الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 هذه الحفنة من حروف المحبة، التي ترتاح بين يدي القارئ هنا، دعوة إلى السفر، على جسر توجه القلب نحو الحق، لتأمل أسرار جماليات المكان في العمارة الإسلامية، كما تتجلى في المساجد، على أمل الوصول إلى ساحة الاتصال، حيث مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار. ولئن نبا القلم بي، فليكن عذري عندك أني ـ أنا الذي أعمته دموع ندمه عن حقيقة جهله ـ ما أردت إلا الخروج من ضيق الظلمة إلى سعة الفيض. كما سبق لنا القول، نحن نقوم هنا برحلة داخل الرحلة، فنعبر اولاً ما اسميناه بالمجاز، وهو محاولة القاء نظرة، ولو عاجلة على النظرية الجمالية الاسلامية، قبل ان نطل على الفضاء الرحب الذي نناقش تحت سمائه موضوعنا الاساسي، وهو الزخرفة والحلي المعمارية كجزء من جماليات المكان في المساجد. وقد وضعنا يدنا على ما اسميناه بدلالة الحائرين، التي تساعدنا في عبور هذا المجاز، وهي اقرب الى خريطة تضم اربعة خطوط، هي على التوالي موقف المستشرقين من النظرية الجمالية الاسلامية، وطبيعة هذه النظرية، والمساهمون الخمسة الكبار في بناء صرح هذه النظرية، لنصل اخيراً الى الجماليات كما تتجلى في العمارة الاسلامية. فلنتابع معاً، اذن، هذه الابعاد الاربعة، مع الحرص على الا ينسينا الاهتمام بها انها اقرب الى مقدمة ينبغي ان تظل في حالة تناسب موضوعي مع ما تمهد له من طرح اساسي. لست احسبني أطلع على القارئ بشيء جديد يجهله أو لا يحيط به علماً، اذا بادرت الى الاشارة الى ان الكثير من المستشرقين والباحثين الغربيين قد اهتموا اعظم الاهتمام بدراسة الجماليات الاسلامية ومحاولة سبر اغوارها والتعمق في فهم اسرارها، سواء اكان مناط هذا الاهتمام علم الجمال الاولي، او ان شئت فقل علم جمال ما بعد الطبيعة، الذي يتألف من النشاط الفلسفي الذي موضوعه الجميل والتجربة الجمالية، او علم الجمال بالمعنى المتخصص والضيق، اي كمعرفة عملية ونظرية بالابداع الفني، وقد سلك المستشرقون في هذا المجال الطريقين المنطقيين، اللذين يفضيان الى فهم اسرار هذا الموضوع، وهما دراسة النصوص التي من خلالها يحدد المرء مفهوم الجمال ومبدأ ابداع الفن، والملاحظة المباشرة للأشكال الفنية باعتبارها اشياء لها معناها والتجربة التي تطرحها. ومن خلال اهتمام دام ربع قرن بموضوع دراستنا ومن ثم الركض وراء مراجعها ومصادرها، سأسمح لنفسي بضرب مثالين يوضحان مدى التراكم الهائل الذي حققه المستشرقون في غمار جهودهم تلك: المثال الأول كتاب من اهم المراجع في موضوعه، وهو كتاب الكسندر بابادوبولو بعنوان «جمالية الفن الاسلامي» الصادر في باريس عام 1972 والذي يقع في ستة مجلدات كاملة. المثال الثاني هو كتاب «الفن والعمارة الاسلاميان المبكران» من تحرير جوناثان بلوم، والذي صدرت احدث طبعاته في عام 2002 وهو يضم مجموعة ابحاث تقع في 420 صفحة عن الفن الاسلامي في الدولة الاموية وصدر الدولة العباسية، ولا يعدو ان يكون مجلداً واحداً من 47 مجلداً صدرت تحت العنوان الشامل «تكوين العالم الاسلامي الكلاسيكي». غير اننا ينبغي ان نلاحظ، على الفور تقريباً، ان هذا التراكم الكمي الهائل كان في خدمة اغراض شتى