسنا اذا انتقلنا إلى تيار آخر غير تيار الظاهريين؟ جمال مختلف خلافاً لهذا التيار الظاهري، الذي رأينا ملامح منه في مفهوم الجمال عند ابن حزم، سنجد تياراً آخر ينظر إلى الجمال بطريقة مختلفة اشد الاختلاف، وهو تيار يضم اسماء لامعة في سماء الفكر الاسلامي في مقدمتها ابن سينا والفارابي في شرق العالم الاسلامي وابن باجة وابن طفيل في الاندلس. وفي ضوء الجماليات الميتافيزيقية عند الافلاطونيين المحدثين، فإن قيمة الجميل التي دافع عنها هؤلاء المفكرون لا سبيل إلى ادراكها الا في ضوء روحي، يبين لنا من خلال التأمل عبر آفاق الحكمة الاسلامية والتفسير الفيضي للكون المستخلص من الفلسفة اليونانية. فدعنا نتخذ ابن سينا مرآة نرى في صقالها جوانب منذ هذه الرؤية المختلفة للجمال. فمفكرنا هنا هو ابو علي الحسين بن عبدالله بن سينا، وقد ولد في قرية خرميثن من ضياع بخاري في صفر عام 370 هجرية (اغسطس، سبتمبر 980 ميلادية) وقد كانت حياته مرآة لعصره بما حفلت به من مفارقات واضطرابات، نجم معظمها من التحاقه بخدمة الملوك وتوليه منصب الوزارة وتقلبه خفضاً ورفعاً فيما يتقلب فيه اهل السلطة من تصاريف القدر. وقد اطلعنا هو نفسه على جانب من تقلبات هذه الحياة في ترجمة ذاتية يبين منها عمق تمعنه في علوم عصره من طبيعيات والهيات وفلسفات، ويهمنا المامه قبل ان يكمل العشرين بمعارف شتى منها ما هو فقهي وما هو منقول عن التراث اليوناني، ونتابعه في انتقالاته المتتابعة إلى خراسان وجرجان والري وهمذان واتصاله بشمس الدولة وتقلده الوزارة ومن ثم ايداعه السجن وخروجه وعمله على موسوعته الهائلة «الشفاء» واتصاله بالامير علاء الدولة ابي جعفر ابن كاكويه والتحاقه بخدمته ووضعه لآلات فلكية لم يسبق احد اليها، وفي غمار حياة مضطربة تعاوده الاصابة بالقولنج فتودي بحياته وهو في الثالثة والخمسين من العمر. ويلفت نظرنا على الفور تقريباً ان مساهمة ابن سينا الجمالية تعكس جوانب من عمق انتاجه الفكري الهائل، وهذه المساهمة تأتي في اطار المشروع التفسيري الكبير للافلاطونيين المحدثين، حيث بدلاً من فصل المجال الدنيوي الأدنى عن المجال الالهي الاسمى على نحو ما سبق ان رأينا عند ابن حزم نجد ان الافلاطونيين المحدثين يضعون كلا المجالين في علاقة انعكاسية يهيمن عليها مبدأ الفيض. فالكون يفيض من العالم الالهي الاسمي، ومن ثم فهو انعكاس لذلك العالم يأخذ شكل مستوياته مختلفة. في اطار هذا النسق فإن مفهوم الجمال لا ينبعث الا من الحق سبحانه وتعالى، فهو الجمال الاحلي والسامي وكل خصائصه التي تدمر على انها منا القاصرة تتسم بروعتها وكمالها المطلق. وهذا المفهوم للجمال يتم ادراكه من خلال مفاهيم مثالية وروحية مرتبطة بالنور والضياء وكسمات فائقة. هكذا فإن الجمال اذ تحدد على هذا النحو انما يولد جمالية نورانية بكاملها، يمكن تعريفها بأنها جمالية الهية اصيلة، تحفز النشاط الروحي للانسان في غمار بحثه عن ادراك كمال الخالق جلت قدرته. غير بعيد عن هذه الرؤية الشاملة، يقدم لنا ابن سينا رؤيته للجمال، وبصفة خاصة في موضعين محددين من نتاجه الهائل، اولهما عمله الموسوعي «الشفاء» والثاني «النجاة» ويشكل في جوهر نوعاً من التخليص للاول. ولكن ما الذي نجده في غمار هذه الرؤية الجمالية التي يقترحها علينا ابن سينا بالضبط؟ الشفاء والنجاة من منظور ابن سينا يشكل الجمال مفهوماً متعدد القوى يدخل مجال العقل جوهراً فكرياً خالصاً، يسكن جميع انواع الموضوعات والاشياء والكائنات، مفهوماً جوهرياً يعبر عنه المفكر الاسلامي الكبير بايجاز وعمق معاً، بالاشارة إلى انه يتمثل جمال الاشياء كلها وبهاؤها في ان كل شيء يتعين ان يكون على نحو ما ينبغي ان يكون عليه. انطلاقاً من هذا التعريف العام والشامل يحدد ابن سينا الخطوط العامة لمفهوم الجمال بمحددات معينة للمعنى، يتصدرها تآلف الجميل والخير المحض، ومحددات اخرى تدخل مباديء كالتوازن والتناسق وكون الجميل موضع رغبة وسعي. هكذا لا يتردد صاحب «الشفاء» و«النجاة» في ان يؤكد لنا انه لا يمكن ان يوجد جمال او بهاء اكثر سموا من ذلك الذي يوجد حيث الماهية عقلية محضة وخيرية خالصة من اي نوع من النقص ووحيدة في كل مجالاتها. بهذه الطريقة فإن ابن سينا يضعنا امام نطاق بهي من السمات السامية التي من الجلي انه لا يحظى بها في اطلاقها الا الله سبحانه وتعالى، فهو اصل هذه السمات ونبعها، وهو يبث من فيضها في كل الاشياء والكائنات حسب مشيئته ورحمته. من مثل هذا المفهوم للجمال الالهي تنبع الرغبة الجارفة لدى المؤمن الحق في التأمل في سمو هذه الخصال او السمات من خلال سعي ممتد، ومثل هذا السعي يتضمن كلا من التفكير والحدس وفوق كل ذلك توق الروح إلى باديها. ومن خلال السير على درب هذا الاستبطان التأملي، يجرد الانسان نفسه من المادة الناقصة والمحدودة للوصول إلى ما يسميه ابن سينا بالجمالات الحقيقية. ولاشك في ان ما يقدمه ابن سينا يشكل منعطفاً مهماً على طريق بلورة النظرية الجمالية الاسلامية. لكن احد عناصر ثراء هذه النظرية يكمن ـ بحق ـ في تنوع ينابيعها وغزارة روافدها، فمن المحقق ان النظريات العقلانية التي يقدمها ذهن ابن رشد وابن الهيثم الوضعيين تبدو في تعارض تام مع هذه الرؤية للجمال الميتافيزيقي التي قدمها لنا ابن سينا. بتعبير آخر، فإنه يتعين علينا لنكمل رحلتنا مع العمالقة الخمسة في النظرية الجمالية الاسلامية ان ننتزع انفسنا من الكيان الفكري المطلق، حيث التقينا ابن سينا، لنتابع جهود ابن رشد وابن الهيثم في غمار اقامة كل منهما لصرح رؤيته التي تعنينا هنا، وذلك باعطاء الجمال تعينه المادي في انفتاح جلي على طرح ارسطو القائل ان الجمال ليس الا ما هو سار ومبهج للعين والاذن. ابن رشد يخرج من الرماد مفكرنا عند المنعطف الحالي من هذه المسيرة التي وصفناها بأنها رحلة داخل الرحلة هو ابوالوليد محمد بن أحمد بن رشد، الملقب بالحفيد تمييزاً له من ابيه وجده اللذين كانا قاضيين وفقيهين مشهورين، وقد ولد في