الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 ان تتوسط وردة رقيقة راية جيش محارب وتحيط بها السيوف والرماح من كل جهة، فإن ذلك يعني الكثير، وقد يكون السبب في احد جوانبه اعجاباً بتلك الوردة المعينة وتيمنا بها كجالب للحظ والنصر، وقد يكون محاولة للتفريق ما بين افراد الجيش الذين يحملون الراية وافراد جيش العدو، ولكن ماذا يعني ان تتوسط وردة بيضاء راية الجانب الأول، وحمراء راية الجانب الآخر. الامر يحتمل عدة تفسيرات، لون الوردة رمز، واريجها رمز وجمالها رمز واسماء الورود مغلفة بهالة من الغموض، وما نحن بصدده الآن احداث تاريخية اطلقوا عليها حرب الورود وتواصلت طوال اكثر من ثلاثين عاما وراح ضحيتها الآلاف وقتل خلالها سبعة ملوك. وحرب الورود التي امتدت ما بين العام 1455 ولم تهدأ إلا العام 1485، هي سلسلة من الحروب الاهلية التي اشتعلت بين فرعين من العائلة المالكة البريطانية، هما دوقية يورك ودوقية لانكستر حول عرش المملكة، وتوسطت وردة بيضاء راية جيوش دوقية يورك بينما توسطت وردة حمراء راية جيش دوقية لانكستر. كان هنري الرابع اول الملوك من دوقية لانكستر، وتم تتويجه بعد ان خلع الملك ريتشارد الثاني ابن عمه الطاغية، لم تتقبل الرعية والفروع الملكية الاخرى الامر واعتبرته خروجاً عن تقاليد وراثة العرش المتعارف عليها، فدخلت المملكة في سلسلة من الاضطرابات المدنية والانتفاضات ضد الملك الجديد مغتصب العرش. الإ ان هنري الخامس ابن الملك الجديد خطط بذكاء لإلهاء الشعب واعلن الحرب ضد فرنسا ولحقت الهزيمة بالجيوش الفرنسية في موقعة اجينكورت وتحول الامير الشاب الى بطل قومي. وتضمنت اتفاقية السلام مع فرنسا زفاف الاميرة كاثرين الى القائد المنتصر وهكذا فتح الباب امام ابنائه ليرثوا عرش فرنسا، ولما كان هنري الخامس عسكرياً بالفطرة انطلق للقتال مرة ثانية إلا انه فارق الحياة فجأة وخلف وريثاً لم يمتع بصره بالنظر اليه. وسادت الفوضى والاضطرابات عهد الملك هنري السادس ومزقت البلاد الدسائس والصراعات السياسية وسيطر امراء الحرب على زمام الامور وعانى الملك الصغير من هجمات الجيوش الخاصة التي شكلها النبلاء وحتى بعد ان بلغ الملك سن الرشد كشف عن ضعف وعدم كفاءة في ادارة شئون المملكة، ويقال انه كان شديد الهدوء ويميل للعزلة والتأمل ويمكن ان يصبح كاهناً ممتازاً ولكن ليس ملكاً يسود الرعية. تم تزويج الملك الشاب من مارجريت ذات الخمسة عشر ربيعاً وابنة دوق انجيو ولما كانت قوية الشخصية وطموحة لم تجد الملكة الصغيرة صعوبة في السيطرة على زوجها، وكانت تشكل مع حاشيتها مجموعة لا يهمها سوى زيادة ثرواتها ونفوذها، وفي ظل الهجمات الشرسة على كنوز المملكة ومواردها المالية اعلنت الخزانة افلاسها وتحولت الملكة الى شخصية ممقوتة من الشعب الذي اتهمها باهدار كل ما حصلت عليه انجلترا من حربها الضروس مع فرنسا. وفي هذه الاثناء دخل الملك في نوبة اغماء تخشبي، الامر الذي اتاح الفرصة لجناح قوي يقوده ريتشارد نيفيل، ايرل يورك الملقب بصانع الملوك لتنصيب ريتشارد دوق يورك وصياً على العرش. وبالرغم من ان ريتشارد كان يعتقد بأنه الاولى بعرش المملكة وليس هنري إلا انه لم يعر الامر اي اهتمام. وما كان ليتمرد على الملك لولا نقمة مجموعة