ليست الحقائق العلمية الموضوعية بالضرورة في صدارتها، ومن هنا فإننا نرصد مرات لا حصر لها تشديداً في كتابات المستشرقين في غالبيتها على فكرة محددة، قوامها القفز الى القول ان علم الجمال كفرع متخصص من فروع الفكر ليس له وجود بالمعنى الصحيح في الاسلام. هذه الفكرة نراها سائدة في الفكر الاستشراقي، باستثناء محاولات قليلة نادرة تشير الى رغبة في العثور على عناصر جمالية في المصادر الاسلامية المكتوبة في المقام الاول. غير ان هذه الفكرة ما كان يمكن لها ان تظل هكذا الى الابد بمثابة النغمة الدالة في الفكر العالمي، على حين تتعدد الحقائق الموضوعية التي تنقضها من اساسها، حيث قدر لهذه الفكرة الانكسار، الى حد التشظي، مع قيام العلامة الاسباني خوسيه ميجيل بويرنا فيلشيز باصدار كتابه الشهير في مدريد عام 1997 تحت العنوان الصارم والقاطع في دلالته «تاريخ الفكر الجمالي العربي»، حيث أرّخ فيه بدقة مدهشة لعلم الجمال في الفكر الكلاسيكي باللغة العربية، ولم يوضح بجلاء وجود هذا الفرع من الفلسفة في العصور الوسطى الاسلامية فقط وانما أظهر مدى ما اتسم به من عمق بالغ وقدرة فريدة على الانجاز. هكذا انحسرت بصورة ملموسة المماحكات والمجادلات الاستشراقية فيما يتعلق بهذا الميدان المرتبط بفقه اللغة التاريخي والمقارن والتحليل النصي، لكنها عادت لتثور حول الفنون الاسلامية ذاتها، وتتعدد الاسماء الاستشراقية التي لا يتردد اصحابها في الذهاب الى القول بأنه لا يمكن حقاً النظر في الفنون الاسلامية الا من وجهات النظر التاريخية والاجتماعية والوصفية. من هنا نلاحظ قلة عدد الباحثين الذين يستخدمون علم الجمال كنظرية ومنهاج لفهم التكوين الفكري واشكال الاعمال الفنية الاسلامية. هكذا يبين الى اي حد ترك فراغ حقيقي في الدراسة والبحث سواء في المجال المجرد المتعلق بالفكر الخالص او في ما يتعين معرفته حول الابداع الفني الاسلامي من خلال المنهاج الجمالي. والامر لا يقتصر على ذلك حقاً، وانما هو يتفاقم حقاً، ويبلغ قيمته في الميادين الابداعية الاسلامية المفردة على اختلافها، ففي المجال الذي يعنينا، وهو العمارة الاسلامية، سنرى ونلمس من المستشرقين عجباً، اي عجب. ان القاعدة التي تنطلق منها غالبية المستشرقين في دراساتهم هي الزعم بأن المسلمين خرجوا من شبه الجزيرة العربية خواة الوفاض الا من شيء واحد فقط، وهو لغتهم القوية الجميلة. وهذا هو على وجه الدقة ما يقوله جون هوج في كتابه الصادر في باريس عام 1982 تحت عنوان «العمارة الاسلامية» بل ان كريسويل لا يتردد في كتابه «صورة موجزة للعمارة الاسلامية المبكرة» في القول «كان يوجد اثناء عهد الخلفاء الراشدين فراغ معماري شبه كامل بحيث ان صفة عربي لا يصح استعمالها ابداً من اجل الاشارة الى العمارة الاسلامية». الامر، بالطبع، لا يقتصر، كما نعلم جميعاً، عند هذا الحد، وانما يمتد الى ما هو ابعد من ذلك بكثير، فالمستشرق المعاصر الكسندر بابادوبولو لا يتردد بدوره في كتابه «الاسلام والفن الاسلامي» في نفي وجود ارث معماري وفني عند العرب المسلمين، بل ويجرد العرب المسلمين الاوائل من اي احساس بجماليات العمارة، فيقول: «انه بالتأكيد (النبي) محمد صلى الله عليه وسلم، ولا