قرطبة في عام 520 هجرية (1126 ميلادية) حيث استظهر «الموطأ» للامام مالك على ابيه، ودرس الفقه المالكي والحديث وعلم الكلام والطب. وعلى الرغم من ان الفلسفة هي مجال انجازه الحضاري الكبير، الا انه كما يوضح لنا د. عبدالرحمن بدوي في «موسوعة الفلسفة» لسنا ندري على يد من درسها، فقد رحل ابن باجة عن دنيا الناس الفانية في فاس عام 533 هجرية بينما كان ابن رشد في الثالثة عشرة من عمره، وهو من ناحية اخرى لم يعرف ابن طفل الا في عام 595 هجرية، بعد ان علا العمر بهذا الاخير، وقد كان هو الذي قدم ابن رشد إلى السلطان الموحد أبي يعقوب يوسف، وقد ولي ابن رشد قضاء قرطبة ولم يتوقف عن السفر في دولة الموحدين فنجده في مراكش مرة، واخرى في اشبيلية وثالثة في قرطبة، ومحنة الرجل أشهر من أن يعرف بها، ولا تزال أسبابها حتى اليوم موضع نقاش. ويقدم د. بدوي ثبتاً بمؤلفاته يضم 23 عملاً ملأت الآفاق وشغلت الناس. وقد توفى يوم الخميس 9 صفر عام 595 هجرية (10 ديسمبر 1198 ميلادية). الحقيقة الاولى التي ينبغي ان تكون واضحة بالنسبة لنا هنا هي ان مفهوم الجمال كما يبلوره ابن رشد، وبصفة خاصة في كتابيه «شرح كتاب النفس» و«تفسير ما بعد الطبيعة»، لا يشكل نظرية اصيلة في الجمال، وهذا امر مفهوم، من اكثر من وجه. فمن وجه اول تعتمد فلسفة ابن رشد بكامله على تفسير ظاهراتي لاعمال ارسطو، ولهذا سنجد الاوروبيين على امتداد قرون طويلة يلقبونه باللقب الجليل الذي ارتبط باسمه من جامعة بادوا حتى جامعة باريس، وهو لقب «الشارع» او «المفسر» اعترافاً بفضله في اضاءة عالم المعلم الاول وايضاً تقديراً لدفاعه القوي عن الفلسفة ضد خصومها من خلال كتابه «تهاتف التهافت». ويعقب د. بدوي في هذا الصدد بالقول انه اذا كان ابن رشد لم يشيد مذهباً فلسفياً قائماً برأسه، فقد كان بهاتين المثابتين صاحب فضل على الفلسفة اكبر من كثير ممن تنسب اليهم مذاهب فلسفية مستقلة. ومن وجه آخر فإن الجميل، كما يصادفه عن ابن رشد، لا ينبغي ان يفهم سواء كقيمة او كطبيعة باعتباره كذلك، وانما يتعين ان يستدل عليه من تناول منهاجي تحليلي لواقع مدرك، ينظر اليه على انه كل متماسك ومنتظم، هو الطبيعة التي خلقها الله سبحانه وتعالى. والبشر يتمتعون بعدد من الخصائص الادراكية والمعرفية التي تجعلهم مختلفين عن غيرهم من خلق الله، وتسمح لهم بأن يقيموا صرح علاقة مع الحقيقة المعطاة والمنظمة بصورة كاملة التي يشكلها العالم المخلوق، الذي هو شاهد على جلال الحكمة الالهية، وهكذا فإنها علاقة متصلة بارتباط مبني على التأمل والفهم. اننا هنا بازاء رؤية وضعية للكون، هي في جوهرها رؤية مادية تقريباً، وفي اطار هذه الرؤية فإن الجميل ـ كما يشدد ابن رشد ـ لا يتطابق ولا يتوحد مع قيمة الكمال الفائقة، وانما مع مفهومي «الترتيب» و«النظام» الموضوعيين والقابلين للملاحظة. ومثل هذه النوعية من المفاهيم انما تحدد طريقة للتفكير الجمالي، تدعمها المباديء المنطقية المتعلقة بالسببية