الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 من المقولات التي يشهرها اعداء الاسلام في وجه المسلمين على الدوام هي مقوله: «ان الاسلام دين غير انساني بتطبيقه حدود قاسيه من قطع اليد والرجم والقتل... الخ» وهي تهمة طرحناها على علماء الاسلام ففندوها واكدوا كذبها حيث يؤكد فضيلة الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الاوقاف المصري السابق أن هذا كلام جانبه الصواب وبمقارنته بين مبدأ وضعه الاسلام وما يماثله فى غير الاسلام يتضح لنا عكس هذه المقولة، فمثلا يقول الله تعالي (ولكم فى القصاص حياة) «هذا حد القصاص الذى وضعه الله بأن من قتل نفسا بغير نفس وتثبت الادلة عليه فانه يقتل قصاصا لمن قتله ولا يقتل غيره.. فهل فى هذا ظلم ام انه عين الانصاف والعدل واى قسوة في ان يُبتر أي سرطان يظهر في جسم الامة قبل ان يستفحل شره ويعظم خطره؟!!.. ألسنا نقوم فى حياتنا ببتر ساق او ذراع الانسان واستئصال كلية له اذا كان في بقاء هذا العضو ضرر يمكن ان يتعدى الى بقية الجسد وحينئذ يكون الاستئصال رحمة بهذا الانسان وليست قسوة عليه !! وقديما كان العرب يقولون فى هذا المعنى (القتل أنفى للقتل).. بمعنى انه اذا قتلت قبيلة او جماعة من قبيلة اخرى واحداً فقتلت القبيلة المعتدى عليها واحداً من القبيلة القافلة تكون قد انصفت بغض النظر عن القاتل والمقتول فقد يقتل غير القاتل فيكون ذلك عين الظلم.. فهل تحديد القاتل بغير حق ليكون موضع القصاص قسوة ام انه العدل فى الجزاء ليكون موضع القصاص من جنس العمل وبالتالي توفر الحماية للمجتمع من ظلم وتعدى المفسدين بصفة عامة !! وهذا المثال لحد من الحدود التى شرعها الاسلام ويمكن ان تقاس بقية الحدود لان المقام لا يسمح لسردها جميعها انما نكتفي بالنماذج التي تدلل على كذب وزيف هذه التهمة الموجهة للاسلام بأنه دين غير انساني. بينما يستنكر الدكتور عبد الصبور مرزوق هذه الشبهة الزائفة بأن الحدود فى الاسلام تتسم بالقسوة والوحشية مشيرا الى ان عكسها هو الصواب ولكن الغشاوة على قلوب هؤلاء الجاحدين والمشككين هي التي تجعلهم لا يرون الامور على طبيعتها، والقران الكريم قد ساق لنا المثل على ذلك فلا داعي اطلاقا للقلق من اثارة مثل هذه الشبهات ابدا.. فالاسلام ليس دينا يرغب فى القسوة ويشتهي العنف.. بل العكس هو الصحيح وهو انه دين يدعو الى الرحمة والتراحم والسماحة ولكنه فى الوقت نفسه يحرص على استتباب الامن واقرار السلم فى المجتمع ضمانا لحرية الافراد وصونا لحقوقهم فى امن وامان وحماية لانفسهم وعقائدهم وعقولهم واموالهم واسرهم، كما أن الاسلام حين يضع عقوبة لخطيئة ما يضع فى اعتباره عنصرين اساسيين وهما: أن الانسان ليس معصوما من الخطأ بل هو معرض له فى اى وقت.. ومن هنا فتح الاسلام باب التوبة اما المخطئون الذين يندمون على ما فعلوا ويريدون ان يطهروا نفوسهم وكل فرد فى المجتمع يهمه ان يعيش حياته آمنا مطمئنا على نفسه واسرته وممتلكاته، حيث لا يجوز ان تتحول انحرافات بعض الافراد الى ظاهرة هدامة تعصف بأمن المجتمع وتروع الامنين. ويضيف انه اذا كان الاسلام قد وضع الحدود لمعاقبة المجرمين فانه دعا الى درئها بالشبهات والى وقفها بالتوبة اذا رأى القاضي ان من تورط فيها قد ندم على فعلته وانه تاب توبه نصوحا وفى ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فان وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا عن سبيله فان الامام لأن يخطئ في العفو خير من ان يخطيء فى العقوبة» وهذا الحديث يدل على منتهى التسامح... هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد أن عقوبة الزنا من الامور التى يصعب تنفيذها نظرا لان الاسلام قد اشترط لثبوت جريمة الزنا ان يشهد على ذلك اربعه شهود ويقررون انهم قد رأوا وقوعها على نحو صريح لا شبهة فيه..