الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 عمل المرأة بالدعوة ظاهرة جديدة على ساحة العمل الإسلامى فى مصر فمنذ أقل من نصف قرن لم يكن مسموحا للمرأة الخروج من المنزل أو حتى الذهاب إلى تلقي التعليم فى المدارس والجامعات وبالتالى لم تكن المرأة تصلح للقيام بأى عمل أو وظيفة لأنها لم تكن مؤهلة أو لديها الخبرة الكافية لأداء المهام التى تتطلبها الوظائف المختلفة. ومع تغير هذه الأوضاع وانفتاح مجالات التعليم أمام المرأة وزيادة الوعى الدينى وتغير النظرة التقليدية للمرأة التى ترى ان صوتها عورة ووجهها عورة وما إلى ذلك بدأت المرأة تعمل فى الوظائف المختلفة لكن لم يكن من المتصور أن تعمل المرأة كداعية تلقى المحاضرات والدروس الدينية فى المساجد والنوادى وغيرها وتساهم فى زيادة الوعى الدينى لدى السيدات والفتيات. ورغم تزايد أعداد العاملات فى مجال الدعوة واعتراف وزارة الأوقاف بعدد منهن خاصة خريجات معاهد الثقافة الإسلامية ومنحهن تصاريح لممارسة الدعوة إلا ان بعض العلماء والدعاة من الرجال يرون ان عمل المرأة فى هذا المجال ليس ضروريا ولن تقدم فيه المرأة شيئا ذا قيمة خاصة وان العلماء يقومون بهذه المهمة بكفاءة ولديهم القدرة على الحركة أكثر من الداعيات، كما ان السيدات والفتيات يحضرن الدروس والخطب التى يلقيها الدعاة الرجال ويقدمن كل الأسئلة اللاتى يرغبن فى تقديمها. التحقيق التالى يعرض لصورة المرأة الداعية فى عيون علماء الأزهر ويوضح مدى تأييدهم أو معارضتهم لعمل المرأة فى هذا المجال. فى البداية يشير الشيخ يوسف البدرى الداعية الإسلامى المعروف إلى ان عمل المرأة بالدعوة أمر لا يستطيع أحد ان ينكره أو يرفضه موضحا ان الإمام السيوطى عد فى كتبه أكثر من مئة شيخة تلقى على أيديهن العلم لكن المشكلة التى تواجهنا الآن تتمثل فى كيفية إعداد المرأة وتأهيلها للعمل فى مجال الدعوة خاصة ان معظم العاملات فى هذا الحقل من غير خريجات الأزهر ولم يتلقين التعليم الشرعى الذى يمنحهن القدرة على العطاء فى هذا المجال. ويرصد الشيخ البدرى حركة الدعوة منذ عقد السبعينيات وظهور بعض الدعاة الجدد والداعيات فيقول ان الإسلام فى السبعينيات كان اسلام الفقراء واسلام المستوى الأدنى ولذلك كان هؤلاء يؤمنون بأشياء معينة بعضها لا يتفق مع تعاليم الإسلام وهذا ألحق أضرارا بالدعوة الإسلامية موضحا ان الدعوة بدأت تنتشر الآن بين أبناء الطبقة الراقية فأصبحت المرأة داعية ولديها سيارة فارهة وتعمل فى مواقع مهمة وهذا أدى إلى وجود اسلام آخر - كما ظهر اسلام الفقراء فى السبعينيات - يختلف عن اسلام الكتب واسلام الوحى فهو اسلام يؤمن بأن الحجاب أى شئ وان الصلاة أى شئ فالمهم أن يصلى ويقرأ القرآن وهذا أدى إلى انتشار البدع أكثر وأكثر مع تلك السيارات الفارهة ومع تلك الجلسات والدروس المرفهة ومع تلك الداعيات اللاتى يعيشن فى مستوى راق خسرت الدعوة الكثير وضاعت بعض القيم والتقاليد الإسلامية وأصبحت هناك تبريرات غريبة لبعض الأفعال التى تخالف الإسلام. ويؤكد ان الإسلام لا هذا ولا ذاك فالإسلام اسلام لا يؤقلم وتعاليمه لا تختلف من وسط فقير إلى وسط غنى فالإسلام من مميزاته انه يجمع الغنى مع الفقير فكان بلال بن رباح مع عبدالرحمن بن عوف وزيد بن حارثة مع أبى بكر الصديق فالإسلام يجمع كل هؤلاء أما أن نغير تعاليم ومفاهيم الإسلام طبقا لمستويات الناس فهذا أمر مرفوض. الإسلام «المودرن»! ويطالب الشيخ البدري بتوحيد المفاهيم أولا وتحديد أى اسلام نريد هل اسلام العلماء أم اسلام التجار مشيرا إلى انه ليس هناك ما يمنع الاختلاف فى الرأى لكن الواجب هو البعد عن الخلاف بقدر الإمكان وبالطبع يمكن ان نختلف فى الفهم لكن هناك ثوابت وأساسيات وهناك أصول لابد أن نرجع إليها جميعا. ويضيف قائلا ان الإسلام المرفه أو الإسلام «المودرن» الذى تحاول الداعيات - وبعض الدعاة نشره بين الناس الآن - ليس باسلام وكذلك إسلام الأزقة والحوارى ليس اسلاما ويضرب مثالا على