الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات والصلاة والسلام على سيد الكائنات محمد صلى الله عليه وسلم.. وبعد: سورة الأنفال من السور المدنية وعدد آياتها سبع وسبعون آية وقد عدت التاسعة والثمانين في عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة آل عمران وقبل سورة الأحزاب وسورة الأنفال أخذت أهميتها في مقاصد أسماء السور حيث كانت لها علاقة بموضوع التشريعات ودلالاتها، حيث نزلت في سورة الأنفال الأحكام المتعلقة بقضايا الحروب مثل الغنائم والأسرى فدارت أحداث هذه السورة حول بيان أحكام الأنفال وهي الغنائم ومصارفها والأمر بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في أمر الغنائم وغيرها وأمر المسلمين باصلاح ذات بينهم وان ذلك من مقومات معنى الإيمان الكامل، لان سورة الأنفال جاءت ضمن السور التي حملت الأحكام التشريعية ودلالاتها وكان تسميتها بالأنفال أدل ما فيها لانها بينت قوة الدلالة في المعجزات التشريعية، لان هناك علاقة واضحة بين الاسم (الأنفال) والمضمون الذي تحدثت فيه عن أحكام الحروب والسلم، لان غنائم الحرب لم تكن معروفة أحكامها للمسلمين، فجاءت هذه السورة توضح للأمة هذه الأحكام، ولقد سميت السورة باسم الأنفال على حسب ما ورد في أول الآية (يسألونك عن الأنفال) فدلت السورة في مضمونها على قوة ارتباط أهدافها باسمها مما يظهر لنا دلالات الأسماء في المعجزات التشريعية إلى اشاراتها العظيمة في الاستفادة من أحكامها الظاهرة والاتعاظ باشاراتها اللطيفة في معالجة قضايا الأمة الإسلامية من خلال معرفة هذه الأحكام التي كان سبب نزولها ان الصحابة اختلفوا في موضوع الغنائم في غزوة بدر وطرحت أسئلة كثيرة من الصحابة فجاء الرد في هذه السورة العظيمة المباركة المسماة بـ (الأنفال) وهي الغنائم، لان الغنائم كانت محرمة على الأمم السابقة لهذا جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث «وأحلت الغنائم لي ولم تحل لأحد قبلي». وعلى هذه المضامين التي حملتها سورة الأنفال جاءت من ضمن السور التي عالجت المعجزات التشريعية ودلالاتها في تقويم المطالب الاجتماعية التي يسأل عنها لمعرفة الأمر فيها هل هي على ما سبق من الحرمة التي كانت قبل الإسلام أم الأمر مختلف. ولهذا السؤال المطروح من أهل بدر يصدر للمتأمل والناظر إلى ما عتب عليه صلى الله عليه وسلم في قبول الفداء من أسرى بدر، لكان أقرب إلى نفسه الكريمة وطبعه الرحيم، وخير ما يختاره من عرف برحمته بأهله وهداية قومه، وإنما نبه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية فهل في ذلك ذنبا يستوجب عند العقل هذا التأنيب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية وسنة العروج بالحبيب صلى الله عليه وسلم في معارج التعليم الربانية، التي نستشفها من سورة الأنفال التي جاءت معلمة لرسول الأمة ومجيبة على أسئلة الأمة ومحذرة للأمة من عدم أخذ أي فعل يستوجب العذاب سواء من معصية لله أو رسوله لان الأمر واحد كله لله ومن الله. ومن جهة أخرى نجد في التسمية لطيفة عظيمة واشارة خفية بعيدة وهي ان الانفال أي الغنائم من الأسباب القوية في حفز المقاتلين بجانب ما ينالهم من أجر وثواب وفق نياتهم وكانت سببا في ارزاق الجند الذين لم تهدأ حركة جهادهم وقتالهم في سبيل الله ولم تكن خزائن الدولة تتسع في ذلك الوقت لوضع الرواتب ومصروفات الجنود، فكان رزقهم يأتيهم من سيوفهم الماضية في سبيل الله. ولذلك انتشر الفتح شرقا وغربا بمؤنة يسيرة من الدولة فكانت الدولة الإسلامية تمد الجيوش بالرجال الاشداء ورزق هؤلاء يأتيهم من أعدائهم أنفالا وغنائم. فالأعداء هم وقود الحرب وهم زادها وعتادها وللمقاتلين نياتهم الحسنة في نصرة دين الله تعالى وقد استفاد المسلمون أموالا طائلة من هذه الأنفال وكانت معظم موارد بيت المال منها على أيام النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدون. ففي الأنفال اشارة لقوة المقاتلين واتقاء جذوة الجهاد واستمرار الفتح وغيره من وسائل الجهاد في سبيل الله ونصرة الدين، ولزيادة مفهوم الغنائم وحلها لابد من معرفة تاريخ هذه الغنائم عند الأمم السابقة. فقد كانت الأمم السابقة تحارب وإذا اغتنموا جمعوا غناءمهم في مكان واحد ثم ينزل الله النار فتحرق جميع الغنائم وذلك لبدئية الإنسان لانه لو أجيزت لهم الغنائم لتحاربوا لغير هدف وانما تكون الحرب من أجل الغنيمة، ولكن لما أصبح الإنسان في ظل الإسلام عاقلا كبير الهمة أمكن الاعتماد على عقله الحضاري المهذب، أحلت له الغنائم، ولكن ينبغي أن يكون حلها لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مع المحافظة على الصلاح والتقوى. وعلى ألا تسفك الدماء لأجل كسب مادي وإنما يقوم الجهاد لاعلاء كلمة الله ويكون تجهيزه من مال بيت المسلمين أو الطرق الأخرى على حسب الظروف وذلك حتى لا يصبح المال هو هدف الحروب وحتى لا تصبح هذه الحروب حرفة تجار السلاح كما هو حاصل في هذا الزمن عند تجار السلاح الذين يديرون الفتن بين الدول لأجل بيع السلاح وجلب المال. فالإسلام نزه أتباعه من هذا الأمر ووجههم بسورة الأنفال ووضع فيها الأحكام حتى تكون الأمة الإسلامية هي حامية للأديان الأخرى وقابضة على الأيدي الخبيثة وذلك لصلاح حال البشر وأما اليوم لما تغير حال الأمة تغير حال البشر وهذا الشاهد نشاهده كل يوم والله المستعان من هذا الحال ونسأل الله أن يغير حالنا إلى أحسن حال وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د. سيف الجابري