الملكة مارجريت عليه وتجريدها اياه من حقوقه وثرواته لانها كانت تخشى ان يمكنه نفوذه وثراؤه على الدخول في نزاع على العرش. وتراجع نفوذ وطغيان الملكة تحت ضغوط دوق يورك، الى ان عاد الملك لوعيه العام 1455 ليعيد هيبة ونفوذ مارجريت وحاشيتها، القي القبض على الدوق بدون اذن رسمي وزجت به مارجريت في السجن، دون ان تعي ما يمكن ان تحدثه هذه الخطوة من تداعيات لا لسبب إلا لانه حضر لاحدى الاجتماعات بصحبة عدد قليل من الحراس. ولم يجد الدوق مفرا من الدفاع عن نفسه فقد كان يدرك مدى خطورة مارجريت وحاشيتها، وهكذا اندلعت أول معركة في سلسلة حروب الورود في العام 1455 وحقق فيها الدوق نصراً كاسحاً. إلا انه كشف عن ولاء غير عادي للملك وعن حسن نية متأصل اذ لم يخلع الملك الذي كان اسيره ولم يفرض عليه اي شروط، وقام بدلاً عن ذلك بالاعتذار عن رفع السلاح في وجه ملك انجلترا، وساد الهدوء لاربع سنوات. واشتعلت الحرب الاهلية مرة اخرى العام 1459، وحقق الجانبان بعض الانتصارات وتعرضا للهزائم، إلا انه ايرل وارفيك حقق نصراً كاسحاً والحق الهزيمة بجيوش لانكستر في معركة نورثهامبتون العام 1460. وفي خطوة دراماتيكية وامام حشد من النبلاء بقاعة العرش حاول دوق يورك انتزاع العرش وتقدم في خطوات واثقة ووضع يده على كرسي الملك. وران الصمت ولم يسر الدوق، فقد كان ذلك الصمت اشارة بعدم اغتصاب العرش، وقد كان الدوق حكيما وقبل بمنصب ولي العهد. ولم تسكت الملكة مارجريت على فقدان ابنها ادوارد لولاية العرش، وجمعت قواتها لقتال الدوق، وفي العام 1460 وفي هجمة مفاجأة وخاطفة قتلت جيوش لانكستر دوق يورك وشتت جيوشه. ولم يصمت ادوارد ابن دوق يورك الذي كان مقاتلاً شرساً على هزيمة جيوش الدوقية، وشن هجوما ضارباً على جيش الملكة والحق به الهزيمة واتجه نحو لندن التي وصل اليها قبل فلول جيوش لانكستر ونصب نفسه ملكاً في العام 1461 وطاردت قواته الفلول الهاربة واضطر الملك هنري ومارجريت وابنهما على الهرب الى اسكتلندا. وتعرض عرش الملك ادوارد الرابع الى ضربات متتالية من جيوش جورج شقيقه الاصغر ودوق كلارينس وتفاقمت الخلافات بينهما بعد ان تزوج الملك من فتاة من عامة الشعب اعتبرها جورج لا تليق بالاسرة المالكة ولا يمكنها نسبها المتواضع من ان تصبح ملكة لانجلترا، إلا ان الملك صمد في وجه العاصفة حتى اللحظة التي هاجمته فيها قوات شقيقته وقامت باسره، وتمكن الملك من الفرار واعاد تنظيم صفوف قواته والحق الهزيمة بشقيقه ومؤيديه ومن بينهم الملك هنري ومارجريت اللذين لقيا مصرعهما في ظروف غامضة. ولم تقف المؤامرات عند هذا الحد، فبعد عدة سنوات من الهدوء والاستقرار فارق الملك ادوارد الرابع الحياة وتم تنصيب ابنه ملكاً للبلاد، وكان الملك الجديد في الثانية عشرة من عمره ولم يكن جديراً بالعرش فاستغل عمه الفرصة وقام باغتصاب العرش منصباً نفسه الملك ريتشارد الثالث ولم يعلن النبلاء الولاء للملك الجديد وخاضوا حرباً ضده انتهت بقتله وبتنصيب هنري تيودور ملكاً حمل اسم الملك هنري السابع. وتوقفت حروب الورود بعد عقود من المنازعات الاهلية والمؤامرات والدسائس ووجد الشعب الاستقرار والأمن والرفاهية خلال فترة حكم هنري السابع الذي ظل يحكم البلاد حتى رحيله العام 1509. مأمون الباقر