اسلام الفقراء يقول كان بعض الدعاة من أنصار هذا التوجه يقولون ان النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ينم على سرير وانما نام على فراش على الأرض وبالتالى علينا أن نقتدى به الآن ولا ننام على الأسرة والفراش المريح مثل هذا الكلام ليس إسلاما، موضحا انه لا يجوز للإنسان ان يفهم الإسلام حسب أهوائه أو أن يكيفه حسب حياته فالإسلام يؤخذ من الآثار من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأعمال التابعين وتابعيهم وعلينا ان نرجع إلى هذا حتى نتوصل إلى الآراء الصحيحة. ويخلص الشيخ البدرى إلى القول ان الداعيات اللاتى يدعين الآن للأسف تنقصهن الدراسة والخبرة والتدريب وينقصهن ان يفهمن الإسلام الفهم الصحيح مؤكدا ان هذا يجعلهن ينشرن اسلاما مغايرا ولذلك نبدو جميعا بشكل مختلف ويستفحل النزاع بيننا والتناحر والتعارك ثم يعطى بعضنا ظهره للآخرين ويحدث نوع من الانفصام فى المجتمع وننقسم إلى فئات وجماعات وجمعيات وتزداد الفرقة يوما بعد يوم وهذا ما حذرنا منه القرآن الكريم فى قوله تعالى: (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) ويشير إلى ان الإسلام دين واحد فليس هناك اسلام خاص بالأمراء أو اسلام خاص بالكبراء أو اسلام خاص بالفقراء أو اسلام خاص بالصناع وبالتالى ليس من المنطقى أن يصبح لكل فئة اسلامها المختلف عن الفئات الآخرى. ويرى الشيخ فكرى حسن اسماعيل وكيل وزارة الأوقاف السابق ان عمل المرأة فى مجال الدعوة يعد تجربة رائدة مشيرا إلى ان وزارة الأوقاف أنشأت معاهد للثقافة الإسلامية تدرس فيها القرآن والتفسير والتجويد والفقه والحديث والسيرة والتاريخ الإسلامى والتيارات والقضايا المعاصرة لخريجى الجامعات من الجنسين ويحصل الناجحون على شهادات تسمح لهم بإلقاء خطب الجمعة والدروس الدينية فى المساجد بعد الحصول على تدريب عملى. ويشير إلى ان الإقبال على هذه المعاهد يتزايد من عام إلى آخر خاصة من الفتيات والسيدات موضحا ان الداعيات اللاتى تخرجن فى هذه المعاهد يعملن فى المساجد الكبيرة التى توجد بها أماكن خاصة للسيدات وتلقى كل داعية أربعة دروس كل أسبوع فى الفترة المسائية فى المسجد المخصص لها وتقوم مديريات الأوقاف بتنظيم هذه الدروس. ويرى ان هناك داعيات كثيرات ناجحات وممتازات ولهن نشاط جيد فى نشر الوعى وخدمة الدعوة الإسلامية مشيرا إلى رفضه التقليل من أهمية عمل المرأة فى مجال الدعوة لأننا فى حاجة إلى ان يكون فى كل مسجد داعية تقوم بخدمة الدعوة ونشر الوعى الدينى بين النساء فى المنطقة التى يتواجد فيها المسجد. ويضيف قائلا ان وزارة الأوقاف تخصص دروسا أسبوعية لهؤلاء الداعيات وتعقد لهن دورات تدريبية لرفع مستواهن وصقل خبراتهن حتى يكن مفيدات للإسلام وقادرات على أداء تلك المهمة الشاقة مؤكدا ان الذين يرفضون عمل المرأة فى مجال الدعوة لم يقرأوا التاريخ الإسلامى حيث ظهرت داعيات ومتخصصات فى العلوم المختلفة كان الرجال يطلبون العلم على أيديهن وفى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - كان للسيدة عائشة - رضى الله عنها دور كبير فى خدمة الدعوة والإجابة عن الكثير من الأسئلة الفقهية بجانب رواية الحديث وقد حسمت السيدة عائشة الكثير من القضايا التى كانت محل خلاف بين الصحابة. نزعة عصرية ويشير الدكتور محمد أبوليلة الأستاذ بجامعة الأزهر إلى ان هناك اقبالاً كبيراً من المرأة على العمل فى مجال الدعوة وقد لاحظت ذلك من خلال الدورات التى كنت أنظمها وفي مناهج الدعوة ووسائلها باللغة الإنجليزية والعربية فى كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر حيث يشارك فيها عدد كبير من السيدات والفتيات بالمقارنة بعدد الرجال أيضا لاحظت ان عدد المنتسبات للجامعة الأمريكية الإسلامية المفتوحة بالقاهرة أكثر من عدد الرجال ومن جانب آخر فإن أعداد النساء كبيرة وتتزايد بالنسبة للدارسات فى معاهد اعداد الدعاة سواء التابعة لوزارة الأوقاف أو الجمعية الشرعية أو المعاهد