الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 ربما يكون الغراب أشهر الطيور وأكثرها ذكرا في أشعار العرب وأعتقد أنه لا يمكن أبدا أن نجد شاعرا عربيا سواء كان من العصر القديم أو الحديث لم يتطرق الى ذكر الغراب في قصائده .. ولا تكمن شهرته في كونه طائرا محبوبا بل العكس تماما هو الصحيح فالاشارة اليه تأتي دائما من باب الشؤم وربطه بالفراق وغياب المحبوب. والغراب عند العرب من شرار الطير حيث يصفونه بقبيح الشمائل ولا يعتبرونه من الطيور المحمودة وهو طائر يتنكد به ويتطير منه لأنه آكل الجيف رديء الصيدكريه الصوت .. ولعل غراب البين أشهر نوع من الغربان ورد ذكره في الأشعار وهو الغراب الصغير ولكن العرب أطلقوا هذا الأسم على كل غراب وذلك لسقوطها في مواضع منازلهم اذا بانوا عنهاكما اشتقوا عن اسم الغراب الغربة والأغتراب والغريب .. وفي ذلك قال الشاعر: دعا صرد يوما على غصن شوحط وصاح بذات البين فيها غرابها فقلت أتصريد وشحط وغربة فهذا لعمري نأيها واغترابها والغراب هو أكثر من جميع ما تطير به العرب في باب الشؤم وكلما ذكروا الشؤم والتطير ذكروا الغراب معه .. وفي ذلك قال عنترة بن شداد: ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببينهم الغراب الأبقع حرق الجناح كأن لحي رأسه جلمان بالأخبار هش مولع فزجرته الا يفرخ بيضه أبدا ويصبح خائفا يتفجع ان الذين نعبت لي بفراقهم هم أسهروا ليلي التمام فأوجعوا ولم تشفع للغراب طول المسافة الزمنية منذ عهد عنترة الى يومنا هذا في تغيير فكرة الشعراء عنه ، فاستمروا في التشاؤم منه وربطه بالمآسي وفراق الأحبة ومازالوا يعتبرونه شرا من شرار الطيور .. وتجاهل الجميع أهم ميزة تدل على بعض الأخلاق الكريمة التي يتمتع بها هذا الطير وهي من أعجب العجاب فهو يأتي في الخريف فترى النخل وبعضها مصرومة وعلى كل نخله عدد كبير من الغربان وليس منها شيء يقرب نخلة واحدة من الذي لم يصرم ولو لم يبق عليها الا عذق واحد !! وليس العرب فقط هم من أعلنوا كراهيتهم لهذا الطائر فقد أعلنت شعوب أخرى الحرب عليه ، ومن أمثال ذلك ما تقوم به سنغافورة من حملة لمكافحة جيش من الغربان اجتاح المباني الشاهقة في معركة تذكر بفيلم الطيور للمخرج الشهير الفريد هيتشكوك. ويعيش داخل حدود المدينة الدولة نحو 98 ألف غراب ناعق تطعم على القمامةوتتكاثر بسرعة كبيره ، وخلص علماء الأحياء بعد دراسة استغرقت عامين أن الأمر قد يتطلب عقدا كاملا للتحكم في تكاثرها وقد لا يمكن أبدا التخلص منها تماما..وقال أحد العلماء بسنغافورة: اذا كنت تقيم في مبنى سكني يلجأ اليه ما بين ألفين وثلاثة آلاف غراب كل ليلة فان مشكلتك كبيرة فهذه الطيور تحدث ضجيجا هائلا! والغربان قد يتضاعف عددها كل عام ومعدل تكاثرها يقترب من الذباب ومن أجل ذلك أعترفت سنغافورة بعدم قدرتها على التخلص منها لكنها تسعى جاهدة الى تخفيض عددها الى 10 آلاف خلال عشر سنوات وسعت في اطار مكافحة الغربان لاطلاق النار عليها وتغطية جميع مستودعات القمامة للحد من تكاثرها على مر السنين .. وفي العاصمة الاستراليه بالرغم من الجو البديع الا أن الناس يرفعون المظلات ويرتدون القبعات والاطفال يغطون رؤوسهم بصناديق من الورق المقوى وهذا كله ليس وقاية من المطر ولكن اتقاء لأجنحة مرفرفة ومخالب مشهرة ومناقير مشرعة .. انها غربان تنقض فجأة على السكان خاصة في موسم تكاثرها حيث يواجه كل رجل وأمرأة وطفل احتمال التعرض لانقضاض مفاجيء لهذه الطيور التي تدافع بشراسة عن أعشاشها في الضواحي، وهدفها المفضل هو الانسان! وتثير الغربان الأسترالية رعب السكان لمدة ثمانية أسابيع في موسم التزاوج وفقس البيض ويتعامل حراس المتنزهات بجدية مع هذه الطيور الشرسة التي تسيطر على الجو وتثير الرعب كما تم وضع لافتات تحذير في أماكن تكاثر هذه الطيور ويتم توزيع ارشادات تشرح كيفية الوقاية من هجماتها الطريف أن الغربان لها ذاكرة قويةفهي قد تهاجم شخصا ضايقها أو يرتدي ثيابا تثيرها ألوانها أو اعتدى على أعشاشها. واذا كان الغراب قد اشتهر بصفاته السيئة الا أن ذلك لا يقلل من امتلاكه لقدرات هائلة خاصة عندما يتعلق الأمر بالمناورة والأدراك الحسي حيث يعد متطورا في هذه الناحية حتى على الأنسان فالغربان تتمتع بذكاء شديد أذهل العلماء ففي اختبارات أجريت على طيور الغربان وتم خلالها اخفاء بعض الأشياء وطلب منها العثور عليهاحققت نتائج لا يحققها عادة سوى الأنسان والقردة والكلاب .. كما أن هذه الطيور تمكنت من التعرف على صورتها في المرآة .. وفي تحد لاحساس الانسان بتفرده بالذكاء استطاعت أنثى غراب تسمى (بيتي) أن تعيد عدة مرات ثني سلك لتحوله الى خطاف ترفع به طعاما وضع داخل أنبوب في احد المختبرات ببريطانيا .. ونتاج هذه التجربة تؤكد قدرة الغراب الفائقة على فهم العلاقة بين الغاية والوسيلة واستنباط أداة من مادة غير طبيعية لاستخدامه بشكل صحيح .. ومنقار الغراب معول شديد النقر وهو يستطيع الوصول الى الكمأة المندفنة في الأرض بنقرة واحدة وهو أبصر بمواقع الكمأة من الانسان الذي يحتاج الى أن يرى ما فوقها من الارض فيه بعض الانتفاخ والانصداع بينما لا يحتاج الغراب الى هذا الدليل! واعترف العرب أيضا ببعض الصفات الجيدة فقالوا: أصح بدنا من غراب و أبصر من غراب و أصفى عينا من غراب.. وفي وصف صحة بدن الغراب قال أحد الشعراء مستغربا من صحة انسان آخر وطول عمره. ان معاذ بن مسلم رجل قد ضج من طول عمره الأبد قد شاب رأس الزمان واكتهل الدهر وأثواب عمره جدد قد أبحت دار آدم خربت وأنت فيها كأنك الوتد تسأل غربانها اذا حجلت كيف يكون الصداع والرمد ولكن هذا شأن الأنسان دائما يتذكر المساويء أكثر من المحاسن وبالتالي فان الغراب سيبقى في ذاكرته رمزا للشؤم والتطير مهما ثبت عن هذا الطائر ذكاؤه وحسن تصرفه!