الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 إن النظر فى كتاب الله ـ تعالى ـ والتأمل فى آياته، والاعتبار بهداياته، والعمل بآدابه وتشريعاته، والرسوخ فى فهم توجيهاته وإشاراته، كل ذلك يزيد المؤمنين إيمانا على ايمانهم. ويقيناعلى يقينهم، وثباتا على الحق على ثباتهم. ولقد وصف الله تعالى ـ كتابه الكريم بأوصاف جليلة، منها قوله ـ سبحانه ـ : «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين» [سورة البقرة: الآية 2] ومنها قوله ـ تعالى: «وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» [فصلت: 41، 42]. ومنها قوله ـ عز وجل ـ : «كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد» [ابراهيم: 1]. ومنها قوله ـ عز وجل ـ «كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير» [هود: 1] ومنها قوله ـ عز وجل ـ : «إن هذا القرآن يهدي للتى هى أقوم..» [الاسراء: 9]. ومنها قوله ـ عز وجل ـ : «وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين» [الاسراء: 82]. ومنها قوله ـ عز وجل ـ : «قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» [الإسراء: 88]. ومنها قوله ـ عز وجل ـ : «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله..» [الحشر: 21] إلى غير ذلك من الصفات السامية التى وصف الله ـ تعالى ـ بها كتابه الكريم. وقد انشرح صدرى للكتابة عن سورة «الأنعام» تلك السورة الكريمة التى عدد آياتها خمس وستون ومائة آية. وهى أول سورة «مكية» من طوال المفصل بالنسبة لترتيب المصحف، وتعتبر بالنسبة لهذا الترتيب السورة السادسة، فقد سبقتها سور: الفاتحة: والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وهى كلها سور «مدنية» باستثناء سورة الفاتحة. أما ترتيب سورة «الأنعام» فى النزول، فقد ذكر العلماء بعلوم القرآن، أنها السورة السادسة والخمسون، وأن نزولها كان بعد نزول سورة «الحجر». ويغلب على الظن أن نزول سورة الأنعام كان فى السنة الرابعة من البعثة النبوية الشريفة، وذلك لأن سورة «الحجر» التى نزلت قبلها فيها آية تأمر النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يجهر بدعوته، بعد أن مكث زهاء ثلاث سنين يدعو الناس سرا إلى إخلاص العبادة لله ـ تعالى ـ وحده، وهذه الآية هى قوله ـ سبحانه ـ : «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين» [سورة الحجر: الآية 94]. ومن المعروف تاريخيا أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكث يدعو الناس سرا إلى عبادة الله ـ تعالى ـ وحده، زهاء ثلاث سنين، ثم بدأت مرحلة الجهر بالدعوة فى السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمره الله ـ تعالى ـ بأن يصدع بما يؤمر به، أى: بأن يجهر بما يكلف بتبليغه للناس، يقال صدع فلان بححته، أى أعلنها وجهر بها لغيره. قال ابن اسحاق عند حديثه عن مرحلة الجهر بالدعوة الاسلامية: «ثم دخل الناس فى الإسلام ارسالا ـ أى: جماعات ـ من الرجال والنساء حتى فشا أمر الإسلام بمكة وتحدث به أهلها، ثم أن الله ـ تعالى ـ أمر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجهر بما جاءه منه، وأن يبارى الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره واستتر به، إلى أن أمره الله ـ تعالى ـ بإظهار دينه ثلاث سنين، من مبعثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال الله ـ تعالى له: «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين». طبيعة الفترة التى نزلت فيها سورة «الأنعام»: قلنا أن سورة «الأنعام» نزلت ـ على الراجح ـ فى السنة الرابعة من البعثة النبوية الشريفة، وهذه الفترة من تاريخ الدعوة الاسلامية كانت فترة جدال فكرى عنيف بين الإسلام والشرك، ففيها بدأ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجهر بدعوته، ويصارح قريشا برسالته، ويدعوهم بأعلى صوته إلى الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبين لهم بجرأة ووضوح بطلان عقائدهم، وسخافة تفكيرهم، واعوجاجهم عن الطريق المستقيم. لقد فاجأهم فى مطلع جهره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدعوته، بأن صعد على جبل الصفا، وأخذ يناديهم، فلما اجتمعوا من حوله. قال لهم: «إن الرائد لايكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذى لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالاحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا». وأخذ زعماء المشركين يدافعون عن معتقداتهم بكل وسيلة، بعد أن رأوا الدعوة الاسلامية يزداد نورها يوما بعد يوم، ورأوا أتباع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزيدون ولا ينقصون، ويعلنون أحكام دينهم بعد أن كانوا يخفونها، ويتحملون فى سبيل نشرها الكثير من ألوان التعذيب والترهيب، والمساومة والمقاطعة، وقابل المؤمنون الصادقون هذه التحديات من المشركين بشجاعة وثبات، وتحملوا تكاليف دعوتهم بصبر جميل، وكان ذلك أول النصر، لأن النور لايظهر إلا بعد الاحتكاك. وأخذت سور القرآن الكريم فى هذه المرحلة تتلاحق، وأخذت آياتها تتعاون وتتآزر، وكانت أغراضها متشابهة إلى حد بعيد، وكانت أولها وأحفلها بما نزلت له من أغراض بعد الجهر بالدعوة سورة «الأنعام» فقد جمعت كل العقائد الصحيحة، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين، وتفنيد شبه الملحدين، وإبطال العقائد الفاسدة، وتأكيد أركان ومبادئ الأخلاق الفاضلة، فكانت بحق هذه السورة الكريمة موافقة لطبيعة المرحلة التى كانت تجتازها الدعوة الاسلامية فى ذلك الوقت.