الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 العولمة.. عنوان رائج لعشرات الندوات ومئات المقالات والبحوث وهاجس نفسي وتقني وثقافي وسياسي واجتماعي وقبل ذلك ديني وعقيدى لدى قطاع كبير من المسلمين وغير المسلمين اليوم. ربما يكون ذلك من تجليات العولمة ذاتها ومظاهرها ولكنها فى الحقيقة ليست ظاهرة كلامية كما درجنا على التعامل معها وإنما هى آليات وصفقات وخطط تجرى بنفس السرعة التى فيها تتم انتقال المعلومات من المركز فى الغرب الى الهامش فى بقية العالم عبر الإنترنت. لا نريد أن يكون حديثنا من قبيل الثرثرة حول العولمة التى أصبحت وكأنها فرض عين على كل مثقف فى مجتمعاتنا، وإنما نعنى بتمحيص القضية لنتعرف على أبعادها وتأثيراتها.. فإذا كانت العولمة قدراً لابد منه وظاهرة تاريخية لا مفر منها، فكيف نتعامل معها بأقل قدر من الخسائر وأكبر قدر من المكاسب؟ وما حقيقة تأثيراتها على مجتمعاتنا العربية والإسلامية ثقافياً واجتماعياً واقتصاديا؟ وما الطريق الى التعامل الراشد معها؟ وما الفرق بين العولمة بمنطلقاتها الغربية وعالمية الإسلام؟ وما هى تجليات العولمة إلكترونيا وهل استفاد المسلمون من القدر المتاح من آلياتها؟ تساؤلات عديدة نطرحها ونحاول الإجابة عنها فى تناولنا لهذه القضية. ولكن بداية لابد من تحرير القضية بلغة أهل القانون. وذلك باستعراض مفهوم العولمة كما بدا للمفكرين والمثقفين ونقاط الاتفاق فيما بينهم. بداية نسجل ملاحظة أساسية وهي أن هناك تباين وربما غموض يكتنف هذا المفهوم بين غالبية الذين تناولوا هذه القضية، فيرى السيد ياسين مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية فى جريدة الأهرام القاهرية: إنّ صياغة تعريف دقيق للعولمة تبدو مسألة شاقة، نظراً الى تعدد تعريفاتها، والتى تتأثر أساساً بانحيازات الباحثين الأيديولوجية، واتجاهاتهم إزاء العولمة رفضاً أو قبولاً. وفى تعريفه للعولمة، يقول الدكتور محمد عابد الجابرى المفكر المغربى المعروف: العولمة هى (ما بعد الاستعمار) أو أن (ما بعد) هنا لا تعنى القطيعة مع الـ (ما قبل)، بل تعنى الاستمرار فيه بصورة جديدة كما نقول (ما بعد الحداثة). هى معنية بتنمية الفوارق وتعميم الفقر، لأن قاعدتها الاقتصادية تقوم على إنتاج أكثر ما يمكن من السلع والمصنوعات بأقل ما يمكن من العمال عملاً بمبدأ (كثير من الربح وقليل من المأجورين). وهى مرتبطة عضوياً مع وسائل الاتصال الحديثة انشر ثقافتها القائمة على (ثقافة الاختراق)، وهى ليست نظاماً اقتصادياً فقط، بل هى إيديولوجيا ونظام يقفز على الدولة والأمة والوطن. وفى السياق ذاته،يرى الطيب تيزينى العولمة بأنها: الإمبريالية فى مرحلة سقوط التعددية القطبية القائمة على التناقض على الأنماط الاقتصادية والاجتماعية وعصر المعلوماتية وما بعدها. أي فى عصر نواجه فيه تحولات جديدة فى أشكال الاستغلال والاغتراب الرأسماليين، وبروز السوق الكوني بوصفه التجسيد العلمي والشامل عالمياً للعولمة التى تبتلع كل الانتماءات والهويات والقيم ويراد لها أن تمر عبرها فى مواجهة آلية واحدة وحيدة تحدد نمط ما يجب أن يكون وما لا يكون بينما يعتبرها الكاتب والمفكر الإسلامي الدكتور محسن عبد الحميد أداة لهيمنة دول الشمال على دول الجنوب، وبخاصة الدول الإسلامية، وإنها توجه كل اهتمامها لمحاربة الإسلام ليس كعقيدة فقط، بل كدول واقتصاديات وقيم. ويرى الدكتور عبد العزيز التويجرى المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- أن العولمة مشروع حضاري غربي متكامل البنيات أوجده التلاقي بين التطلعات والحاجات الغربية من جانب، والإمكانات المادية الهائلة التى أوجدتها الطفرات الكبيرة فى تقنيات الاتصال والمعلومات والصناعات المتقدمة، من جانب آخر. وتتمثل أبعاد هذا المشروع الرئيسة فى اتجاه فكرى يدعو الى نشر الفلسفة الليبرالية الغربية لتكون أساساً للتصوّر الإنساني، وإلى تعميم النظام السياسي الغربي من الناحية الشكلية، وإلى فتح الأسواق البشرية وإدارتها وفق التنظيمات الرأسمالية الغربية وتحت سيطرة المنظمات التى يحكمها الغرب مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وإلى إغراق العالم بالمنتجات الغربية الإعلامية والمعلوماتية والترفيهية من خلال فرض سياسات الانفتاح ورفع الحواجز الجمركية، وإلى تعميم أنماط وعادات العيش الغربية فى العلاقات والمأكل والمشرب والملبس. و