الخلفاء الثلاثة في المدينة المنورة ولا المؤمنون قد تصوروا ولو مرة واحدة وجود تعبير فني للعمارة خاص بها، فكل جمال العالم بالنسبة لهم يوجد في لغة القرآن الرائعة، او في شعر الجاهلية، وليست لديهم اية تربية للاحساس حتى يقدروا جمال العمارة والرسم». ويضعنا د. غازي مكداشي من خلال كتابه «وحدة الفنون الاسلامية» في اجواء العالم الخلفي لهذا الموقف الاستشراقي، حيث يروي لنا انه التقى ببابادوبولو في جامعة السوربون في 1985 واعلمه بعزمه القيام بانجاز بحث في الفنون الاسلامية ودراسة جماليتها، فكان رد بابادوبولو عليه سريعاً وشديد الدلالة ايضاً، حيث قال له «لماذا هذا الموضوع الشامل.. ومن قال لك ان هناك وحدة في الفنون الاسلامية.. نصيحتي لك حصر موضوعك في ميدان واحد، خذ مثلاً العمارة لكونك مهندساً معمارياً.. ثم ما عليك سوى حصرها في بلدك لبنان مثلاً.. والانسب من كل هذا ان تتناول موضوع العمارة الاسلامية في بيروت فقط، حيث تقيم، فتحللها، وتدرس عناصرها جيداً، فخذ مثلاً هناك طالبة مغربية تحضر اطروحة حول مئذنة واحدة من المآذن في المغرب». ويلفت د. مكداشي نظرنا الى نقطة مهمة في النهج واسلوب الحركة الاستشراقيين، ذلك ان المستشرقين في غالبيتهم ينطلقون ـ كما رأينا ـ من تفريغ الانسان العربي المسلم من ارثه الفني، الذي يعود في احد ابعاده الى ما قبل ظهور الاسلام، ليقفز من ذلك الى موقف قوامه القول بأن نتاجات العمارة والفنون الاسلامية مجردة من الاصالة، ويزعمون ان الفن الاسلامي ليس الا وعاء فارغاً ما لبثت ان تجمعت فيه عناصر اولية متفرقة استوردت من هنا وهناك، اي من نتاجات يونانية ورومانية وبيزنطية وساسانية، والمرحلة الاسلامية، بحسب تخرصهم، لا تعدو ان تكون مجرد نقل لنتاجات حضارات غربية اساساً لتسليمها من جديد، بعد حوالي عشرة قرون لشعوب غربية لاحقة من اجل نهضتها الجديدة. لقد سبق لنا في الجزء الأول من هذه الموسوعة التصدي لهذه التخرصات، في ضوء الدراسات الميدانية المتعلقة بعمليات التنقيب التي اعادت لضوء النهار مدناً عربية اصيلة ذات منجزات حضارية مدهشة مثل قرية، عاصمة مملكة كندة ولسنا نرى هنا ما يبرر تكرار ما سبق لنا ان فصلنا القول فيه. هذه الرؤية للجمال اذا كانت هذه الموسوعة تستمد نفسها من دفق من المصادر والمراجع العربية والاجنبية المتخصصة، فإنها تدين بفكرتها ذاتها وبجانب كبير من استمراريتها لحوارات يعود بعضها الى اكثر من عقدين من الزمان، بينما اجرى البعض الاخر بالامس القريب، سواء للنشر في الدوريات الفنية المتخصصة في الفن والعمارة بخاصة، او لجلاء نقاط بعينها في عالم عمارة المساجد الرحب. هنا، بالضبط، يحضرني ما قاله د. اسماعيل سراج الدين، نائب رئيس البنك الدولي السابق والمدير العام لمكتبة الاسكندرية والرجل الذي يقف وراء عدد من اهم المراجع الحديثة عن عمارة المساجد، في غمار حديثه حول احدى ابرز اشكاليات عمارة المساجد الحديثة، وهي رمزية المساجد ـ يحضرني قوله ان خيال المعماري المبدع قيد وحيد على مقترحاته في البناء. هذا القول، في اعتقادي، من القوة والتماسك بحيث يمكننا ان نوسع نطاقه من ميدان العمارة لينسحب على النظرية الجمالية الاسلامية بأسرها، على