الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه الذي رعاه بالمعوذتين، وبعد. سورة الناس من السور المكية وعدد آياتها سبع عند المكيين وست عند الباقين وقد عدت الحادية والعشرين من ترتيب نزول السور، نزلت عقب سورة الفلق وقبل سورة الاخلاص. وسميت السورة بالناس وجعل عنوانا لها لتكرره فيها خمس مرات، وسميت كذلك مع سورة الفلق بالمشقشقتين أو المقشقشتين وعنونت كذلك بالمعوذتين وذكرها البخاري بعنوان سورة قل أعوذ برب الفلق، ودل ارتباط اسمها عليها بالناس لان الانسان مطبوع على الشر وأكثر شره بالمكر والخداع، وانها للاستعاذة من الشر الباطن الوسواس الذي لا يكون إلا بما ينتهي، فيطابق الاسم المسمى حيث التعوذ من الجنة والناس، فيكون مقصودها الاعتصام بحفظ الحق تعالى والحذر والاحتراز من وسواس الشيطان ومن تعدي الجن والانسان. لهذا جعل التكرار لكلمة الناس خمس مرات لان مراد التكرار مراد عظيم في هذه السورة العظيمة وقيل في هذا التكرار انه كرر تبجيلا لهم على ما سبق، وقيل كرر لانفصال كل آية عن الاخرى بعد حرف العطف، وقيل المراد بالأول الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه، والثاني، الشبان ولفظ الملك يدل عليه، لأنه منبيء عنه. وبالثالث الشيوخ، ولفظ، (اله) المنبيء عن العبادة يدل عليه، وبالرابع الصالحون والأبرار ـ والشيطان مولع باغوائهم، والخامس المفسدون والاشرار، وعطفه على المعوذ منهم يدل عليه. فجاءت سورة الناس موضحة لمقاصد اسم السورة ومبينة لمعنى الربط بين العنوان والمضمون ومكملة لما سبق من سورة الفلق لان السورتين الفلق والناس كلتاهما تدعوان الى الاستعاذة لهذا نجد ان هاتين السورتين لهما معاملة خاصة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، وذلك لارتباط السورتين بنفس المضمون. ولما جاءت سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية وغيرها العامة للانسان وغيره وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الاكوان والازمان، ثم وقع التخصيص بشرور باعيانها من الفاسق والساحر والحاسد، فكانت الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجية التي ترجع الى ظلم الغير والمعايب الداخلية التي ترجع الى ظلم النفس، ولكنها في المصائب اظهر وختمت بالحسد فعلم انه أضر المصائب، وكان اصل ما بين الجن والانس من العداوة والحسد، فجاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص، وهو الوسواس وهو أخص من مطلق الحاسد، ويرجع الى المعايب الداخلية اللاحقة للنفوس البشرية التي اصلها كلها الوسوسة وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها وهي من الجن أمكن واضر والشر كله يرجع الى المصائب والمعايب. فقد تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذا به ومستعاذاً منه وامرا بايجاد ذلك، فالأمر: (قل) والاستعاذة (أعوذ) والمستعاذ به هو الله سبحانه وتعالى، لكن لما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحانه وتعالى، أليق بالحماية والاعانة والرعاية والخلق والتدبير والتربية والاصلاح المتضمن للقدرة التامة والرحمة الواسعة والاحسان الشامل والعلم الكامل، قال تعالى (برب الناس) أي اعتصم به، أي أسأله ان يكون عاصما لي من العدو ان يوقعني في المهالك، والرب من له ملك الرق وجلب الخيرات من السماء والارض وابقاؤها ودفع الشرور ورفعها والنقل من النقص الى الكمال، والتدبير العام العائد بالحفظ والتتميم على المربوب، وخص بالمزلزلين المضطربين في الابدان والاديان من الانس والجان لخصوص المستعاذ منه وهو الاضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها بخلاف ما في الفلق فانها المضار البدنية التي تعم الانسان وغيره. وعند بداية السورة نجد ذكر الرب ثم الملك ويرجع ذلك انه لما كان الرب والملك متقاربين في المفهوم، وكان الرب أقرب في المفهوم الى اللطف والتربية وكان الملك للقهر والاستيلاء واظهار العدل اللازم وكان الرب قد لا يكون ملكا فلا يكون كامل التصرف، اقتضت البلاغة تقديم الأول واتباعه الثاني فقال تعالى: «ملك الناس» اشارة الى انه له كمال التصرف ونفوذ القدرة وتمام السلطان واليه المفزع وهو المستعان والمستغاث والملجأ والمعاد. وعلى ما تقدم يتضح لنا عظمة هذه السورة وبركاتها وان الرسول صلى الله عليه وسلم داوم على قراءتها كما جاء في الصحيح عن عائشة رضى الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا أوى الى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل اعوذ برب الفلق، وقل اعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما اقبل من جسده. يفعل ذلك ثلاث مرات، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم انه قال اقرأوا بالمعوذات في دبر كل صلاة، وهناك الكثير من الاحاديث عن هذه السورة وفيها الشرح الكثير ولكن فيما ذكر الكفاية والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري