الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 يقول الحق سبحانه وتعالى: «وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون» [النمل: 17] الحشر هو جمع الناس من أماكن متفرقة، وسمي حشراً لأنك حين تجمع الناس من أماكن متفرقة فى مكان واحد سيضيق بهم المكان فيحشرون فيه حشراً. ومعنى قوله: ( يوزعون) أى يمنعون وفى الأثر: «إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن». أى أن السلطان يمكنه أن يمنع الفساد بسلطته وقوته أكثر مما يمنعه الدعاة بخطبهم ومواعظهم لأن أكثر الناس يخشون السلطان لأنه سريع ويستبطئون عذاب الله وعقابه فى الآخرة. ولذلك الأنبياء الملوك مثل داود وسليمان عليهما السلام لم يعارضهم أحد لأن معهم السلطان والقوة بجانب النبوة. إذن.. (يوزعون) هنا: أى يمنع من يذهب منهم للقاء سليمان، حتى يأتى الباقون ويحضر المتخلفون فلا يفوز أحد بلقائه دون غيره، وذلك حتى يحدث توازن بين الرعية كلها، ولذلك كان من صفاته «ص» أنه كان إذا جلس فى مجلس توزعت نظراته وعيناه على كل الجالسين، حتى لا يعلم أحد أنه ينظر لأحد أكثر منه فلا يتميز أحد على أحد. كما كان لا يقرب منه إلا أهل الفضل الذين يعلم أن تقريبه لهم لا يعطيهم بسط سلطة على الناس. قال القرطبى: قوله تعالى: (وحشر لسليمان) «حشر» جمع والحشر الجمع ومنه قوله عز وجل: «وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً» [الكهف: 47] واختلف الناس فى مقدار جند سليمان عليه السلام، فيقال: كان معسكره مئة فرسخ فى مئة: خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير. وقال ابن عطية: واختلف فى معسكره ومقدار جنده اختلافاً شديداً غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيماً ملأ الأرض، وانقادت له المعمورة كلها. (فهم يوزعون) معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويكفون. قال قتادة: كان لكل صنف وزعة فى رتبتهم ومواضعهم من الكرسى ومن الأرض إذ مشوا فيها. يقال: وزعته أوزعه وزعاً أى كففته. والوازع فى الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم. وقال وهو فى مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس قال: والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة. وقال الحسن أيضاً: لابد للناس من وازع، أى من سلطان يكفهم. وذكر ابن القاسم قال: حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: مايزع الإمام أكثر مما يزع القرآن أى من الناس. قال ابن القاسم: قلت لمالك: مايزع؟ قال: يكف. قال القاضى أبو بكر ابن العربى: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته. قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق، لا زيادة عليها، ولا نقصان معها، ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة تراجع بها، وقصروا عنها، وأتوا ما أتوا بغير نية، ولم يقصدوا وجه الله فى القضاء بها، فلم يرتدع الخلق بها، ولو حكموا بالعدل وأخلصوا النية، لاستقامت الأمور، وصلح الجمهور. . يقول علي ابن ابى طالب رضي الله عنه: كان رسول الله «ص» لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها. وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس ويأمر بذلك. يعطى كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه. من جالسه أو قاومه فى حاجة صبره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده فى الحق سواء. مجلسه مجلس حلم، وحياء وصبر وأمان لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبه فيه الحرم، ولاتنثى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى. فكلمة (يوزعون)[النمل]. أى يمنعون. فيمنع السابق أن يسبق حتى يأتى اللاحق، ليكونوا سواسية فى الدخول على سليمان عليه السلام وفى اية أخرى يقول سليمان عليه السلام: «رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت علي وعلى ولدى» [النمل: 19] فهنا معنى (رب أوزعنى) أى أقدرنى على شكر نعمتك، ولما كان أوزعنى معناها: امنعنى. فمعنى الآية: رب امنعنى. فمعنى الآية: رب امنعنى عن الغفلة عن نعمتك لأظل شاكراً لك.