ان يكون واضحاً ان ما قصده د. سراج الدين بالخيال انما هو حصاد التأمل والتدبر اللذين يحفل القرآن الكريم بالدعوة اليهما. فواقع الامر ان تاريخ الفكر الاسلامي قد شهد ظهور مجموعة من الفلاسفة الكبار، طوروا مع غيرهم نظرية اصيلة في علم الجمال، وخاضوا في غمار التوصل الى هذا الانجاز الكبير غمار تحديات لا مجال للتقليل من شأنها بحال. وعلى الرغم من كل مماحكات المستشرقين وتخرصاتهم، فإن هذا الانجاز يظل عملاً باهرا الى حد ان الكثير من استبصاراتهم تقف اليوم على قدم المساواة مع ثمار علم جمال الظاهريات. وقبل ان نتطرق الى من وصفناهم بالعمالقة الخمسة في الفكر الجمالي الاسلامي وطبيعة انجازه، لابد لنا اولاً من ملاحظة ان هذه المناقشة التي نحن بصددها يكمن في جذرها امران لا موضع للتشكيك في جلائهما ووضوحهما. * الامر الأول متعلق بالنظام المعرفي، ويدور حول علم الجمال ذاته كعلم وكطريقة تفكير تنبع من التقاليد الفلسفية للعالم العربي الحديث، ومن ثم فإنه يرتبط بالقواعد والمبادئ والمنطق الذي حكم هذه التقاليد، وبالتالي فإنها بحاجة الى جهد فكري حقيقي، اذا ما اريد سبر اغوارها من جانب من ينتمون الى حضارات اخرى غير الحضارة الاسلامية، وربما كان ذلك ـ بالضبط ـ احد مصادر تعثر بعض المستشرقين في فهمها واستيعابها بشكل متكامل. * الامر الثاني متعلق بالنظام الثقافي، وهو يتعامل مع المفهوم الاسلامي لممارسة الفنون، او بالاحرى لما يعتبر فنوناً بصفة عامة. ومن الواضح ان هذا المفهوم يحمل ـ كما يعرف الجميع ـ بعض الضوابط العرفية (على سبيل المثال ما يتعلق بالتصوير التشبيهي الذي سنعود الى مناقشته تفصيلاً في موضع لاحق) ومن ناحية اخرى فإن قواعده ومبادئه المحددة لاتزال بحاجة الى دراسات تفصيلية لبلورتها بشكل محدد وواضح من واقع النصوص والاعمال المتاحة اليوم. اذا استقر ما تقدم، فإن علينا ان نتفهم ان النظرية الجمالية الاسلامية ليست رؤية جمالية معلقة في فراغ، او بتعبير اخر فإنها لا تعالج موضوعها منهاجياً على نحو منفصل كموضوع للمعرفة، وانما هي تدرجه في المجال الاوسع نطاقاً لأنساق مسائل مختلفة انطولوجية ودينية في المقام الأول الى جوار ما يستمد منها. هذه الرؤية الجمالية الاسلامية، التي من الجلي انها اتسمت باعتماد قوي على مجالات معرفية اخرى، تفصح عن نفسها في مجالات شتى، لكنها تعطي الاولوية في هذا الافصاح لمجال المشكلة الكبرى المتعلقة بالجمال الالهي والجمال العضوي، وبالادراك الباطن والادراك الحسي. وبتعبير اخر فإن الجمال الذي يمكن ملاحظته لابد له ـ بحسب الرؤية الاسلامية للجمال ـ من ان يشير او يفهم بالضرورة في ارتباط لا ينفصم مع مفهوم الجمال الالهي. ما الذي يترتب على ذلك على وجه الدقة؟ من المحقق انه تترتب عليه نتائج عديدة، ولكن من المؤكد بالدرجة نفسها انه في صدر هذه النتائج ان التجربة او المعايشة البصرية لما هو جميل تتضمن على نحو من الانحاء تردداً روحياً من خلال ادراك معرفي ذي طبيعة ميتافيزيقية. وربما كان اعظم ما في الالوان الفلسفية التي تضمها الرؤية الجمالية الاسلامية انها تشكل قدراً من الثراء والاصالة يثير دهشة الباحثين والدارسين حتى اليوم. في خيمة الغزالي الآن حان موعدنا للقاءات سريعة ومتتابعة مع من وصفناهم بالعمالقة الخمسة الذين طوروا ـ مع غيرهم ـ النظرية الجمالية الاسلامية. ولكن من هم هؤلاء العمالقة بالضبط؟ من المحقق ان متابعة هذا الجانب ستظل شيئاً ناقصاً، يصرخ مطالباً بالاستكمال، ما لم نناقش في اطاره، على التوالي، مساهمات الغزالي، وابن حزم، وابن سينا، وابن رشد، لنصل اخيراً الى ابن الهيثم. ولكن اليست هذه المتابعة وبهذا التوصيف شيئاً يفوق سقف طموحه هذه المقدمة التي وصفناها بالمجاز والتي علقنا الآمال على ان تفضي بنا سريعاً الى فضاء موضوعنا الرئيسي؟ اليس من شأنها ان تحول ما وصفناه بالرحلة داخل الرحلة الى الرحلة بالمعنى المطلق؟ اليست النظرية الجمالية الاسلامية من الاتساع والعمق بحيث تتحدى امكانية الالمام بها في صفحات هذه المقدمة التي نأمل الا تطول بأكثر مما قدرنا وتوقعنا؟ اننا ندرك ـ بلا شك ـ وجاهة هذه الاسئلة، وما تعكسه من قلق منهجي مبرر تماماً، بل وقد نذهب الى الاتفاق مع المنطق الكامن وراءها. لكننا نعتقد في الوقت نفسه بأمانة انه ما لم يتم اعطاء هذه المتابعة حقها فإننا لن نخرج من المجاز الذي تحدثنا عنه الى فضاء تأمل موضوعنا الاساسي وهو الزخرفة والحلي المعمارية كجزء من جماليات المكان في المساجد، وانما سنخرج الى صحراء نضل فيها فلا نفهم الالغاز الكامنة وراء قضية التصوير التشبيهي، او الى غابة نعجز في متاهاتها عن التعامل مع ما يسمى بعقدة ملء الفراغ، او الى متاهات لا تنتهي نقف فيها حيال العربسة والهندسة والخط وقفة اولئك الرحالة الفيكتوريين الذين لم يروا في هذا كله إلا غرائبيات لم يعودوا الى اوطانهم من فهمها الا بالقشور. فلنسرع الخطى، اذن، عبر المجاز الذي تحدثنا عنه، ولنكتف بمصافحة سريعة مع مساهمة كل من هؤلاء العمالقة الخمسة في تطوير النظرية الجمالية الاسلامية، آملين ان نصل في نهاية المطاف الى حد ادنى من الفهم الواضح لابعاد هذه النظرية. الواقع انه كان لابد من البدء تحت خيمة الغزالي، على الرغم من أن مرجعاً مهماً وحديثاً هو كتاب «الجمال والاسلام الجماليات في الفن والعمارة الاسلاميين الصادر في لندن عام 2001 لا يلقي ضوءاً يذكر على مساهماته الجمالية، بل ان مؤلفته، فاليري جونزاليز، لا ترجع الا لكتاب واحد من كتب الغزالي، هو «مشكاة الانوار»، ذلك انه كما قلنا بدون فهم مساهمة الغزالي تظل هذا المتابعة بعيدة عن الحد الادنى من التكامل. الغزالي ـ كما هو معروف ـ حجة الاسلام، وزين الدين، ابو حامد محمد بن محمد بن محمد بن احمد الغزالي الطوسي، ولد بطوس في خراسان في عام 450 هجرية (1058 ـ 1059 ميلادية). وكانت سياحته في دنيا الناس الفانية تجسيداً لرحابة دار الاسلام وتواصل امواج البشر فيها، فقد سافر الى جرجان قاصداً الامام ابي نصر الاسماعيلي، وقدم نيسابور حيث لازم امام الحرمين، ثم توجه للتدريس بالمدرسة النظامية في بغداد بتكليف من الوزير نظام الملك، ثم غادرها قاصداً الحج، واقام في دمشق مدة قصيرة، ومنها الى بيت المقدس، فالخليل، وثمة رواية مفادها انه زار مصر، واقام بالاسكندرية مدة، وعزم على ركوب البحر للقاء يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، لكن نعي ابن تاشفين بلغه