العولمة عند جمهور من الغربيين أنفسهم المهتمين بحقوقهم ومستقبلهم، هى عولمة للفقر والتفرقة، لذلك نجد فى الحركات الاجتماعية الغربية مقاومة عنيفة لسياسات العولمة خاصة اتفاقيات التجارة الدولية. فخطر العولمة على الناس، (خاصة على حياتهم الاقتصادية والاجتماعية)، يصيب الجميع فى الغرب أو فى الشرق وعلى درجات متفاوتة. لكن الرابح الأول من العولمة خاصة فى بداياتها هو رأس المال الذى لا يعرف وطناً أو حتى قيماً وأخلاقاً. فهي إذن عملية، مقصودة فى الغالب وموجهة بشكل عميق من قبل حركة اقتصاديات السوق والاتفاقيات الدولية المصاحبة لها. فهذا التحرك الاقتصادي تعمل على حمايته منظومة قانونية عالمية ملزمة لكافة دول العالم فتضع قيوداً جديدة، تسهم فى إعاقة تقدم الدول النامية، زيادة على ما تنعم به من قيود ذاتية وخارجية. هذا الرأي يسجله الباحث الإسلامي حمود عليمات ويوضح أن للعولمة مظاهر بارزة، وأخرى كامنة تعبر فى مجموعها عن تلك الظاهرة القديمة المتجددة، ومن أبرزها: تقريب المسافات الجغرافية وتسهيل الانتقال المادي للبشر والسلع وبتسهيلات متنوعة ومتعددة.وتسهيل وسائل الاتصال والتواصل الإليكترونية بين الناس بصورة متجددة ومتسارعة.،بروز ثقافة عالمية كإفراز لقوى العولمة ومظاهرها الكبرى. وهى موجهة بعدة عوامل من أبرزها:ظهور اللغة الإنجليزية كلغة عالمية.،إدماج معظم الشعوب والمجتمعات فى اقتصاد عالمي واحد، ذي أنماط استهلاكية متشابهة وتقسيم عالمي جديد للعمل.والتوجه العالمي نحو العلم والتكنولوجيا.والظهور التدريجي لنظام أخلاقي قيمي عالمي.وتجانس ومماثلة المجتمعات الإنسانية الذى ينتج من تبنى مفردات ومفاهيم ونتاجات العلم والثقافة الغربية ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الحرب الشاملة وإمكانية الدمار وعدم وجود منتصر مما يغلب الخوف ويدعم التوجه نحو العمل لسلام عالمي ونزع السلاح وتقليل مصادره. وباستعراض غالبية الآراء والمفاهيم التي طرحت بشأن العولمة نلاحظ أنها حتى في الجوانب التي يحسبها البعض إيجابية لا نجد فيها عدلا لا في قيم العولمة ولا في مظاهرها وتجلياتها، ولكن ما يهمنا في هذا الصدد هو موقع الفكر الإسلامي من تساؤلات العولمة ولأي مدى قدم مقاربات حقيقة من إشكالات هذه القضية وتداعياتها؟ أن باحثا إسلاميا يعيش في الغرب هو الدكتور إبراهيم أبو ربيع قدم لنا قراءة نقدية لإنتاج الفكر الإسلامي في هذا المجال انتهت الى ان هذا الفكر قد اخفق في الإجابة عن هذه التساؤلات،و نشر موقع إسلام اون لاين ترجمة لورقة بحثية هامة له، يرى فيها أنه بغض النظر عن الاتجاهات المعرفية المعقدة المستبطنة في الفكر الإسلامي المعاصر، فإن هذا الفكر لم يحقق كل إمكاناته الفكرية، لأنه أخفق في معالجة أكثر القضايا نقدية في زماننا؛ فأين النقد والفهم الإسلاميان للقومية الحديثة والديمقراطية والحداثة والدول القومية، بل وحتى للاستعمار والاستعمار الجديد؟ فباستثناء دراسات وانطباعات فردية قليلة، لم يقدم الفكر الإسلامي المعاصر منظوراً شاملاً -ناهيك عن أن يكون مقنعاً- للعديد من القضايا والمسائل التي تكتنف العالم الإسلامي المعاصر. وهذه الثغرة أكثر وضوحاً في مسألة الحداثة والعولمة. وينبه إلى ضرورة، التمييز بين الفكر الإسلامي من ناحية والفكر العربي أو الباكستاني من ناحية أخرى؛ فقد يعني المرء بالفكر العربي الحديث الإنتاج الفكري للمفكرين الدينيين والعلمانيين العرب في المائة عام الأخيرة، بعبارة أخرى، يجب عدم تسوية الفكر العربي بالفكر الإسلامي؛ لأن الفكر العربي يشمل كل نزعات واتجاهات وأنماط الفكر التي تعكس الأسئلة والقضايا المحيرة التي تشغل الفكر العربي الحديث، ومن ناحية أخرى، فإن للفكر الإسلامي مركزًا إلهيا، وإطارًا فكريا مرجعيا،يحدده الوضع المحوري للقرآن الكريم في الحياة والفكر الإسلاميين. هذا التحليل والنقد لأداء الفكر الإسلامي المعاصر وإن كان ينطوي على الكثير من الصراحة ويصدق على الكثير من الرؤى المطروحة على الساحة اليوم، فإنه من الصعب أن نقبل هذا الفصل التعسفي بين الفكر العربي والفكر الإسلامي، ومن ثم قد تكون لمعالجة هذه القضية أوجه وتساؤلات أخرى، ربما في مقدمتها التساؤل الأكثر تكراراً في مجال التناول العربي والإسلامي لهذه القضية، وهو ما الفرق بين العولمة بمظاهرها وتجلياتها التى أشرنا إليها وبين عالمية الإسلام؟ وهذا موضوع لحديث آخر. د. محمد يونس