الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 في جو الصيام الروحي الصافي لعباد الله الذين اخلصوا دينهم لله واشرقت قلوبهم بأنوار الله ففتح لهم منافذ استجابة الدعاء ووفقهم الى الوقوف ببابه جاء قوله تعالى (واذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداعي اذا دعان).. واضافة العباد هنا تشعر بأنهم صنف مخصوص من الناس قربوا من الله بعبادته فقرب منهم برضوانه عنهم واستجابة دعوتهم، وذلك لأن السنتهم بعدت عن فحش القول وقلوبهم طهرت عن الرذائل والحرام فكانوا اقرب ما يكونون الى الله سبحانه وتعالى. فكلما كان الدعاء نابعاً من قلب الداعي وافتقاره واتجاهه الى حول الله وقوته مع صدق الايمان به والتوكل عليه رب سميع بصير يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويفرج الكربات كانت الاستجابة محققة. فاصحاب الكهف كانوا فتية اتقياء انقياء قلوبهم اصفى من المرآة وايمانهم بربهم اقوى من كل تهديد واغراء. فما ان دعوا ربهم قائلين (ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من امرنا رشدا).. حتى استجاب لهم بقوله (فأووا الى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من امركم مرفقا). ونجد في القرآن الكريم دعوات الانبياء والصديقين والصالحين استجابها الله لهم لأنها نبعت من ايمانهم الحق بافتقارهم الى الله وحده، وبهذا الشعور تضرعوا الى ربهم باسلوب العبودية للمعبود القوي القادر فكانت الاستجابة وتحقيق الرجاء. فأبو البشر آدم عليه السلام وزوجه أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن قربها فأحسا بالمخالفة والبعد بها عن الله الذي اكرمهما فانبعث الدعاء الى الله من اعماقهما في صدق (قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).. فاستجاب الله وآواهما اليه.. (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى). وسيدنا نوح عليه السلام ـ ظل يدعو قومه الى الله ألف سنة الا خمسين عاماً فلم يزدهم دعاؤه الا استهزاء به وفراراً من دعوته (فدعا ربه اني مغلوب فانتر، ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيوناً فالتقى الماء على امر قد قدر وحملناه على ذات الواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر). وخليل الرحمن ابراهيم عليه السلام، حين ترك وحيده وامه هاجر في القفار بين الجبال من غير ماء وزاد فاتجه الى الذي يروى الظمآن ويطعم الجوعان في دعاء ضارع قائلاً: (ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون).. فاستجاب الله وفجر لاسماعيل بئر زمزم وعمر المكان.. كما دعا من قبل (رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم)، وصاحب المحراب زكريا عليه السلام، احس بافتقاره الى نعمة الذرية الصالحة عندما رأى السيدة مريم الصديقة في محرابها قانتة عابدة لربها، مع انه بلغ من الكبر عتياً وامرأته عجوز عقيم (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء).. فكان الجواب (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى).. الآية. وصاحب الحوت يونس بن متى لما التقمه الحوت نادى في الظلمات: (ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين). وأيوب اذ نادى ربه اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر). وكليم الله موسى عليه السلام بعد ان سقى للمرأتين في مدين آوى الى ظل شجرة (فقال رب اني لما انزلت الى من خير فقير فجاءته احداهما تمشي على استحياء قالت ان ابي يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا) فأطعمه الله وسقاه وزوجه ثم اصطفاه له كليماً ورسولاً. وروح الله وكلمته عيسى ابن مريم عليه السلام (واذ قال عيسى بن مريم اللهم ربنا انزل علينا مائدة من المساء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين، قال الله اني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني اعذبه عذاباً لا اعذبه احداً من العالمين). وسيد المرسلين ومسك الختام محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، دعا ربه في صباحه ومسائه في غدوه ورواحه، وعند النعمة وتغير الاحوال وعند نزول الامطار، وساحات القتال وملاقاة الاعداء، والاخذ والعطاء والبلاء، وكل ذلك مسطور في سنته الشريفة، لأن الدعاء في شريعته هو العبادة بل مخها كما اخبر صلى الله عليه وسلم بذلك. ومن ادعية الصالحين في مجالات الحياة ومواقعها ما حكاه الله عنهم بقوله تعالى: «ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار.. ربنا اننا سمعنا منادياً ينادي للايمان ان آمنوا بربكم فآمنا، ربما فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد فاستجاب لهم ربهم». وجند الله في الميدان لهم عند ملاقاة الاعداء دعاء ينبع من احساسهم بالاحتياج الى مدد الله بالقوة والتثبيت (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم الا ان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في امرنا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين). هذا هو الدعاء في شريعة الله يلقى به المؤمن نفسه في محراب الله الرؤوف الرحيم كلما منح نعمة يخشى ان تطغيه او شدة تقنطه، او عارضاً يزلزل كيانه جأر الى الله بالدعاء فوجد الله رؤوفاً رحيماً. وكان رسول الله اذا حزبه امر فزع الى الصلاة وهو صلى الله عليه وسلم صاحب الدعاء المجاب عندما تنكرت له الدنيا الكافرة من حوله في ليلة ايابه من الطائف فرفع اكف الضراعة الى الله قائلاً: «اللهم اليك اشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا ارحم الراحمين، انت رب المستضعفين وأنت ربي، الى من تكلني الى عدو يتجهمني ام الى غريب ملكته امري ان لم يكن بك غضب عليّ فلا ابالي غير ان عافيتك اوسع لي اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والآخرة ان يحل بي غضبك او ينزل عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك». فاستجاب الله له وساق له الجن في بطن نخلة فاستمعوا القرآن وآمنوا به واكرمه الله بمنحه الاسراء والمعراج، ورفع ذكره، واعلى قدره واتم له رسالته. وقد اخبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأن الصائمين بحق عندما ينبع دعاؤهم من احساسهم بالافتقار الى الله، والله منهم قريب يستجيب دعاءهم فيقول وهو الصادق المصدوق: «ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر، والامام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق السحاب» رواه الامام احمد والترمذي. ونختم ببعض قول الكرام: ساق الله اليك سعادة اهلاله، وعرفك بركة كماله. وقسم الله لك من فضله ووفقك لفرضه ونفله، وقابل الله تعالى بالقبول صيامك وبعظيم المثوبة قيامك، ولا اخلاك من بر مرفوع، ودعاء مسموع. واعطاك من ثوابه وبكرته ما يربو على عدد الصائمين والقائمين ووفقك لتحصيل اجر المجاهدين. انه سميع قريب مجيب الطائعين. احمد الريح أبو عاقلة