ونهائية القوانين الطبيعية، وبناء على هذا فإن الاشياء بشكل عام مدرجة في نظام ترتيبي للنبل من خلال مفاهيم النبل وليس الجمال، وهو مبدأ من الواضح انه يفترض ضمناً مفهوم النظام. هكذا فإن ابن رشد يذهب إلى القول ان الخاصية العضوية المتمثلة في اللون لها في العلم الاول (والمقصود به علم المبدأ الاول) وجود اكثر نبلاً من كل الوجودات الاخرى. وادراك الجمال الذي يحدثنا عنه ابن رشد، هذه النوعية من الجمال /النبل/ النظام، انما يتم ويحدث في اطار العلاقة المعرفية للفرد بالعالم، ويسري بالضرورة من خلال الادراك المحسوس، اي المستوعب بالعقل او الحس، وهو الشرط الاولى للمعرفة. هكذا فإن كل شيء له ماهية محددة، نطاق من الصفات، الموضوعية تدركها الحواس، وتتعرف عليها باعتبارها كذلك. غير ان هذا ينطبق في حالة الظروف العادية، حيث يتحرر الادراك من العناصر التي تجعله يضطرب، مثل المرض او تغير المزاج يحول دون فهم صحيح لهذه الخواص والماهيات والتقويم الصحيح لها. وبناء على هذا فإن مثل هذا الفهم للجميل المستوعب مع نظام موضوعي للكون يبدو اقرب إلى ظاهرة معرفية منطقية داخل النطاق المركب للفهم الانساني منه إلى تجربة جمالية اصيلة. الطبيعة والفن على الرغم من الملاحظة التي اشرنا اليها حالاً، الا ان ابن رشد يفاجئنا بلمحات لا نملك الا التوقف عندها طويلاً وتأملها، وبصفة خاصة في الكتاب الذي سبقت لنا الاشارة اليه، وهو كتاب «شرح كتاب النفس». من هذه اللمحات اننا نلاحظ ان ابن رشد يشير في فصل بعنوان «تلخيص كتاب الحس والمحسوس» من «شرح كتاب النفس» ـ يشير إلى ان الفن الذي يعبر عنه بالاصطلاح المألوف لدى كتاب عصره من العرب وهو «الصناعة» هو اكثر محدودية من الطبيعة، من حيث ان الفن يولد، في اطار كميات الالوان التي توجد في النطق (اللوجوس) الباطن ما يستطيع النطق الخارج انتاجه فحسب. وفي غضون ذلك فإن الطبيعة تنتج كل ما هو موجود في النطق الباطن الروحاني، وذلك هو السر في ان الطبيعة اشرف من الفن (او الصناعة كما يعبر ابن رشد) وان شرف الفنان يتوقف على درجة الجودة التي يقلد بها الطبيعة في حدود الامكان. ويلفت نظرنا، على الفور تقريباً، في هذه الاشارة غياب معيار حقيقي للجمال يعتمد ابن رشد للحكم على الاعمال الفنية، معيار يحل محل القيمة التراتبية للنبل، بحسب الرؤية العقلانية للاشياء النابعة من النظام الانطولوجي الذي تصوره ابن رشد. اياً كان الامر فإن رحلتنا مع العمالقة الخمسة الكبار في الفكر الجمالي الاسلامي لم تكتمل بعد، فمازلنا على موعد مع ابن الهيثم. غير اننا اذا كنا قد تحدثنا عن النور، فإن ذلك يدعونا إلى ان نعود لنمعن النظر في جوهره. ولم لا؟ ألا يعلمنا ابن عربي ان: «النور كل وارد الهي يطرد الكون عن القلب»؟ السنا نعلم جميعاً ان: «النور اسم من اسماء الله تعالى»؟ أليس يعلمنا الكاشي ان: «النور هو تجلي الله تعالى باسمه الظاهر أي الوجود الظاهر في صور الاكوان كلها». تأليف: كامل يوسف حسين