، وهذا امر يكاد ان يكون فى عداد المستحيلات، ومن هنا فان حادثتي الرجم اللتين وقعتا فى تاريخ الاسلام تمتا بناء على اعتراف وليس على شهادة الشهود وقد حاول الرسول مرارا وعلى فترات مختلفة ان يثني كل من الجانبين على هذا الاعتراف ولكنهما اصرا على هذا الاعتراف اصراراً لم يجد معه الرسول مفرا من تنفيذ العقوبة التى لم تتكرر فى التاريخ الاسلامي لصعوبة اثبات الجريمة، .. ومن الواضح ان النبي امر بتنفيذ العقوبة وهو كاره لهذا التنفيذ. كما أن الاسلام لا يقطع يد سارق جائع سرق من اجل اطعام نفسه او اطعام اولاده ولكنه يعاقب السارق المتبجح الذى يسرق لا لحاجته ولكن لسرقة كسب الاخرين وكدحهم واشاعة الفساد فى المجتمع ومثل هذا الجاني لا يستحق شفقة من احد لانه هو نفسه لم يشفق او يرحم من سرق منه. وأشار الى أن شرط تطبيق العقوبة في السرقة هو توفير العدل الاجتماعى والقضاء على شبح الفقر فى المجتمع الأمر الذى لا يشعر فيه المواطن بدافع السرقة، ومن هنا اوقف الخليفة عمر بن الخطاب تنفيذ حد السرقة عام المجاعة التى شهدتها بلاد المسلمين وقتها عندما كانت الحدود مطبقة على نحو عادل فى عهده الاول فكان السائر من مكة الى الشام لا يخاف فى طريقه الا الله والذئب على غنمه فكل سارق كان يعلم سلفا ما هى العقوبة ومن اجل ذلك كان يفكر الف مرة قبل ارتكاب جريمة السرقة او غيرها من الجرائم ومن هنا كانت ندرة تطبيق الحدود.. فايهما افضل؟!.. استتباب الامن فى المجتمع وان ادى الى تطبيق العقوبة على بضعة افراد.. أم امتلاء السجون بالمجرمين وتعكير صفو المجتمع؟!... ثم من يستحق التعاطف معه؟! المجرم.. ام المجتمع وامنه واستقراره !!. في حين يرى الدكتور على جمعة ان الدارس للاسلام واحكامه يدرك حقائق اساسية لتشريع الحدود في الاسلام بأن الحدود فى الاسلام انما هى زواجر تمنع الانسان المذنب ان يعود الى هذه الجريمة مرة اخرى، وهي كذلك تزجر غيره عن التفكير فى مثل هذه الفعلة، وتمنع من يفكر من ان يقارن الذنب وهى ايضا مانع من الجريمة على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة، كما أنه من المقرر لدى علماء الاسلام قاعدة هامة للغاية وهي: (درء الحدود بالشبهات) اى جعل الظن والشك فى صالح المتهم، وأنه ليس المراد بالحدود التشفى وايقاع الناس فى الحرج وتعذيبهم بقطع اعضائهم او قتلهم او رجمهم..انما المراد هو ان تسود الفضيلة، ومن هنا نجد الشرع الشريف ييسر فى هذه الحدود فاذا اشتدت الظروف فى حالات الجوع والخوف والحاجة تُعطل الحدود كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى عام الرمادة، ومن التيسير ايضا ان الاسلام يأمر بالستر قبل الوصول الى الحاكم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل يشهد على الزنا (لو سترته بثوبك كان خير لك). ويضيف د. جمعة أن الحدود انما هى جزء من النظام الاسلامي العام فلابد من فهم النظام ككل حتى تفهم الحدود ولا يمكن تطبيق الحدود الا مع تطبيق النظام الاسلامي ككل والا لا ينسجم الأمر ولا تستقيم حكمة الله من تشريعه. فالحدود دعوة صريحة للتخلق