قبل ان يشرع، وما لبث ان عاد الى دمشق، ثم مضى للحج، ومر ببغداد في طريقه الى خراسان، حيث قام بالتدريس في طوس ونيسابور، ثم عاد الى بيته، واتخذ في جواره مدرسة للطلبة وخانقاه للصوفية، ووزع اوقاته ما بين ختم القرآن ومجالسه ذوي القلوب كما يعبر ابن عساكر، حتى اتاه مفرق الجماعات في 14 جمادى الآخرة عام 505 هجرية (18 ديسمبر 1111 ميلادية) بطوس، ودفن بظاهر قصبة الطابران. كان الغزالي ابن حضارته الاسلامية ووليد عصره الحافل بالصراعات والمتغيرات، لكنك اياً كان المنظور الذي تتبناه في تأمل انجازه لا تجده الا ضرب بسهم واخر في شتى المجالات، فإن كنت معنياً بالمخاطر التي عصفت بالعقائد ووصلت بالبعض الى حد الزيغ، لتوقفت طويلاً عند موسوعته الباهرة، «احياء علوم الدين» وان كنت مهتماً بالحركة السياسية وقبضة الايام التي اطبقت على عنق الخلافة، فإنك لا شك ستحرص على دراسة كتابه «المستظهري في الرد على الباطنية» المعروف ايضاً بـ «فضائح الباطنية». اما ان كنت معنياً بالفلسفة او بالاحرى بالرد على الفلاسفة فأمامك كتابه «تهافت الفلاسفة» تمهل، إذن، واختر ما يخاطب اهتمامك في انتاج الشيخ الجليل، فقد اورد د. عبدالرحمن بدوي في الجزء الثاني من موسوعة الفلسفة، قائمة تضم 42 كتاباً مرتبة بحسب تاريخ تأليفها قال انها تضم اهم ما رجح انه صحيح النسبة الى الغزالي. اما ما يعني كاتب هذه السطور في الغزالي فهو كثير، غير اني احسب انه يتصدره ان الغزالي تتلمذ على كتب المحاسبي والمكي والجنيد وسلسلة طويلة من الصوفية، ولبس مرقعتهم، وقدم اسهاماً جليلاً، هو انه كان الرجل الذي اسهم بأكبر نصيب في جعل التصوف مقبولاً عند عامة المسلمين وخاصتهم، وتجد اصداء من ذلك في ترجمته الذاتية المؤثرة التي يضمها كتابه «المنقذ من الضلال» حيث يقرر صراحة انه لم يجد السكينة الا في اتباع طريق الصوفية. وإن شئت فتأمل قوله في الطبعة القاهرية من ذلك الكتاب (ص 128) التي حققها عبدالحليم محمود: «اني علمت يقيناً ان الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وان سيرتهم احسن السير وطريقهم اصوب الطرق واخلاقهم ازكى الاخلاق». الغزالي والجمال غير ان ما يعنينا من الغزالي في السياق الماثل بين ايدينا حقا هو ذلك الوضوح المذهل الذي يوجز به الغزالي جوهر الرؤية الاسلامية للجمال، حيث نلمح التصاعد من التجربة البصرية الحسية الى ادراك كلي، ميتافيزيقي في جوهره، فتغدو النظرة استبصاراً اسمى حيث يقول حجة الاسلام في ص 303 من الجزء الرابع من «احياء علوم الدين» ما نصه حرفياً: «إن الجمال ينقسم الى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس والى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة. والأول يدركه الصبيان والبهائم والثاني يدركه ارباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لا يعلم الا ظاهرا من الحياة الدنيا. وكل جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال، فإن كان مدركاً بالقلب فهو محبوب القلب». لو اننا توقفنا عند هذا المقتطف من الغزالي واعدنا تأمله، للاحظنا ان نهايته تضعنا عند جانب بالغ الاهمية في الرؤية الاسلامية للجمال وهو المتعلق بالمحبة، حيث حب الشيء