الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 كانت ولا تزال قضية الحرية الدينية وحرية الاعتقاد مشكلة تثار بين الحين والاخر للطعن في الإسلام والنيل منه لاسيما بين المثقفين الغربيين الذين ينظرون الى الاسلام بعيون ناقدة و متحاملة علاوة على المواطنين الذين يقعون في دائرة تأثير المستشرقين واطلعوا على جوهر الفكر الغربي الرافض للاسلام كدين ولا يعترف به كدين سماوي من حيث الاصل.. هذا كله في الوقت الذي يغفلون فيه ويتجاهلون عن عمد المساحة الكبيرة التي يكفلها الإسلام لاصحاب العقائد واتباع الاديان الاخرى في ظل المجتمع الاسلامي وتعاليم الإسلام التي تصون حقوق هؤلاء وأحوالهم الشخصية سواء كانوا يهودا او نصارى الى جانب العديد من التفاصيل التي تناولناها مع علماء ومفكري الإسلام في الرد على هذه الشبهات ودحض هذه الاتهامات الباطلة ضد الإسلام في ضوء القاعدة القرانية: (لكم دينكم ولي دين) .. في هذا التحقيق... الدكتور محمد ابراهيم استاذ دراسات الاستشراق بجامعة الازهر يوضح ان الإسلام كفل للانسان حرية الاعتقاد وجاء ذلك فى وضوح تام فى القران الكريم حيث قال تعالى (لا اكراه فى الدين) ومن هنا فلا يجوز ارغام احد على ترك دينه واعتناق دين اخر. فحرية الانسان فى اختيار دينه هى اساس الاعتقاد ومن هنا كان تأكيد القرآن على ذلك تاكيدا لا يقبل التاويل فى قولة تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وهكذا كان اقرار الحرية الدينية يعنى الاعتراف بالتعددية الدينية. وقد اكد ذلك النبي عليه السلام فى اول دستور فى المدينة حينما اعترف باليهود بينهم فى المدينة يشكلون مع المسلمين امة واحدة. ومن منطلق الحرية الدينية التى يضمنها الإسلام كان اعطاء الخليفة الثانى عمر بن الخطاب للمسيحيين من سكان القدس الامان ـ على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم لا يضار احد منهم بسبب دينه، ولقد كفل الإسلام ايضا حرية المناقشات الدينية على اساس موضوعي بعيدا عن المهاترات او السخرية من الاخرين وفى ذلك يقرر القران في قوله تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) طبيعة الحوار وعلى اساس هذه المباديء السمحة ينبغي ان يكون الحوار بين المسلمين وغير المسلمين ، وقد وجه القران هذه الدعوة الى الحوار الى اهل الكتاب فقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله..). واضاف انه في حالة اذا لم يصل الحوار الى نتيجة فلكل دينه الذى يقتنع به وهذا ما عبرت عنه الايه الاخيرة من سورة الكافرون اذ قال تعالى (لكم دينكم ولي دين) والاقتناع هو اساس الاعتقاد ، والعقيدة الحقيقية هى التى تقوم على الاقناع واليقين وليس على مجرد التقليد او الارغام ، وكل فرد حر فى ان يعتقد فيما يشاء. وان يتبنى لنفسه من الافكار ما يريد حتى لو كان ما يعتقده افكارا الحادية..!! فلا يستطيع احد ان يمنعه من ذلك طالما انه يحتفظ بهذه الافكار لنفسه ولا يؤذى بها احدا من الناس.. اما اذا حاول نشر هذه الافكار التى تتناقض مع معتقدات الناس وتتعارض مع قيمهم التى يدينون لها بالولاء فانه بذلك يكون قد اعتدى على النظام العام للدولة باثارة الفتنة والشكوك فى نفوس الناس واى انسان يعتدي على النظام العام للدولة فى اى امة من الامم يتعرض للعقاب. وقد وصل الأمر فى ذلك الى حد تهمة الخيانة العظمى التى تعاقب عليها معظم الدول بالقتل. فقتل المرتد فى الشريعة الاسلامية ليس لانه ارتد فقط بل لاثارته الفتنة والبلبلة وتعكير النظام العام فى الدولة الاسلامية... اما اذا ارتد بينه وبين نفسه دون ان ينشر ذلك بين الناس ويثير الشكوك فى نفوسهم فلا يستطيع احد ان يتعرض له بسوء والله وحده هو المطلع على ما تخفى الصدور. واشار الى ان بعض العلماء المحدثين قد ذهبوا الى ان عقاب المرتد ليس فى الدنيا وانما فى الاخرة وان ما حدث من قتل للمرتدين فى الإسلام بناء على بعض الاحاديث النبوية فانه لم يكن بسبب الارتداد وحده انما بسبب محاربة هؤلاء المرتدين للاسلام والمسلمين. ووصفت الدكتورة عفاف زيدان عميدة كلية الدراسات الانسانية السابقة بجامعة الازهر فرع البنات هذه الشبهة بان الإسلام يمنع حرية الاعتقاد بانها دعوة اشد كذبا وافتراء تجافي الواقع ونصوص القران مؤكدة ان الاسلام دين واضح المبدأ والمنهج فمبدا الإسلام قول الحق فى قرانه: (لااكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي) وقوله لحبيبه صلى الله عليه وسلم: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) اما منهجه فيتلخص فى الايه الكريمة (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وهنا فقط نقف على ان مهمة الرسول دعوة الناس الى طريق الخير والفلاح والصلاح والاصلاح ونشر الفضيلة بين الناس وتحذيرهم من كل مايردهم موارد الهلاك. ليكونوا على بينة من امرهم « ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حى عن بينة » فهل يصدق احد ان هذا اعتداء على حرية العقيدة ؟ ! وشبهت د. عفاف هذه الدعوى من المغرضين بانها اشبه ما يكون بعلامات المرور التى توضع على الطريق توضح للسائرين المنحنيات والمزالق واماكن العطب حتى يتجنبوها... فهل يعتبر ذلك تعديا على حرية السائرين فى هذا الطريق ؟!.. ام ان هذه المعالم وضعها لم يقصد بها وصول السائرين الى هدفهم فى امان وسلام ؟! وهكذا هو الإسلام. ومن جانبه يفند الشيخ جمال قطب الداعية الاسلامي بالازهر الشريف وعضو مجلس الشعب السابق هذه الدعوى مؤكدا ان الإسلام هو الدين الاول على وجه الارض الذي قال الله في دستوره الخالد:(لكم دينكم ولي دين) ليقر للبشرية اول دستور للتعايش المشترك لاتباع العقائد المختلفة والاديان المتعددة واعترف كذلك بمبدأ الاخوة الانسانية وتعدد الاديان على عكس ما نراه في الغرب اليوم حيث يرفضون في معظم الدول الغربية الاعتراف بالدين الاسلامي كدين سماوي فضلا عن الاعتراف بحقوق المسلمين في ممارسة شعائرهم ببناء المساجد او ارتداء الحجاب او التقاضي فيما يخصهم في الاحوال الشخصية بما يامر به الشريعة الاسلامية !! ... بل اننا نجد الدنيا تقوم ولا تقعد من اجل ارتداء فتاة ايشارب تغطي به رأسها!! ويضيف الشيخ جمال قطب هناك فرق بين حرية الاعتقاد ، وحرية التعبير ، وحرية العمل وحرية الايذاء وحرية الشتم... فالانسان مثلا يقول ويفعل مايشاء ولكن تقف مشيئته عندما تبدأ حرية غيره وحقوقه... مشيرا الى انه على المستوى الشخصي قد اقتنع بان كمال الانسانية وارتقاءها منوطان بوفرة الحريات الصحيحية واستطاعة كل انسان ان يتمتع بها دون مشاكسة او تناقض. واوضح ان حرية المرء هي الوجه الاخر لعبودية الله وحده فالمؤمن حقا رجل تختفي من حياته رهبة الطواغيت المستبدين يقول ويعمل غير مكترث الا برضا الله وحده. كما ان حرية الفكر هى المهاد الاول والاوحد لمعرفة الله واستكشاف عظمته وتقرير حقوقه وادراك هداياته. ولقد ظفر اسلافنا بانصبه كبيرة من تلك الحرية الغالية التي كانت وراء تفوقهم الحضاري وسيادتهم العالم زمانا طويلا. ويرى الشيخ قطب ان هذه الحرية التى اتاحها الإسلام للجمهور قد خرجت على نفسها فتحولت الى فوضى خلقية فى بعض الميادين فليس من حرية الفكر ان ينشد ابو نواس خمرياته ويفرض شذوذه على الادب العربي. وليس من حرية الفكر ان ينشغل العقل الاسلامي بالبحث فى ذات الله متأثرا بالفلسفة الاغريقية. ويترك البحث فى المادة وخصائصها. واعتقد ان الجانب الطبي فى ثقافه ابن سينا المع من الجانب الفلسفي. وربط بين الحرية الفكرية وبين الحرية السياسية التى تغلب الحكم الفردي مما كان له اكبر الاثر على انكماش الحرية الفكرية فى مواضع تتطلب امتدادها وكادت تموت وتضمحل. ورغم هذا بقيت الحرية الدينية قويه وعاشت فى ظلالها طوائف اليهود والنصارى والباطنية دون حرج وما احسب دارا اخرى غير دار الإسلام يقع فيها هذا التسامح. وأشار الى ان فى الصدر الاول للاسلام استغل اليهود الحرية الفكرية المتاحة لهم لضرب الإسلام وصرف الناس عنه فقال تعالى موضحا موقفهم: (وقالت طائفة من اهل الكتاب آمنوا بالذى انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) فهل ترضي جماعة ان ينجح هو التلاعب بعقيدتها ودينها ؟!! ... او يقع هذا اللعب اذا كانت تحترم دينها ؟.. وقد نبه رسول الله صلى الله علية وسلم الى جلال هذا العمل عندما قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين)!! والكلمات الثلاث فيها من اعجاز النبوة ما يبهر ويسحر... وقديما رأينا عبادا غلاة.. يكرهون الحياة ، ويقررون عدم الزواج ، وصيام الابد ، وقيام الليل وهجر النوم... ثم رأينا كيف علمهم النبي الاعتدال وترك الغلو. القاهرة ـ مجاهد المليجي :