الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 قال الله تعالى: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون» البقرة 186. سبب النزول: أخرج ابن جرير وابن ابي حاتم وابن مردويه من طرق عن جرير بن عبدالحميد بن عبيدة السجستاني عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن جيدة عن ابيه عن جده قال: جاء اعرابي الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فسكت عنه فأنزل الله. «واذا سألك عبادي عني فإني قريب...» وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجزوا عن الدعاء فإن الله أنزل علي «ادعوني أستجب لكم» فقال رجل: يا رسول الله ربنا يسمع الدعاء أم كيف ذلك؟ فأنزل الله «واذا سألك عبادي عني...» الآية. كرم الله تعالى هذا الانسان منذ خلقه، حيث خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وجعله خليفته في ارضه فكلما ترقى الانسان بروحه ازداد قربا من الله تعالى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» والصوم من اعظم وسائل تهذيب النفس وترقيتها بما يغرسه فيها من خوف لله ومراقبته في السر والعلانية فيبتعد عن كل ما حرمه الله وهذا المعنى اشارت اليه آيات الصيام، عندما حددت الغاية منه وهي التقوى «لعلكم تتقون» فالتقوى هي ثمرة الصوم التي تجعل الانسان وقافا عند حدود الله يقيم الفرائض ويجتنب النواهي ويكثر من النوافل وعندها يزداد قربا من الله تعالى. كما ذكر في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها، وان سألني لأعطينه وإن استعاذني لاعيذنه». ان الصوم يثمر التقوى والتقوى تثمر ربانية عند صاحبها فإذا حصل التقوى اصبح في رعاية الله وفي كفالته سبحانه. ومن كان في رعاية الله وكفالته كفاه الله كل حاجاته «رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره». ومن العلامات البارزة في آيات الصوم ان ذكر الدعاء قد تخللها لافتا الى موقع الدعاء خاصة في رمضان اثناء الصيام فنفوس الصائمين طاهرة زكية قريبة من الله جديرة بهذا القرب جديرة بالاستجابة «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...» فقد اضاف الله تعالى عباده اليه وفي ذلك تكريم لهم ووعد الله تعالى عباده بالاستجابة وبين انه قريب منهم وهذا ما يجعل المؤمن في أنس مع الله يزداد قربا ويزداد ودا. وعندها يتحقق الرشاد. ان هذه الآية تكسب في نفس المؤمن النداوة والود والرضا والثقة واليقين، حيث يعيش المؤمن في عناية الله تعالى. فيشعر بالأمن وانه في ملاذ مكين، والصائم اقرب الناس استجابة لدعائه فقد روى ابو داود بسنده عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: للصائم عند افطاره دعوة مستجابة فكان ابن عمر اذا افطر دعا اهله وولده ودعا». وروى ابن ماجه بسنده عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ انه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ان للصائم عند فطره دعوة ما ترد». وأخرج الامام احمد في مسنده عن ابي هريرة رضي الله عنه انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لا ترد دعوتهم الامام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء ويقول: بعزتي لانصرنك ولو بعد حين». فدعاء الصائم مستجاب عند الله، لذلك حثت الآية الكريمة على الدعاء بسؤال الله تعالى كما حثت على تحصيل اسباب قبوله فقال تعالى: «فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون» لقد وجهت الآية الكريمة المؤمنين الى الاستجابة لله تعالى والايمان به وبينت ان هاتين الركيزتين تقودان الى الرشد والهداية والصلاح وهذا امر منطقي لان تطبيق منهج الله الخالق هو وضع للأمور في مواضعها الصحيحة وهذا هو الرشد. وبذلك يتقرر ان هذا المنهج هو الوحيد الراشد القاصد الذي يقود البشرية الى الصلاح والرشاد وغيره من المناهج الارضية لا تحقق رشدا ولا تلبي حاجات الانسان الكثيرة التي لا تتحقق سعادته الا من خلالها. ومن هنا نعرف السر في ذكر الدعاء في سياق آيات الصيام. د. أبو بكر علي الصديق