الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 إن الحق سبحانه يستهل سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم إعلان تحليل بهيمة الأنعام، ونحن نعرف أن الإنسان قد طرأ على الكون، فمن رحمة الله تعالى أن خلق الإنسان بعد أن آعد له الكون ليحيا فيه، ومعلوم أن قوام الحياة يكون من الجماد، ومن النبات ومن الحيوان. وقمة المسخرات للإنسان هى من الحيوان، لأن الجماد والنبات يخدمان الحيوان، والحيوان يشترك مع الإنسان فى أن له حياة وله دماء وله جوارح، والحق جاء هنا بالإعلان عن أعلى منزلة فى خدمة الإنسان وهى بهيمة الأنعام، قال سبحانه: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم مايريد) المائدة: 1. ويقول فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى رحمه الله إن الحق حينما يأمرنا بأن نوفى بالعقود فله سبحانه وتعالى كل السمع والطاعة، لأنه قبل أن يخلقنا خلق لنا الكون وسخر لنا كل ما فيه، وقمة المخلوقات المسخرة هى الأنعام. وكأن قوله تعالى: ( أحلت لكم بهيمة الأنعام) حيثية مقدمة من الحق. ولنا أن نلاحظ أنه جاء هنا بصيغة المبنى للمجهول فى ( أحلت )، لأن الإيمان جعلنا طرفاً فى أن تكون بهيمة الأنعام حلالاً لنا، وبهيمة الأنعام وقف عندها العلماء حيث توجد فى اللغة العربية صيغة هي فعيل، وصيغة فعيل تأتى بمعنى فاعل وتأتى بمعنى مفعول به، مثال ذلك نقول: الله رحيم، أى: أنه سبحانه راحم، وهو فاعل. وعندما تقول: فلان قتيل، فهذا يعنى أنه مقتول، وهو مفعول به. إذن.. فصيغة فعيل تأتى مرة فاعلاً ومرة أخرى مفعولاً به. وبهيمة من باهم ومن مبهوم فهى تصلح أن تكون من فاعل، ومن مفعول، وهي بهيمة لأن أمورها مجهولة مبهمة علينا، ولا نعرف حركتها أو إشاراتها أو لغاتها التى تتفاهم بها، إنها مبهمة علينا، أى فعيلة بمعنى فاعل، ويقول البعض: إنها بهيمة، لأنها لا تفهم ونحن المبهمون عليها. ولنا أن نقول: وهل من مهمتها أن تفهم؟. لا. إنها محكومة بالتسخير. والإنسان منا لم يأت للبهيمة بصنف طعامها وهو العلف، إلا بعد أن رآها وهى سائحة حرة تتجه إلى العلف لتأكله، عندما أراد الإنسان أن يأتى لها بطعام جاء لها بالصنف الذى تأكله، أى: أنها هى التى علمت الإنسان صنف طعامها. إذن... لا يقولن إنسان: إنها بهيمة لا تفهم، ولكن ليعرف كل منا أنها ليست مخلوقة لتفهم مسائل الإنسان، ولكن الإنسان هو الذى يتعلم منها، والدليل أن الله امتن على بعض المصطفين من خلقه بأن علمه منطق الطير مثل الهدهد الذي دهش وتعجب لما رأى قوم ملكة سبأ يسجدون للشمس من دون الله، حيث فهم أن السجود يكون لله الواحد القهار، لا للشمس. إن بهيمة ليست بمعنى أنها لا تفهم الإنسان وهو مبهم عليها، بل هى المبهمة على الإنسان وهى التى علمت الإنسان الكثير من أخلاقها وعادتها. ولذلك نجد هواة تربية الحيوانات يتعرفون على طعام هذه الحيوانات بعد أن تتبعوها وعرفوا ماذا تأكل، وعن أى شيء تبتعد، إننا نقدم للبقر البرسيم، ولا نقدم له النعناع، لأننا رأينا أن البقر وهو حر لا يأكل النعناع، ولكنه يأكل البرسيم. إن البقر إذن هو الذى علمنا أصناف طعامه. وكذلك النمل فقد قص الله تعالى قصة النملة التى قالت لبنى جنسها: ( ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده) [النمل: 18]. ونحن لا نفهم لغة النمل، والبهيمة محكومة بالغريزة التى لاتفهم، لكن الإنسان هو الذى يملك العقل. إن قول الله تعالى: ( أحلت لكم) دليل على أن الذى أحلها كان تحليله لها فى التسخير. والأنعام هى المذكورة فى قول الحق تعالى ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) [الأنهام: 143]. وكذلك قول الله تعالى: ( ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين)[الأنعام: 14]، إنها ثمانية أزواج، ثم ألحق رسول الله صلى الظباء، وحمر الوحش، ولم يحل أكل ذى الناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير. وهذا التحليل لو أن الله لم يقيده لانصرف بدون قيد. وقوله تعالى: ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)[المائدة: 1]. ولولا ذلك لأسأنا إلى أنفسنا بأكل الميتة، والموقوذة، والمتردية، ولكن الحق أنقذنا من ذلك وحرم علينا تلك الأشياء الضارة.