لذاته لا لغيره، فمصدر الموقف الجمالي بحسب هذه الرؤية هو في كون ان كل محبة هي من محبة الله. ان اردت فهماً حقيقياً لهذا الجانب، فما عليك الا التوقف عند قول الغزالي في «الاحياء» ايضاً: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الخضرة والماء الجاري، والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر الى الانوار، والازهار، والاطيار المليحة الألوان، الحسنة النقش، المتناسقة الشكل، حتى ان الانسان لتفرج عنه الهموم والغموم بالنظر اليها، لا لطلب حظ وراء النظر». مرة اخرى لو انك أعدت تأمل جوهر ما يقوله الغزالي في هذا المقتطف للفت نظرك، على الفور تقريباً، ان النظرة التي يقدمها هنا لمعنى الجمال هي، في جوهرها، الموقف الجمالي الحقيقي، كما يعبر عنه علم الجمال الحديث، وهو الموقف الذي لا يتم بصورة اساسية الا بمحبة الشيء الجميل أولاً. غير ان الغزالي لا يتوقف عند هذا الحد، وانما يتابع في «الاحياء» كذلك الحديث عن حب الشيء لذاته فيقول عن الانسان: «انه يحب الشيء لذاته، لا لحظ ينال من وراء ذاته، بل تكون ذاته عين حظه، وهذا هو الحب الحقيقي الذي يوثق بدوامه، وذلك كحب الجمال والحسن، فإن كل جمال محبوب عند مدرك الجمال، وذلك لعين الجمال، لأن ادراك الجمال لعين اللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها». وكما سبقت لنا الاشارة، فإن مصدر هذا الموقف الجمالي وجوهره يكمن في ان كل محبة هي من محبة الله، على ان تكون محبة الله هذه مجردة عن اي غاية غير رضاه والامتثال لأمره تعالى. غير ان الغزالي لا يتطرق إلى هذا البعد وحده في الرؤية الجمالية، وانما هو في كتاب «كيمياء السعادة» ـ وهو كتاب في الصوفية اساساً الفه حجة الاسلام بالفارسية وترجم الى لغات عديدة منها العربية والاوروبية ـ يتناول جانباً مهما من جوانب التجربة الجمالية، يتعلق بادراك التناسق العام والتوازن القائم بين الاجزاء وكمال التكوين في العمل الفني، وقد وصف طبيعة هذه الناحية وصفاً يجمع بين البلاغة والعمق والايجاز، حيث يقول في نص شهير: «كل شيء جماله وحسنه في ان يحضر كماله اللائق به الممكن له، فإذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال، والخط الحسن كل ما يجمع ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها. ولكل شيء كمال يليق به، وقد يليق بغير ضد، فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به، فلا يحسن الانسان بما يحسن به الفرس ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت، ولا تحسن الاواني بما تحسن به الثياب وكذلك سائر الاشياء». هكذا تكتمل دائرة سعينا وراء فهم مساهمة الغزالي في النظرية الجمالية الاسلامية بدءاً من التعمق في فهم الجمال وصولاً به الى الجمال المطلق وانتهاء بسبر غور التجربة الجمالية كمعايشة وادراك. وربما هذا الاكتمال دعوة لنا جميعاً لفهم معنى الكمال عند اهل الحقيقة. ولم لا؟ اليس يعلمنا ابن عربي ان: «الكمال في جوهره الصافي التنزيه عن الصفات وآثارها»؟ الا يفتح الجيلي عيوننا على ان: «كمال الله تعالى عبارة عن ماهيته وماهيته غير قابلة للادراك والغاية فليس لكماله غاية ولا نهاية»؟ تأليف: كامل يوسف حسين