الخاصة فهناك حرص شديد منهن على التزود بالعلم الدينى والعمل فى الدعوة سواء فى المساجد أو النوادى والبيوت وهذه ظاهرة تستحق الدراسة والتفكير لأننا فى هذا الزمن نسمع كثيرا عن ضرورة مشاركة المرأة فى الأنشطة والأعمال القومية والاجتماعية مما أعطى مجالا واسعا لظهور جمعيات أهلية كثيرة على الساحة وظهور دور المرأة فيها. ويتساءل د. أبوليلة هل هذا يرجع إلى فترة التكاسل والانعزالية التى مرت بها المرأة المسلمة وهل هى مجرد رغبة لمجاراة النزعة العصرية فى ضرورة خروج المرأة إلى المجتمع ومشاركتها الكاملة مع الرجل فى مختلف أنواع الأنشطة ونظرا لأن المرأة المسلمة تتمتع بقدر كبير من الحس الدينى فانها تفضل ان يكون مكانها هو المسجد وأن يكون عملها خالصا لوجه الله مقصورا على النواحى الدينية خاصة فى ظل وجود عجز فى هذا الجانب بالنسبة للمرأة وهل لأن الحياة العلمانية تزحف على مجتمعاتنا وتحاول تجنيد المرأة لنشر أفكارها فجاء رد الفعل عكسيا فقبلت المرأة المسلمة المتمسكة بدينها ان تخرج إلى المجتمع ولكن بقيمها ورؤاها الروحية والدينية ؟ ويضيف قائلا لا أمانع أبدا ان تكون المرأة واعظة أو داعية أو متخصصة فى علم الاجتماع الدينى حتى يتسنى لها المساهمة فى حل مشكلات مجتمعها خاصة مشكلات الشباب التى تتراكم يوما بعد يوم مشيرا إلى انه قد تكون هناك امرأة لها من الحس الدينى والوعى بأحوال المجتمع ولديها من الثقافة العامة ما يمكنها من الوصول إلى القلوب والعقول فلا ضير ان تتحمل هذه المرأة بعض أعباء الدعوة إلى الله شريطة أن تؤهل نفسها لذلك بصدق واحتساب لأن الإحسان فى العمل مطلوب شرعا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ان الله يحب اذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه ) ويقول ابن عياض ان الإحسان فى العمل يعنى ان يكون هو الأخلص والأصوب لأن العمل اذا كان خالصا غير صائب لا يقبله الله وكذلك اذا كان صائبا غير مخلص لله لا يقبله الله. ويحذر د. أبوليلة من ان بعض السيدات قد يندفعن إلى الدعوة وبضاعتهن من العمل والخبرة قليلة وبعضهن قد يحسن العلم لكنهن لا يحسن العمل بهذا العلم فإذا ما أحسنت المرأة فى تناول العلم الشرعى وتجنبت الخوض فيما لا تحسنه وارتبطت بأحد العلماء المشهود لهم بالعلم والصلاح تستشيره وتطلب منه النصيحة فإن ذلك يكون أجدى وأفضل وأحوط فى اجادة العمل مؤكدا ان الوعظ ليس حكرا على أحد بعينه أو فئة بعينها لكنه فى نفس الوقت ليس كلأ مباحا. التكليف الإلهي ويرى الدكتور زكى عثمان الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية ان عمل المرأة فى مجال الدعوة مكفول لها كما هو مكفول للرجل لأن التكليف الإلهى فى هذا الشأن لا يفرق بين المرأة والرجل فقوله سبحانه وتعالى: س ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن... س ليس موجها إلى الرجل وحده أو إلى المرأة وحدها وإنما موجه إليهما معا. ويؤكد أنه ليس من المتصور منع المرأة من العمل فى هذا المجال لأنها تستطيع من خلاله خدمة بنى جنسها وتزويدهن بالمعارف الدينية كما ان هناك أسئلة كثيرة لا تستطيع المرأة توجيهها للدعاة من الرجال لكنها تستطيع توجيهها للداعية لأنها إمرأة مثلها تفهم بسرعة ما يدور فى ذهنها وتقدر مشاعرها بصورة قد لا تتواجد عند الرجل. ويشير د. زكى عثمان إلى تأييده لعمل المرأة فى مجال الدعوة مؤكدا ضرورة تشجيع المرأة ومساندتها حتى تتمكن من أداء هذه المهمة بالصورة المطلوبة وكذلك فتح المجال أمامها للدراسة فى الأزهر دراسة متخصصة دون التفات للعمر أو المؤهل السابق الذى حصلت عليه. ويتساءل لماذا لا يكون هناك نوع من التعليم المفتوح فى الأزهر يلبى حاجة الراغبين فى دراسة العلوم الشرعية من أبناء المسلمين مشيرا إلى ان ذلك سوف يتيح للمرأة الراغبة فى العمل فى مجال الدعوة فرصة ثمينة لكى تؤهل نفسها التأهيل الكافى قبل دخولها فى هذا العمل. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: