الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 قال الله عز وجل: «فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون»، الأعراف/176. الضمير في قوله تعالى «فمثله»، يرجع إلى عالم من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين اسمه «بلعم بن باعوراء» أوتي علم بعض كتب الله فانسلخ منها ـ من الآيات ـ بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره، نلحقه الشيطان وأدركه، وصار قريناً له، فصار من الضالين. وقد أخبر تعالى عنه بقوله «واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين»، الأعراف/175. ثم قال تعالى في حقه «لو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب...». أي: لو شئنا لعظمناه، ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات، ولكنه مال إلى الدنيا، ورغب فيها، وقيل: مال إلى السفالة متبعاً هواه، فمثله في ذلك كمثل الكلب. أي: فصفته التي هي مثل في الخسة، والضعة كصفة الكلب، أو: حاله العجيبة تلك كحال الكلب في أخس أحواله وأذلها، وهي حال دوام اللهث به، واتصاله، سواء حمل عليه، أم لم يحمل. أي: سواء شد عليه وهيج وطرد، أو ترك غير متعرض له. وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا اذا هيج منه وحرك، وإلا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعاً. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه، أو لم يحمل عليه». وقيل: معناه: إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث. هذا ما ذكره الزمخشري في تفسير هذا المثل. وكل من كانت هذه صفته فهذا مثله، وساء ذلك مثلاً. وقال الراغب الأصفهاني «شبهه بملازمته واتباعه، هواه وقلة مزايلته له بالكلب الذي لا يزايل اللهث على جميع الأحوال». وقال سيد قطب: «وفي الصورة تحقير وتقذير ـ وذلك غرض ديني لا شأن لنا به هنا ـ ولكنها من الوجهة الفنية صورة شاخصة، فيها الحركة الدائبة. وهي صورة معهودة، فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشد وأقوى. وهكذا يلتقي الغرض الديني بالغرض الفني، كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن». وقوله تعالى: «ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا» اشارة إلى ان هذا المثل الذي هو في غاية الخسة والدناءة هو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، وتركوا دينهم من اجل دنياهم، ورضوا بحطام الحياة الفاني عن النعيم الباقي، كما هو مثل لعلماء السوء الذين ضل سعيهم، وساء مصيرهم باتباعهم أهواءهم. فما أسوأ مصيرهم، وما أبشع حالهم حين صورهم القرآن بصورة الكلب اللاهث على كل حال، وهو تصوير بادى الروعة، ظاهر الإعجاز، إذ جمع بين طباعهم، وطبع الكلب في هذا التمثيل الموجز. محمد اسماعيل عتوك