الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 حينما جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته الى ربه تكالب عليه اهل مكة لمحاولة اثنائه عن هذه الدعوة وهذا الدين الجديد، الذي تطيروا منه، فلما أبى عليهم اجابتهم الى سؤالهم تفننوا في ارهابه وارهاب من يؤمن به ويتبعه، فلما لم يأبه احد لهذه الضغوط، مارسوا الايذاء البدني والتعذيب الصارخ في محاولة لاعادة المسلمين الى دين قريش..! كان من بين من ناصب الاسلام العداء، بقوة شكيمته وقسوة ملامحه، عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزي بن رباح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر العدوي القرشي..! ولد رحمه الله ورضي عنه في السنة الثالثة عشرة بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفت فيه اخلاق نجدة ومروءة واستقامة، لا يعرف التلون والتقلب السياسي بمصطلحات هذه الايام وانما كان رجل موقف ومبدأ، فلما كان عدواً للاسلام والمسلمين، كان اشد الناس عداء، حتى قيل ان عداءه يعدل عداء قريش كلها، وحتى انه قرر قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه «نعيم بن عبدالله» من بني زهرة، فقال: اين تعمد يا عمر؟! فقال: اريد ان اقتل محمداً، قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمداً؟! قال فقال عمر: ما اراك الا قد صبوت وتركت دينك الذي انت عليه، قال: افلا ادلك على العجب يا عمر؟ ان ختنك ـ صهرك ـ واختك قد صبوا وتركا دينك الذي انت عليه. قال: فمشى عمر ذامراً حتى اتاهما وعندهما خباب بن الارث..! وقرع الباب فقيل: من هذا؟ قال: ابن الخطاب. وكان القوم جلوساً يقرأون القرآن في صحيفة معهم، فلما سمعوا صوته تبادروا واختفوا وتركوا او نسوا الصحيفة من ايديهم، فقامت المرأة ففتحت له، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت عندكم؟! قالا: لا شيء إنها نجوى وأحاديث.. قال لهما: سمعت أنكما صبأتما.. قال سعيد أرأيت ياعمر ان كان الحق في غير دينك؟! ولم يمهله عمر بل وثب عليه في عنفوان لجب، وأخذ بأسه يجره ويلويه، ثم ألقاه أرضا، وجلس فوق صدره.. وحين تقدمت اخته لتدافع عن بعلها اصابتها منه لطمة ادمت وجهها فصاحت به في حدة: «ياعدو الله، اتضربني على ايماني بالله الاحد؟ الا ما كنت فاعلاً فافعل، فإني اشهد ان لا إله إلا الله، وان محمداً رسول الله».! فقال: اعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأ، وكان قارئاً ـ فقالت اخته: انك رجس ولا يمسه الا المطهرون، فقم فاغتسل اوتوضأ. قال فقام عمر فتوضأ ثم اخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى قوله: «انني انا الله لا إله الا انا فاعبدني واقم الصلاة لذكري». فيقول عمر: «لا ينبغي لمن هذه آياته، ان يكون له شريك يعبد معه، دلوني على محمد»..!! وهكذا يتغير موقفه من النقيض الى النقيض، بعد ان ذهب إلى المسلمين في دار الارقم معلنا اسلامه، ثم يخرج المسلمون علانية في صفين على رأس احدهما عمر وعلى رأس الآخر حمزة بن عبدالمطلب، وكم كانت هذه العلانية شديدة الوقع على قريش، وما اصدق ماقيل: «كان اسلامه فتحا»..! ومنذ هذا اليوم وقد اقبل على الاسلام بكل حواسه، فصاغه الاسلام صوغاً رشيداً من جديد، جعل النبي صلى الله عليه وسلم، يقول فيه: «لقد كان فيمن قبلكم محدثون، فان يكن في هذه الامة احد فعمر بن الخطاب» أي انه ملهم ومؤيد من ربه، وكان صاحب توقيع في محيط الاسلام وعلى صفحة مجده، ثم يعجب الانسان لتبوؤ عمر بن الخطاب هذه المنزلة، التي بلغت به الذروة في دوحة الإسلام!! لقد كان لعمر بن الخطاب لمساته في كثير من وقائع التشريع، اذ اتى موافقاً لما رآه وتمناه، كرغبته في النداء للصلاة، ورغبته في اسرى قريش بعد غزوة بدر، ورغبته في الحجاب، ورغبته في تحريم الخمر، ورغبته في عدم الصلاة على المنافقين والاستغفار لهم، ورغبته في اتخاذ مقام ابراهيم مصلى، ومن اجل كل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»..! ولولا موقفه الحازم في سقيفة بني ساعدة، من مبايعته لابي بكر، الذي قتل به غول الفتنة في مهده، لانتهى امر الاسلام من على وجه البسيطة، ولكن ساقه الله لحماية الإسلام والحفاظ على معالمه، وكان مع الخليفة الأول ابى بكر رضى الله عنه وزيرا ومشيراً خالصاً مخلصاً..! فاذا آل اليه الامر كان صاحب المشهد المحمود، في سياسة الامة، على غير ما كان متوقعاً منه ان يكون، فقد نظم امور المسلمين، ومصر الامصار، ودون الدواوين، وانشأ نظام العسس، وعين القضاة، وكان اول من اتخذ بيتا للمال، وأول من فرض اعطيات للناس، وأول من الغى سهم المؤلفة قلوبهم، وأكد تمسكه واعتصامه بالشورى الاسلامية، وهو اول من القى الحصى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الناس اذا رفعوا رءوسهم من السجود نفضوا ايديهم فأمر عمر بالحصى فجيء به من وادي العقيق فبسط في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم..! وكان عدواً للفتنة وللغرور، ويسد مسالكها، ولذلك روي عنه قوله: لاعزلن خالد ابن الوليد، والمثنى مثنى بني شيبان، حتى يعلما ان الله انما كان ينصر عباده وليس اياهما كان ينصر..!! ولقد عرف عنه انه كان اكثر حفظاً لدين الناس وتقواهم من حفظه لدنياهم، فلقد ذكر انه استمع ليلة بامرأة تهتف بذكر رجل يدعى «نصر بن حجاج»، فأتى به، فوجده صاحب وجه ميلح وشعر حسن، فأمر بجز شعره، فظهرت جبهته فازداد حسنا، فأمر ان يقيم ـ يلبس عمامة ـ فزادته حسنا، فقال: لا والذي نفسي بيده، لا تجمعني ارض انت بها، فأمر له بما يصلحه وسيره إلى البصرة..! وروى عنه كذلك انه وجد احد الناس يحمل على يديه اصنافاً من الطعام فعلاه بالدرة، قائلاً: «اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها؟!». علي عيد