الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 قال الله عز وجل: «مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً أفلا تتذكرون» هود/24. هذا مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمؤمنين (وقد أشير إليهم في الآيات التي سبقت هذه الآية) شبه به حال الكافرين بالأعمى الذي لا يبصر الحق ولا يهتدي إليه، وبالأصم الذي لا يسمع آيات الله ولا يهتدي بها، وشبه حال المؤمنين بالبصير الذي يبصر الحق ويهتدي إليه، وبالسميع الذي يسمع آيات الله ويهتدي بها، فالفريقان لا يستويان مثلاً، لأن احدهما في النار، والآخر في الجنة. «لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون» الحشر/ 20. فهو عرض للفريقين معاً ـ الذين كفروا، والذين آمنوا.. أصحاب النار، وأصحاب الجنة ـ في هذه الصورة الحسية، التي يراها الناس رأي العين، والتي تمثل حال كل منهما في وضوح وجلاء.. فالذين كفروا يرون صورتهم على صفحة مرآة، لا تتحرك عليها إلا أشباح آدميين، معطوبين، مصابين بآفات العمى والصمم.. فالأعمى إذا دعا، لا يجد لدعائه من يستجيب، وهو لا يملك غير الدعاء.. والأصم إذا أشاد، لا يجد من يبصر إشارته، ويترجم مضمونها، وهو لا يملك غير الاشادة.. فهذا هو عالم الضالين والكافرين.. هم بين أعمى، لا يجد من الصم الذين بين يديه، من يستمع له، وبين أصم، لا يجد من العمي الذين معه، من يستجيب لإشارته.. فكل منهم ضال يحتاج إلى من يهديه، ويسد النقص الذي فيه، فكيف إذا كانوا كلهم عمياً وصماً. وأما الذين آمنوا فهم عالم نابض بالحياة، مستكمل كل أسباب الوجود الكريم.. فهم بين سامع ومبصر، وسميع وبصير، ليس في عالمهم مصاب بآفة العمى والبصر، وإنما هم متفاوتون في درجات السمع والبصر، فإذا كان فيهم السامع، فإن فيهم من هو أرهف منه سمعاً، وهو «السميع»، واذا كان فيهم من هو مبصر، فإن فيهم من هو أحد بصراً، وهو «البصير». وبهذا يكمل بعضهم بعضاً، ويصبحون آخر الامر جهازاً سليماً كاملاً، للمسموعات، والمبصرات جميعاً، يلتقطون كل مسموع، ويتبادلون المعرفة فيما سمعوا، ويكشفون كل منظور، ويتعاطون العلم لكل ما أبصروا واستبصروا. وفي قوله تعالى: «هل يستويان مثلاً» استفهام يراد به تقرير النفي.. أي: «لا يستوي الفريقان أبداً.. و«مثلاً» تمييز.. أي: هل يستوي هذان الفريقان من جهة المماثلة بينهما، والموازنة بين قدريهما؟.. وفي قوله تعالى: «أفلا تذكرون»، تحريض لذوي الألباب أن يقفوا عند هذا المثل، وأن ينظروا إلى ما فيه من عبرة واعتبار! فعلى ضوء هذا المثل ينكشف الفرق بين المؤمنين والكافرين! محمد اسماعيل عتوك