بالاخلاق الحسنة التى هى من مقاصد الدين وهى ايضا طريق الى التوبة الى الله، فالمذنب اذا عوقب بعقاب الشارع الذى هو منسجم فى تكوينه وواقع وفق علم الله تعالي به وبنفسيته فان هذا يخاطب قلبه ومشاعره بوجوب الرجوع الى ربه ويكفى ارتداع المسلم على الجريمة ودخوله فى رحمة ربه ومعرفته بان ربه هو الذى شرع له هذا الحكم فان هذا وحده من شأنه ان يجعله يتوب وينجذب الى ربه ويصير مؤمنا بالله جل جلاله خاصة اذا علم ان هذا الحد يكفر عنه هذا الذنب. ويوضح أن الاسلام دين، والحدود والتعاذير انما هى في كل دين.. بل وفي كل نظام قانوني..، ومن اراد على ذلك مثال فالتوراة مثلا تأمر بحرق الزانية والزاني اذا كانت ابنة كاهن، ذلك قولهم واذا تدنست ابنة كاهن بالزنا فقد دنست اباها بالنار تحترق..، ومن النظم القانونية من يأمر بقتل الخارج على نظام الى غير ذلك وبذلك يتضح أن الحدود عقوبات واعية تتناسب مع النفس البشرية بينما نجد أن العقوبات البديلة خالية من هذه القيم. ويقول ان القاعدة هي انه ينبغى فهم حدود الاسلام في ظل نظامه المتكامل الذى يتخذ اسباب الوقاية قبل ان يتخذ اسباب العقوبة. فالحدود تمنع من وقوع الجريمة ولذلك نرى على مر التاريخ الاسلامي وعلى مساحة واسعة من بلاد المسلمين ان حد السرقة لم يطبق الا في اضيق الحدود وبعض حدود جدا لا يتجاوز العشرات مع كل هذه الملايين من البشر حيث استقر فى وجدان المسلمين ان السرقة جريمة من الجرائم السيئة التى تهدد الامن الاجتماعى والمجتمع فى ذاته بحيث تستحق مثل هذه العقوبة البدنية التى تشابه عقوبة الاعدام وعلى قدر عظم الذنب والجرم يكون عظم العقاب.الا اننا نجد أن بعض المعاصرين ينطلقون من نموذج معرفي آخر يقدم بدن الانسان فى ذاته بغض النظر عن افعاله وجرائمه، وقد خفى عليهم كل هدى سليم ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم. وحول حد الردة يؤكد د.جمعة ان الاسلام يقرر حرية اختيار الدين ولا يكره أحداً على ان يعتنق اى دين حيث يقول تعالي: «لا اكراه فى الدين» ولكن غاية ما هنالك ان الاسلام لا يقبل الشرك بالله ولا يقبل عبادة غير الله وهذا من صلب حقيقة الانسان باعتبار كونه ديناً من عند الله جل وعلا ومع ذلك يقبل النصارى واليهود و لا يقاتلهم على ماهم عليه ولكن يدعوهم الى الاسلام.. كما ان الاسلام لا يبيح الخروج لمن دخل في دين الله كما لا يكلف احدا ان يجهر بنصرة الاسلام ولكنه لا يقبل من احد ان يخذل الاسلام والذى يرتد عن الاسلام ويجهر بذلك فانه يكون عدوا للاسلام والمسلمين ويعلن حربا على الاسلام والمسلمين..، ولا عجب ان يفرض الاسلام قتل المرتد فان كل نظام في العالم حتى الذى لا ينتمي لا ي دين تنص قوانينه على أن الخارج عن النظام العام له عقوبة القتل لا غير فيما يسمونه بالخيانة العظمى. وهذا المرتد الذى يرتد عن الاسلام فى معالنه وجهر بارتداده انما يعلن بهذا حربا على الاسلام ويرفع راية الضلال ويدعو اليها المنفلتين من غير اهل الاسلام وهو بهذا محارب للمسلمين يؤخذ بما يؤخذ به المحاربون لدين الله، والاسلام لا يقبل ان يكون الدين ألعوبة يدخل فيه اليوم ويخرج منه غدا على طريقة بعض اليهود الذين قالوا: (امنوا بالذى انزل على الذين امنوا وجه النهار واكفروا اخره لعلهم يرجعون) والردة عن الاسلام ليست موقفاً عقلياً بل هى ايضا تغيير للولاء وتبديل للهوية وتحويل للانتماء، فالمرتد ينقل ولاءه وانتماءه من امة الى امة. القاهرة ـ مجاهد المليجي: