الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 تصور انك تشاهد فيلم فيديو لمدة ساعتين، لكن بدون قصة او حبكة او حوار، مجرد ممثلين يظهرون على الشاشة، بالطبع لن تفهم شيئاً من هذا الفيلم. هذه هي المشكلة التي تواجه علم الاحياء حالياً. فقد استطاع العلماء حل طلاسم الخريطة الوراثية للانسان مما وفر للباحثين قائمة أو قوائم بآلاف المورثات تحمل ملايين الصفات وتدير عملية الحياة داخل الخلايا. غير ان الحوار أو النص الذي يوضح طريقة تفاعل هذه العناصر داخل الخلية وكيف تتصل وكيف تستجيب لبعضها البعض، في حالة الصحة والمرض، غير معروف، أو لم يكن معروفاً، تماماً، كما تشاهد الممثلين فقط في فيلم فيديو دون حوار بينهم. تتفاعل المورثات والبروتينات التي تنتجها داخل الخلية السليمة في تناغم تام لاداء الوظائف الحياتية الحيوية. وعندما تفقد المورثات الاتصال وتلتقط اشارات مشوشة يحدث المرض. وقد طور ريتشارد ديانج الاستاذ بمعهد وايتهيد للابحاث الاحيائية الطبية وديفيد جيفورد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وآخرون أول حوار «نص» شامل يصف كيف ينتج مورث الخميرة الحياة. لقد استطاع هؤلاء الباحثون تحديد كيفية التنسيق بين الممثلين الرئيسيين في الخلية، او عوامل الحوار داخل الخلية لادارة وظائف المورثات في الخلية الحية. يقول ريتشارديانج لقد فهمنا تنظيم المورثات بالنسبة لعدد قليل جداً منها لمواد تاريخ علم الاحياء، غير ان هذه التكنولوجيا الجديدة سوف تمكننا في السنوات المقبلة من الكشف عن عملية التنظيم بين المورثات الكاملة لأي كائن حي وبالتالي فهم الحوار او النص الموضح لعمليات الحياة الرئيسية. وقد يكون لذلك اثر هائل على صحة الانسان، فالصورة الكاملة اكبر كثيرا من المكشوفات منها حالياً، ومعرفة كيفية تعاون العناصر المختلفة في الخلية السليمة سوف يوفر لنا رؤية جديدة كاملة عن كل الامراض من اجل انتاج امصال وأدوية لعلاجها ومنع حدوثها. لقد كانت معرفة العلاقات المعقدة بين المورثات والبروتينات حتى الآن عملية طويلة ومجهدة تحتاج الى سنوات من التجارب الاحيائية الكيميائية والجزيئية والتقدم التكنولوجي في الاحياء والحاسوب يوفر وسيلة لتدوين هذه العلاقات بشكل دولي ويمكن الباحثين ان ينفذوا في اسابيع ما كان يحتاج لسنوات من قبل. ويقول جيفورد ان الحاجز الذي يجب ان نتغلب عليه هو كشف الحوارات بين المورثات وتدوينها في حوار مترابط، وقد طورنا وسائل حاسوبية سمحت لنا بكشف هذا الحوار ومراقبته على مدى فترة زمنية واختيار مدى الدقة فيه ايضا. ويقول جيمس اندرسون مدير البرامج في المعهد الوطني للعلوم الطبية العامة ان هذه الدراسة تمثل اسهاماً كبيراً وهاماً في فهم المباديء الاساسية لتنظيم الحياة وتوضح التعاون والتفاعل الذي يمكن ان يتم بين علماء الاحياء والحاسوب لحل مشكلة بحثية معينة، وقال اننا محظوظون لان هذا التعاون ازداد انتشاراً وان الحواجز الثقافية والمؤسساتية امام هذا التعاون بدأت تتهاوى. العوامل الحياتية تتحكم تحتوي الخريطة الوراثية على رمزين احدهما اكتشف وحلت طلاسمه خلال الخمسين عاماً الماضية، وهو المحور الرئيسي في علم الاحياء الذي ركز على المورثات المكونة من سلاسل من الحامض النووي وتحدد كيف تتكون البروتينيات، لكن السؤال ما هو الذي يحدد انواع وكميات مختلف البروتينيات التي تعطي شخصية معينة لنوع الخلية اي تكون خلية جلد أو دم، فالخريطة الوراثية تحدد ايضا السيناريو الذي ينسق انتاج هذه البروتينيات وبالتالي كيف تتطور الخلايا الحية وتستجيب للتغيرات في البيئة المحيطة. بروتينات خاصة هناك بروتينات خاصة تسمى عوامل الحياة تقرأ حوار الخلية وتقوم بوظيفة العناصر الرئيسية لتنسيق انتاج البروتينات اللازمة بما فيها العوامل الحياتية ذاتها، عن طريق الخضوع لمورثات معينة، هذه العملية تسمى تمثيل المورثات وهي الاساس في كل وظائف الخلايا، وهي عملية شديدة التعقيد حتى في ابسط الخلايا. استخدم يانج وزملاؤه اسلوباً جديداً يسمى التحليل الموضعي لكامل الخريطة الوراثية، لتحليل ارتباط العوامل الحياتية المعروفة في الخميرة. تقوم هذه الطريقة على تكنولوجيا تحليل سلاسل الحامض النووية الدقيقة التي تبين ترتيب اجزاء هذه السلاسل وتوفر للباحثين اطاراً للتحليل السريع لكيفية تفاعل البروتينيات مع الحاض النووي في الخريطة الوراثية بالكامل. فقدان الاتصال يؤدي للمرض واتضح من استخدام هذه الطريقة ان هناك شبكة كبيرة من التفاعلات بين البروتينات والمورثات، وهو سيناريو معقد يحدد ادوار كل العناصر الحياتية في حياة الخلية، وتم ربط كل عنصر حياتي بمجموعة من العوامل التي يتحكم فيها، وهي مورثات اضافية تشارك في نمو الخلية. والتمثيل الغذائي والاستجابة للبيئة المحيطة، وفي معظم الاوقات تتصل العناصر الحياتية المختلفة مع بعضها لتكون عاملاً معيناً في السيناريو وتربط بين وظائف معينة مثل النمو والتمثيل الغذائي. وفهم كيفية تنظيم العمليات الاحيائية على مستوى الخريطة الوراثية بالكامل سوف يساعد في اتباع الوسائل الدوائية المناسبة لاستهداف مرحلة معينة، مثلاً تحديد آلية التحكم التي تعرف بها الخلية متى تنقسم هو مفتاح معرفة الخلل خلال حدوث الامراض مثل السرطان حيث تنقسم الخلايا بدون تحكم او تنظيم. ويقول يانج ان الصناعة الدوائية تقوم على علاجات تطورت لاصلاح الخلل في البروتينيات التي نتجت بالخطأ والناتجة عن قطع حلقة التمثيل الغذائي. وسوف يتطور بعد جديد في الصناعات الدوائية ينتج عقاقير تستهدف اصلاح الانقطاع في الشبكة التنظيمية للخريطة الوراثية، فقد نستطيع علاج او تصحيح بعض الاخطاء حتى قبل ان ينتج البروتين الخاطيء.